أم المؤمنين عائشة (2) منشأ قصة الإفك

إبراهيم الدويش

2011-04-20 - 1432/05/16
عناصر الخطبة
1/ المنهج النبوي الفريد في التعامل مع الأحداث 2/ دروس وعبر مستفادة من حادثة الإفك 3/ قصة الإفك كاملة ترويها صاحبتها أم المؤمنين عائشة
اهداف الخطبة

اقتباس

وقصة الإفك من أعظم الابتلاءات التي عرفها التاريخ الإسلامي، فيها ابتلاء للنخب، بدءاً من هرم الدولة، ومروراً برجالاتها، ثم العامة على حد سواء، فسبحان من ابتلى خليله-صلى الله عليه وسلم- بهذا الحدث! حتى يكون ثباته وموقفه وتدبيره ومعاملته ومعالجته لهذه القضية كلها تشريعاً لنا ونبراساً، ونوراً نستفيد منه في واقعنا المعاصر، وفي حياتنا اليومية ..

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطبيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فقد بدأنا بالحديث عن سيرة أمنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في الخطبة الماضية، وأشرنا فيها إلى منشأ قصة الإفك وسببها الرئيس، وأنها ليست معزولة عن سياقها السياسي والتاريخي، بل كانت المؤامرة حلقة في سلسلة حلقات ضمن مشروع انتقامي ثأري تولى كبره ابن أبي ابن سلول.

وقصة الإفك من أعظم الابتلاءات التي عرفها التاريخ الإسلامي، فيها ابتلاء للنخب، بدءاً من هرم الدولة، ومروراً برجالاتها، ثم العامة على حد سواء، فسبحان من ابتلى خليله-صلى الله عليه وسلم- بهذا الحدث! حتى يكون ثباته وموقفه وتدبيره ومعاملته ومعالجته لهذه القضية كلها تشريعاً لنا ونبراساً، ونوراً نستفيد منه في واقعنا المعاصر، وفي حياتنا اليومية.

وإثارة الإفك مرة أخرى في مثل هذه الأيام، وبعث خيوط المؤامرة وإشاعتها خير دليل وبرهان، فسبحان من قال: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب:21]، فمما زاد من ألم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الوحي قد استلبث شهرًا كاملاً لا ينزل على غير العادة، وذلك لحكمة يعلمها الله، فالوحي كان ينزل دائمًا بعد الحوادث مرشدًا ومبينا الحكم الشرعي، أما هذه المرة، ورغم أن القضية جد خطيرة، وتخص مباشرة صاحب النبوة، وحرم صاحب الرسالة، وسمعة عائلة لها مكانتها في خدمة الإسلام، ومع هذا كله يتأخر الوحي شهرًا كاملاً!.

سبحان الله! تأخر فصل السماء، ليكون في الأرض شأن آخر لحكمة بالغة يعلمها الله، وينتشر الخبر بين الكبير والصغير انتشار النار في الهشيم، وتلوك ألسنة عِرض أعظم رجل عرفه التاريخ، وأطهر بيت وأشرفه، ليتعلم الناس من قدوتهم كيف يكون التعامل في مثل هذه الظروف.

فلا عجب أن يتأخر فصل السماء ليستلهم الناس الدروس والعبر، فالرسول-صلى الله عليه وسلم- مع آلامه ومرارة الموقف لم يتعجل ولم يتشنج، بل كان مدرسة في الصبر والتعقل، كان صابرًا محتسبًا، يتثبت ويتحقق، ومع ثقته الكاملة بطهارة أهله، ونزاهة ساحتها، لم يعلن براءتها من عنده، وفي هذا رد على المستشرقين وأذنابهم، ودليل قاطع أن أمر القرآن ليس بيد الرسول-صلى الله عليه وسلم-، وليس من عنده، فلو كان من عنده لما مكث كل هذه المدة وهو يكتوي بهذه المحنة ويصطلي بنارها.

إنها المدرسة المحمدية التي ننسى في خضم الأحداث وتطوراتها، ننسى إرشاداتها وتوجيهاتها، نغفل عن منهجيتها الفذة في التعامل مع الظروف والأحداث، نجتهد وربما نتشنج ونتعجل، ننسى توجيه القرآن لنا: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب:21].

ثم إن الإفك ابتلاء لعائشة -رضي الله عنها-، الفتاة الصغيرة ذات الأربعة عشر عاماً، تُرمى في أمانتها وطهارتها، وهي الطاهرة العفيفة النقية، صديقة بنت صديق، تربت في عائلة لها سمعتها الطيبة حتى أيام الجاهلية، بل كان يضرب بها وبعائلتها المثل في الصدق والطهارة.

وفي الإفك ابتلاء للصديق أبي بكر -رضي الله عنه-، فهو أب ووالد، وهو المشهور بالصدق والعفة والديانة، وهو ثاني رجل في الأمة، فسبحان من ابتلاه بمثل هذا الأمر، يُرمى -رضي الله عنه- وأرضاه في شرفه، يُتهم في عرض ابنته، وزوج نبيه وخليله -صلى الله عليه وسلم-، فسبحان الله العظيم! قفوا وتأملوا وتدبروا أيها الناس! سبحان من قدر الإفك على هؤلاء؛ نبي كريم، وطاهرة عفيفة، وصديق ذو نسب ومكانة!.

سبحان ذي الجبروت والملكوت، سبحان ربي العظيم؛ لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، يُرمى هؤلاء الشرفاء في أغلى ما يَعتز به أي عربي، فضلاً عن أي مسلم، حتى بلغ الألم بأبي بكر مبلغه، فيقول بمنتهى الحسرة والألم والمرارة: "والله ما رُمينا بهذا في الجاهلية، أفنرضى به في الإسلام"!.

أيها المؤمنون: إن الإفك ابتلاء للمؤمنين والمسلمين عامة، قديماً وحديثاً، باعتبار أنه استهدف شرف حبيبهم ونبيهم، وأمهم الطاهرة العفيفة، فالمسلمون قديماً، كلهم، صغيرهم وكبيرهم، ذَكَرُهم وأنثاهم، تألموا شهرًا كاملاً، وتجرعوا من كأس المرارة من جراء هذه الفرية، شهراً كاملاً ينتظرون الفرج من الله.

وتأملوا الدرس الجميل هنا: فهم مع فرط وشدة حبهم لرسول الله ولأهل بيته، ومع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- معهم وبينهم، ويرون الألم والهمَّ في عينيه، وعلى قسَمات جبينه، ومع يقينهم وعلمهم ببراءة أهله، لم يُسجل التأريخ ولا النصوص والآثار أنهم قاموا بأعمال طائشة انفرادية تجاه هؤلاء الذين أشاعوا الفرية، ولم يتشنجوا بخطابات عاطفية انفعالية تجاه من نسجوا المؤامرة وروَّجوها، كما كانت عادتهم في الجاهلية في أحوال مشابهة، فهم قد يصبرون عن أي شيء، ولكن لا يصبرون إذا رموا بأعراضهم، بل تثور ثائرتهم، وتقوم قيامتهم، إلا أنهم بعد إسلامهم، وفي هذه الحادثة، سيطر الهدوء عند المسلمين، لقد كانوا صابرين محتسبين ينتظرون الفرج.

فما الذي أصبرهم! أين عمر وشدته؟ وأين سعد وغيرته؟ أين أمثال هؤلاء من الأبطال الشجعان من أن يؤدِّبوا هؤلاء المنافقين، ومن تبعهم من القلة المخدوعين من المسلمين؟ كان بإمكانهم أن يلقنوهم درسًا لا ينسى، لقد كانوا قادرين، لكن السر أن حياتهم تغيرت، وأحوالهم تبدلت؛ انضباط عجيب، والتزام بالشرع ليس له مثيل، فهم صابرون هادئون، يتشاورون وينتظرون كلمة دينهم الذي يفصل في القضايا.

فعلاً، تحوُّلٌ عجيب، حتى في العادات التي تقال إنها الطبيعة الثانية لشدة توغلها في نفس الإنسان، وسيطرتها عليه وعلى مشاعره، ضَبْطٌ للدِّين عجيب! ضبط للمشاعر والانفعالات والتصرفات، فالذي أصبَرَهُم هو إيمانهم، والتزامهم حقاً بتعاليم دينهم، وإرشاد نبيهم، حتى لا يتقدموا بين يديه، فهم ينتظرون حكم الله وحكم رسوله في القضية، وهكذا كانوا -رضوان الله عليهم- مع مشاعرهم وانفعالاتهم في الفتن والنوازل.

عباد الله: إن في قصة الإفك من الدروس والعبر ما يجعلنا نقف معها وقفات ووقفات، ونستنبط منها الدروس والعبر والعظات، ونستخرج من رحم الشر الفوائد والفرائد والمجوهرات. فتعالوا -إخوة الإيمان- نتتبع الحدث من أوله، ونسمع تفاصيل القصة مباشرة من فم صاحبتها، فإن في سرد عائشة -رضي الله عنها- لقصتها بيان عظيم لفهمها، ووفور عقلها وذكائها، وسرعة بديهتها، بل وعظيم ثقتها بربها.

اسمعوها تروي بجزالة أسلوبها، ودقة أحكامها، وحسن نظم كلامها، فوالله! إن من قرأ هذه القصة، أو سمعها بقلبه وعقله لما ملك عينيه ودموعه، فهي قصة تفيض بالمشاعر الصادقة، من في فتاة مظلومة صغيرة طاهرة، ألفاظ تحس بحرارة كلماتها الصادقة، تشعر بالحروف تتألم وتتوجع معها، إنها أنينُ مظلوم، وكلمات متوجع مقهور.

وأذكر خنين علامة زماننا وشيخنا ابن باز رحمه الله وهو يسمع الرواية تُقرأ عليه، كان له نشيج يُقطع نياط القلوب، من شدة تأثره لم يتمالك نفسه، بل لم يتمكن من التعليق على الحديث والقصة، فما استطاع حينها وهو يسمع الرواية إلا أن يُردد وهو بصدد شرحها: سبحان الله! سبحان الله! لا حول ولا قوة إلا بالله.

فاسمعوا عباد الله! رواية أمكم أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- وأرضاها، اسمعوها بقلوب حاضرة، وقلوب خاشعة، اسمعوها بقلب المظلوم المقهور، فالرواي هو من اصطلى بنارها، واكتوى بآلامها، فاسمعوا الرواية، اسمعوا الشكاية، اسمعوا الحكاية من مصدرها مباشرة.

تقول أمنا الحبيبة -رضي الله عنها-: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَعَهُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَكُنْتُ أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ.


فَسِرْنَا، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ دَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ، آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ، فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَحْلِي، فَلَمَسْتُ صَدْرِي فَإِذَا عِقْدٌ لِي مِنْ جَزْعِ ظَفَار قَدْ انْقَطَعَ، فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي، فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ.


قَالَتْ: وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يُرَحِّلُونِي، فَاحْتَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ أَرْكَبُ عَلَيْهِ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ، وَكَانَ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَهْبُلْنَ، وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ، فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ وَحَمَلُوهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ فَسَارُوا، وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا مِنْهُمْ دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ، فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ.


فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي، وَكَانَ رَآنِي قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي، وَوَاللَّهِ مَا تَكَلَّمْنَا بِكَلِمَةٍ، وَلَا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ، وَهَوَى حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَقُمْتُ إِلَيْهَا فَرَكِبْتُهَا، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ وَهُمْ نُزُولٌ.


قَالَتْ: فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَ الْإِفْكِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْن سَلُولَ، قَالَ عُرْوَةُ
(راوي الحديث عن عائشة) أُخْبِرْتُ أَنَّهُ كَانَ يُشَاعُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ وَيَسْتَمِعُهُ وَيَسْتَوْشِيهِ، وَقَالَ عُرْوَةُ أَيْضًا: لَمْ يُسَمَّ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ أَيْضًا إِلَّا حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ، وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، فِي نَاسٍ آخَرِينَ لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ، غَيْرَ أَنَّهُمْ عُصْبَةٌ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، وَإِنَّ كِبْرَ ذَلِكَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّانُ، وَتَقُولُ إِنَّهُ الَّذِي قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي *** لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ

قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْتُ حِينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَصْحَابِ الْإِفْكِ لَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- اللُّطْفَ الَّذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي، إِنَّمَا يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذَلِكَ يَرِيبُنِي، وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ، حَتَّى خَرَجْتُ حِينَ نَقَهْتُ، فَخَرَجْتُ مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ، وَكَانَ مُتَبَرَّزَنَا، وَكُنَّا لَا نَخْرُجُ إِلَّا لَيْلًا إِلَى لَيْلٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا، قَالَتْ: وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي الْبَرِّيَّةِ قِبَلَ الْغَائِطِ، وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا.

قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَأُمُّهَا بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرٍ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا، فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ! فَقُلْتُ لَهَا: بِئْسَ مَا قُلْتِ! أَتَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا؟! فَقَالَتْ: أَيْ هَنْتَاهْ! وَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قَالَتْ: وَقُلْتُ مَا قَالَ؟! فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ.

قَالَتْ: فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضِي، فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تِيكُمْ؟ فَقُلْتُ لَهُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وَأُرِيدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا، قَالَتْ: فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْتُ لِأُمِّي: يَا أُمَّتَاهُ! مَاذَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قَالَتْ: يَا بُنَيَّةُ، هَوِّنِي عَلَيْكِ! فَوَاللَّهِ لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا لَهَا ضَرَائِرُ إِلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: سُبْحَانَ اللَّهِ أَوَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا؟!.

قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، ثُمَّ أَصْبَحْتُ أَبْكِي، قَالَتْ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْأَلُهُمَا وَيَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ، قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ فِي نَفْسِهِ، فَقَالَ أُسَامَةُ: أَهْلَكَ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْكَ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ، وَسَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ.

قَالَتْ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَرِيرَةَ فَقَالَ: "أَيْ بَرِيرَةُ، هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ؟" قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! مَا رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ، غَيْرَ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ، قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ يَوْمِهِ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي.

قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْذِرُكَ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَانِنَا مِنْ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَكَ، قَالَتْ: فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْخَزْرَجِ، وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بِنْتَ عَمِّهِ مِنْ فَخِذِهِ وَهُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، قَالَتْ: وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَكِنْ احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدٍ:كَذَبْتَ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ، وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ رَهْطِكَ مَا أَحْبَبْتَ أَنْ يُقْتَلَ، فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ -وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ- فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ! لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ فَإِنَّكَ مُنَافِقٌ. تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ؟!.

قَالَتْ: فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا، وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ، قَالَتْ: فَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ كُلَّهُ لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ.

قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبَوَايَ عِنْدِي، وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ، حَتَّى إِنِّي لَأَظُنُّ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي، فَبَيْنَا أَبَوَايَ جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي، قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَيْنَا فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ مَا قِيلَ قَبْلَهَا وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ.

قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ "أَمَّا بَعْدُ: يَا عَائِشَةُ، إِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ اللَّهُ، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اعْتَرَفَ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.

قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لِأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-عَنِّي فِيمَا قَالَ، فَقَالَ أَبِي: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْتُ لِأُمِّي: أَجِيبِي رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا قَالَ، قَالَتْ أُمِّي: وَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-.

فَقُلْتُ، وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ مِنْ الْقُرْآنِ كَثِيرًا: إِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ، لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي، وَلَئِنْ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدِّقُنِّي، فَوَاللَّهِ لَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إِلَّا أَبَا يُوسُفَ حِينَ قَالَ: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف:18].

ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، لَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم- فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا.

فَوَاللَّهِ! مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِنْ الْعَرَقِ مِثْلُ الْجُمَانِ وَهُوَ فِي يَوْمٍ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَسُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ. قَالَتْ: فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قومِي إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، فَإِنِّي لَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ!.

قَالَتْ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) [النور: 11] الْعَشْرَ الْآيَاتِ أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي بَرَاءتِي... الحديث".

عباد الله: هذه هي القصة من فم صاحبتها، كلماتها حارة، حروفها متوجعة، إنها قصة أليمة، أحداثها عجيبة، لكنها مباركة ترسم منهجاً قرآنياً سماوياً فريداً لعلاج أخطر وأشنع وأبشع موضوع تعاني منه المجتمعات والأفراد على حد سواء، وهو موضوع "الإشاعة".

وسوف نذكر في الخطبة القادمة كيف أن القرآن عالج هذا الداء، وبكل أبعاده، حلاًّ جذريًّا، وهي فائدة عظيمة، ولو لم يكن في القصة إلا هذه الفائدة لكفاها، فكيف وفيها فوائد ودروس كثيرة؟ ولو أننا عملنا بمقتضى هذه الفائدة لنجونا من داء خطير يفتك بالمجتمع، وينخر كالدودة في جسمه، وينال من تلاحمه وترابطه، ونسيج وحدته.

نسأل الله أن يحفظنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم
 

 

  

 

المرفقات

أم المؤمنين عائشة (2) منشأ قصة الإفك.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات