أم المؤمنين عائشة (14) العالمة الفقيهة

إبراهيم الدويش

2011-04-21 - 1432/05/17
عناصر الخطبة
1/ موسوعيَّة أم المؤمنين عائشة علميا 2/ أسباب احتلالها تلك المكانة العلمية الرفيعة 3/ شهادة العلماء من الصحابة والتابعين والمعاصرين على سعة علمها 4/ اجتهادها ورأيها واستدراكاتها على كبار العلماء 5/ أهمية اقتداء نسائنا وبناتنا بها نهوضا بأمتنا
اهداف الخطبة

اقتباس

هكذا كانت أمُّ المؤمنين عائشةُ فريدةً في علمها، ومَوسُوعِيَّةً في معلوماتها، حريصة على النَّهْل من مَعِين النبوة، ومُطَّلِعة على عادات الجاهلية؛ إضافةً إلى أنها ألمـــَّتْ إلمامةً جميلةً بعُلوم أخرى، كاللغة، والأدب والشعر، والفصاحة والبلاغة؛ حتى أصبحَتْ أستاذةَ عصرها بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، يُشار إليها بالبنان، وتُراجَع، وتُسأل عن الغوامض من المسائل؛ حتى الخلفاء والأمراء يرجعون إليها، فضلاً عن العلماء وطلاب العلم ..

 

 

 

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى صحابته الكرام الذين اهتدوا بهديه، واقتدوا بسنته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فمن الصفحات العطرة في سيرة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- صفحةٌ جدُّ مشرقة في حياتها، صفحة ترسم لنا كيف كانت المرأة، وكيف كان دورها وعطاؤها؛ صفحة تستحق أن نقف معها طويلاً، خاصة الفتاة المسلمة الطامحة الحالمة، ففي فتياتنا خير كثير، فكم من فتاة بزّت الكثير من الشباب بهمتها وإبداعها! خاصة إذا وجدت من يأخذ بيدها، ويشد من أزرها.

فمَن يُصَدِّقُ أن عائشة ذات السن الفتيِّ التي لم تتجاوز الثامنة عشر، تُعد من أكثر النساء علمًا، بل وأوسعهم فقهاً، وأحدهم ذهنًا وذكاءً، فقد أحاطت بعلم الكثير مما يتصل بالدين، من قرآن وحديث وتفسير وفقه، وكان إليها المنتهى في الأمور البيتية الخاصة التي لا يطلع عليها غالبًا إلا أهل الرجل وزوجه؛ ولا عجب، فهي خريجة مدرسة النبوة، وألصق الناس برسول الله، وأحبهم وأقربهم إليه.

ولذا اتفق كل من يُعتد بقوله من أهل السير والتاريخ أن عائشة كانت امرأة موسوعية ليس لها نظير في النساء، فلها نصيب وافر في كل فن من الفنون، إلى درجة أنها أثارت إعجاب تلميذها وابن اختها عروة، فقال لها مستفسرًا عن السر: "يا أُمَّتاه! لا أعجب من فقهك؛ أقول: زوجة نبي الله، وابنة أبي بكر. ولا أعجب من علمك بالشعر وأيام الناس؛ أقول: ابنة أبي بكر، وكان أعلم الناس. ولكن أعجب من علمك بالطب! من أين هو؟.

قالت عائشة: أيْ عُرَيَّة -تصغير عروة للتحبيب-، إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يسقم عندي آخر عمره، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه، فتنعت له الأنعات، وكنت أعالجها له، فمن ثمّ. وكنت أمرض فينعت له الشيء، ويمرض المريض فينعت له، وأسمع الناس ينعت بعضهم لبعض، فأحفظه".

ففي هذا الأثر بيان لعدد من العوامل والأسباب التي أهَّلَتْ عائشة أن تحتل هذه المكانة العلمية، وأن تتبوأ هذه الصدارة والقمة في الفقه بين نساء الأمة؛ حتى قال عنها حافظ عصره، الخبير بالتراجم، الإمام الذهبي: "وَلاَ أَعْلَمُ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم- بَلْ وَلاَ فِي النِّسَاءِ مُطْلَقاً امْرَأَةً أَعْلَمَ مِنْهَا".


والسبب الأول والمؤثر في موسوعية عائشة هو ما وهبها الله من حدة ذهنها، وقوة حافظتها، واحتوائها للعلم بهذه السرعة المذهلة، فكانت تحفظ العلم لسماعه ولو لمرة واحدة.

وأما السبب الثاني فهو المكانة الاجتماعية المرموقة التي كانت احتلتها عائشة، باعتبارها أمًّا للمسلمين، وزوجة للنبي الكريم -صلى الله عليه وسلم-، فكان بيتها وحجرتها مقصدًا للوفود والوجهاء وأهل العلم من شتى أصقاع الأرض، وكانت تستفيد منهم في التخصصات المتصلة بالتاريخ واللغة والفصاحة والبلاغة والشعر والأدب والطب.

وأما السبب الثالث: فهو السبب الرئيس، وأكثرها تأثيرًا في حياتها العلمية، وإثراء معارفها المتنوعة، ألا وهو زواجها المبارك بالنبي الكريم، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم؛ وقد مكثت معه تنهل من معين النبوة أكثر من ثماني سنوات ونصف سنة، وكأن الله أراد أن تكون هذه المرأة المباركة بوابة لعلم النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقد استثمر النبي -صلى الله عليه وسلم- شباب عائشة وفطنتها وحفظها فأعدها لتكون خير مصدر يرجع إليه المسلمون من بعده.

ولقد كان في نزول الوحي على النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في لحاف عائشة دون غيرها من نسائه، إشارة لها بأن تتجه بكل كيانها إلى تفهم رسالة زوجها العظيمة، لتؤدي دورها في إرشاد المسلمين لكل ما يُتلى في بيتها من آيات الله والحكمة، ولعل هذا من الحكمة في الزواج المبكر منها، فقد كان لصغر سنها، وصفاء ذهنها، أكبر الأثر في شخصيتها العلمية، وإثراء معارفها، وتنوع ثقافتها؛ وما من شك أن العلم في الصغر كالنقش في الحجر.

فقد أمضت عائشة أفضل سني عمرها وأخصبها في مهبط الوحي، ومنبع العلم والفيض، وهي سن صفاء الذهن، وتوقُّد الإدراك، تغرف من علم النبي -صلى الله عليه وسلم- ما شاء لها ذكاؤها وعبقريتها، فعاشت متأثرة بهدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مجتهدة في تحصيل العلم والمعرفة.

وكان حبيبها -صلى الله عليه وسلم- حفيًّا بها يُعلمها، ويربيها، ويخرج بها في مغازيه وأسفاره، حتى صارت أخبر الناس بتاريخ الرسول -صلى الله عليه وسلم- خصوصًا، وتاريخ المسلمين عمومًا آنذاك، ولم ينتقل الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى جوار ربه حتى خلفها مرجعًا وحجةً يلجأ إليها الكبار والصغار متعلمين مستفتين، فقد أخذ عنها المسلمون في عهد أبي بكر، واستشارها العلماء والفقهاء في عهد عمر وعثمان وعلي ومعاوية، إلى أن توفيت --رضي الله عنه-ا-.

وأما السبب الرابع من الأسباب المؤثرة في مسيرة عائشة العلمية وإثراء معارفها هو كونها ابنة أبي بكر، وهو -كما تقدم- بيت علم ومجد وفضل وأدب وقراءة، فأبوها من كُتَّاب الوحي البارزين، وهو ثاني رجل في الأمة، وهو نسَّابةُ العرب، وصاحب أخبارهم وأيامهم، ولا شك أن هذا أثَّر كثيراً في شخصية عائشة، فعائشة -وإن كان ولدت في الإسلام- إلا أنها كانت مطلعة على أخبار الجاهلية، ومضطلعة بأيامها وعاداتها وثقافاتها، كل ذلك قبل أن تدخل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم-، "و لا يعرف الإسلام حق المعرفة من لا يعرف الجاهلية"، وكما قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إنما تنقض عُرى الإسلام عروةً عروةً إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية "، وهكذا عائشة، فقد تعلمتها في بيت والدها الكريم أبي بكر -رضي الله عنه-، فقد كانت تحكي عادات الجاهليين ثم تقارنها بنعمة الإسلام.

ومثال هذا ما رواه البخاري عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: إِنَّ النِّكَاحَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ: "فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ؛ يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا.


وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا: أَرْسِلِي إِلَى فُلَانٍ فَاسْتَبْضِعِي مِنْهُ، وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا، وَلَا يَمَسُّهَا أَبَدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ، فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِي نَجَابَةِ الْوَلَدِ، فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الِاسْتِبْضَاعِ.


وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ؛ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ، كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا، فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالٍ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا، تَقُولُ لَهُمْ: قَدْ عَرَفْتُمْ الَّذِي كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ، وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلَانُ، تُسَمِّي مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ، فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ.


وَنِكَاحُ الرَّابِعِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ، فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ، لَا تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا، وَهُنَّ الْبَغَايَا. فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ، إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ.

وفي هذا الأثر دليل صريح على اضطلاع عائشة بعادات وثقافات الجاهلية، ومن ثم مقارنتها بأحكام الإسلام؛ حتى تظهر روعة الشريعة.

هكذا كانت أمُّ المؤمنين عائشةُ فريدةً في علمها، ومَوسُوعِيَّةً في معلوماتها، حريصة على النَّهْل من مَعِين النبوة، ومُطَّلِعة على عادات الجاهلية؛ إضافةً إلى أنها ألمـــَّتْ إلمامةً جميلةً بعُلوم أخرى، كاللغة، والأدب والشعر، والفصاحة والبلاغة؛ حتى أصبحَتْ أستاذةَ عصرها بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، يُشار إليها بالبنان، وتُراجَع، وتُسأل عن الغوامض من المسائل؛ حتى الخلفاء والأمراء يرجعون إليها، فضلاً عن العلماء وطلاب العلم.

فقد كانت مكانتها في المدينة مع الفقهاء الكبار، كعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وابن عباس، في مقام الأستاذ من تلاميذه، تُوَجِّهُهُم وترشدهم، وتحل لهم ما يشكل عليهم. بل كان عمر بن الخطاب -وهو المحدث الملهم- يحيل عليها كل ما تعلق بأحكام النساء، أو بأحوال النبي البيتية، لا يضارعها في هذا الاختصاص أحد من النساء على الإطلاق. إلى درجة قال الحاكم في مستدركه: إنه قد نقل عنها وحدها ربع الشريعة.

وإذا أردنا معرفة مبلغ علم عائشة وتمكنها من دقائقه وغوامض مسائله فاستمعوا وأصغوا لأبي موسى الأشعري حيث يصفها بقوله: "ما أشكل علينا -أصحابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم- حديثٌ قطُّ فسألنا عائشةَ إلا وجدنا عندها منه علمًا" أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب.

وكذلك قول الزهري: "لو جُمع علم الناس كلهم وأمهات المؤمنين لكانت عائشة أوسعهم علمًا". وقول مسروق: "والله لقد رأيت أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- الأكابر يسألونها عن الفرائض". وقول عروة: "ما رأيت أحدًا أعلم بفقهٍ ولا طبٍّ ولا شِعرٍ من عائشة". وقول أبي الزِّناد: "ما كان ينزل بها شيءٌ إلا أنشدت فيه شعرًا". وقول معاوية: "والله ما سمعت قط أبلغ من عائشة، ليس إلا رسول الله".

وفي الطبقات الكبرى لابن سعد عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: "ما رأيت أحداً أعلم بسنن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا أفقه في رأي إن احتيج إلى رأيه، ولا أعلم بآية فيما نزلت، ولا فريضة، من عائشة".

هكذا أصبحت عائشة بحرًا لا ساحل له في العلم، وجبلاً أشمَّ في كل فن من فنونه، والأعجب أن كل هذا حصل وهي لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها! فاسمعوا -معاشرَ الشباب- واسمعن -معاشر الفتيات-، فَلَكُنَّ في عائشة وتجربتها قدوة وأسوة، فقفوا مع سيرتها، وانظروا في تفاصيل مسيرتها، ففيها كنوز ودروس وعبر، لكنها عبر للجادين من أصحاب الهمم والعزائم.

يقول أحد الذين درسوا سيرة عائشة وغاصوا في غمارها، الأستاذ سعيد الأفغاني: "مكثت سنين في دراسة سيرة عائشة، كنت فيها حيال معجزة لا يجد القلم إلى وصفها سبيلاً، وأخَصُّ ما يُبهرك فيها علمٌ زاخرٌ كالبحر بُعْدَ غَور، وتلاطم أمواج، وسعة آفاق، واختلاف ألوان؛ فما شئت إذ ذاك من تمكن في فقه، أو حديث، أو تفسير، أو علم بشريعة، أو آداب، أو شعر، أو أخبار، أو أنساب، أو مفاخر، أو طب، أو تاريخ... إلا أنت واجِدٌ منه ما يروعك عند هذه السيدة! ولن تقضي عجبًا من اضطلاعها بكل أولئك وهي لا تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها...".

وقد ألّف بدر الدين الزركشي كتابًا قصره على موضوع واحد هو استدراكات عائشة على الصحابة، أسماه: "الإجابة.. لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة"، وهو مطبوع متداول، قال المؤلف في مقدمته: "هذا كتاب أجمع فيه ما تفردت به الصدِّيقة، أو خالفت فيه سواها برأي منها، أو كان عندها سنة بينة، أو زيادة علم متقنة، أو ما أنكرت فيه على علماء زمانها، أو رجع فيه إليها أجلة من أعيان أوانها، أو حررته من فتوى، أو اجتهدت فيه من رأي رأته أقوى..".

وأورد الزركشي استدراكها على ثلاثة وعشرين من أعلام الصحابة، مثل عمر وعلي وعبد الله بن عباس -رضي الله عنهم-. وبلغ عدد استدراكاتها تلك تسعة وخمسين. فيا لها من عالمة فقيهة! ففي طبقات ابن سعد عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، قال عن عمته عائشة: "كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وهلم جراً، إلى أن ماتت يرحمها الله..".

وأما الاجتهاد والرأي فهي من القلائل المبرزين في هذا الباب، بل كانت لديها جرأة أدبية في إبراز رأيها ونقدها للآراء مهما كان مخالفها، بل تنتقد بعض النصوص التي ترى أنها تعارض القواعد الثابتة في الدين، إما بسببِ وهمٍ من الراوي، أو عدم فهمه النصوص على الوجه الصحيح، فقد روى أبو داود بإسناد حسَنٍ عن الزهري أنه قال: "إنها كان رجلة الرأي"، يعني أنها رجلة في العلم والرأي، وهذا محمود لا مذموم.

ثم هي في علم التفسير وأسباب النزول صاحبة رايته، وإليها المنتهى والقبول، وقد استعرض أحد الباحثين ما ورد عنها من مرويات تفسيرية في سورتي الفاتحة والبقرة ومن خلال كتاب واحد فقط وهو(الدر المنثور) فوجد فيهما ما يزيد على مائتي حديث عن أم المؤمنين، فكم تكون إذًا مروياتها في جميع السور؟.

وأما الحديث فهي البارعة المتقنة فيه وفي فهمه، يقول البيهقي: "عائشة أول من كشف العمى عن الناس، وبيَّنَت لهم السنة"، فهي تعتبر من المكْثِرين في الحديث، وقد عدها ابن حزم في المرتبة الرابعة من بين الصحابة المكثرين للرواية؛ ومن تأمل كتب السنة والمسانيد علم صدق ذلك. يقول الحافظ الذهبي: "مسند عائشة يبلغ ألفين ومائتين وعشرة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم لها على مائة وأربعة وسبعين حديثًا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، وانفرد مسلم بتسعة وستين.

أيها المؤمنون والمؤمنات! هذه هي عائشة، وهكذا كان علمها وسعة فقهها وثقافتها، فأين نحن من الاقتداء بها وبعلمها؟ بل أين الكثير من الأمهات والبنات ولو من القليل من العلم؟ فلن يصلح حالنا أبدًا إذا كانت الأمهات جاهلات، والبنات غافلات، ليس لهن نصيب في العلم.

فمن دعائم ريادتنا وقيادتنا في صدر الإسلام مشاركة النساء والرجال معًا، كلٌّ بما يستطيع، وفي المجال الذي يُبدع، فلم يبنوا مجدهم على عواتق الرجال وأسود المعارك والأبطال فقط، بل كانت وراء كل بطل وشَهْمٍ امرأة صابرة محتسبة بذلت الغالي والنفيس، حتى وصل إلى ما وصل هذا العالم أو ذاك البطل.

ومن قرأ سيرة أمهات المؤمنين والصحابيات، وأم الشافعي، وأم أحمد بن حنبل، وغيرهن من النساء المسلمات الرائدات، عرف صدق ما أقول؛ ومن هنا أهمس بأذن كل أب ومرب، وأم ومعلمة، بأن نهتم بالفتيات، ونشجعهن، ونفتح الأبواب لهن للعطاء والإبداع، فهن منارات الغد علميًّا وثقافيًّا، تأهيلاً وترشيدًا، فالأم المربية المتعلمة التي تهز بيمناها المهد، فهي باليد الأخرى تهز الدنيا، وإن همشناها وغفلنا عنها فسنندم كثيراً، ونخسر كثيراً.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم .

 

 

 

 

 

 

المرفقات

أم المؤمنين عائشة (14) العالمة الفقيهة.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات