أم المؤمنين عائشة (13) ابنة بارة

إبراهيم الدويش

2011-04-20 - 1432/05/16
عناصر الخطبة
1/ صور من بِرِّ أم المؤمنين عائشة بوالديها 2/ التوازن العجيب بين برها بأبويها ومراعاتها حقوق زوجها 3/ الدروس والعبر من برها بأبويها ووفائها لهما
اهداف الخطبة

اقتباس

وبعد اثنتي عشرة خطبة مضت قلَّبنا فيها صفحات عطرة من سيرة أمنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، عائشة كصغيرة، وعائشة كبنت، وعائشة كزوجة، وعائشة كأم، وعائشة كأخت، نتحدث اليوم عن عائشة كابنة بارة، لنقف على عظيم برها بوالديها، وصلتها لأرحامها، فقد كانت -رضي الله عنها- بارة عاقلة، كيسة ظريفة، وصولاً لأرحامها، باذلة لإسعادهم ما بوسعها؛ من حب وعطف وشفقة، وكرم ورعاية ..

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى صحابته الكرام الذين اهتدوا بهديه، واقتدوا بسنته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 

أما بعد: فنواصل الحديث عن سلسلة خطب سيرة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، والتي هي أنموذج ومنهج تربوي وعملي للمرأة المسلمة اليوم، فعائشة -رضي الله عنها- شخصية نسائية فذة جمعت خصالاً كثيرة، حتى أصبحت قدوة ومعلمة للرجال والأجيال.

وبعد اثنتي عشرة خطبة مضت قلَّبنا فيها صفحات عطرة من سيرة أمنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، عائشة كصغيرة، وعائشة كبنت، وعائشة كزوجة، وعائشة كأم، وعائشة كأخت، نتحدث اليوم عن عائشة كابنة بارة، لنقف على عظيم برها بوالديها، وصلتها لأرحامها، فقد كانت -رضي الله عنها- بارة عاقلة، كيسة ظريفة، وصولاً لأرحامها، باذلة لإسعادهم ما بوسعها؛ من حب وعطف وشفقة، وكرم ورعاية.

إلا أن أعجب نقطة في برها لأبويها وصلتها لأرحامها هي توازنها العجيب ومسلكها الفريد في حفاظها على حياتها الزوجية الخاصة، وبين علاقتها بوالديها وإخوانها، توازن ولباقة وكياسة في الجمع بين هاتين العلاقتين، اللتين أصبحتا من أعقد المشاكل في حياة البعض من الزوجات والأخوات، فكم من بيت تخلخلت أركانه بسبب غياب هذا التوازن، وكم زيجة فشلت في بداياتها بسبب سوء إدارة هاتين العلاقتين؛ أما عائشة فقد رسمت منهجًا قويمًا ووسطية فريدة لبنات جنسها في الجمع بين طاعة الزوج وبر الوالدين، حتى في أصعب الحالات وتأزم المواقف.

ولا أظنني أنني قادر على حصر المواقف المعبرة الدالة على بر عائشة لوالديها نظرًا للعلاقة القوية الوطيدة التي كانت تربطها بهما، فألصق الناس بعائشة بعد زوجها الحبيب هما أبواها أبو بكر وأم رومان، فهما مرجعها الوحيد بعد الله -عز وجل- في حل وتخطي مشاكل الحياة، فكانت تعتمد عليهما وتستشيرهما وترجع إليهما في الملمات والضوائق، خاصة والدتها أم رومان، الأم العاقلة الحكيمة، واسمها زينب، وقيل دعد بنت عامر بن عويمر من كنانة.

ومن مواقف عائشة في استشارة أمها والرجوع إليها، ما أخرجه الشيخان، واللفظ لأحمد، أنه لَمَّا أُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ بَدَأَ رسول الله بِعَائِشَةَ قائلاً: " إِنِّي سَأَعْرِضُ عَلَيْكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تُشَاوِرِي أَبَوَيْكِ" فَقُلْتُ: وَمَا هَذَا الْأَمْرُ؟ قَالَتْ: فَتَلَا عَلَيَّ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب:28-29]. ففي الحديث إشارة بأن عائشة كانت تستشير والديها.

وأصرح منه ما جاء في قصة الإفك المشهورة، عندما علمت عائشة بالخبر، فضاقت عليها الأرض بما رحبت، اتجهت مباشرة إلى والديها، كما تقول هي في سياق سردها لقصة الإفك: " وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُوْلُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: "كَيْفَ تِيْكُمْ؟" فقلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ، وَأَنَا حِيْنَئِذٍ أُرِيْدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الخَبَرَ مِنْ قِبَلِهَمَا، فَأَذِنَ لِي، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ. فَقُلْتُ: يَا أُمَّتَاهُ! مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟...

فيا الله! ما أروع عائشة وهي تراجع والدتها قبل أي أحد! وما أروع أم رومان عندما تخفف من التوتر وتهدئ من روع عائشة، فتقول: "يَا بُنَيَّةُ! هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ وَضِيْئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ إِلاَّ كَثَّرْنَ عَلَيْهَا". تريد التخفيف عنها بأسلوب هادئ محفز ومشجع لابنتها، مُرجعة السبب إلى حسد الحاسدين، وكيد الكائدين، دون أن تنال من أحد بعينه، ودون أن تتهم أحدًا قبل أن ينجلي الأمر.

هكذا تكون العلاقة بين فتاة عاقلة وأم مربية فاضلة، وكم من أم لجأت إليها ابنتها متبرمة من حياتها الزوجية أو مشاكل حياتية، فإذا بالأم تنهال بالاتهامات على الزوج وتقصيره، أو أهله ووالدته، وماشابه ذلك! دون تثبت أو حكمة في المعالجة، فتزيد الطين بِلة بتعقيد المشكلة بدل امتصاص الغضب، واحتواء المشكلة، فأم رومان لم تفتح أي باب في المشكلة، بل همست لابنتها بأسلوب حكيم ورزين، مهدئة من روع عائشة، وبكلمات غاية في الذكاء: "يَا بُنَيَّةُ! هَوِّنِي عَلَيْكِ، فَوَاللهِ لَقَلَّمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ وَضِيْئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا، لَهَا ضَرَائِرُ إِلاَّ كَثَّرْنَ عَلَيْهَا".

مع علمها بأن المنافقين وراء القضية، بل وسماعها للخبر منذ شهر أو يزيد، فلم تتدخل أو تبادر حتى كانت عائشة هي المبادرة، هكذا فلتكن الأمهات مع البنات، يُمثلن في الوقت نفسه دور الأمهات والصديقات العاقلات معًا، يستمعن بهدوء، ويوجهن بحكمة وذكاء، فيشاركن البنات همومهن، ويتبادلن معهن الود والاحترام، هكذا كانت حال أم رومان مع عائشة تحبها حبًّا جمًّا، وتمازحها، وتدخل السرور في قلبها حتى في حالات الجد والخطر، وما ذلك إلا لعظيم بر عائشة بها، وقربها من أمها.

وكم تخطئ بعض الأمهات عندما تعتقد أن معاملتها لابنتها كصديقة تخل بأمومتها، فتعاملها بشدة وجفاء، وأمر ونهي وصراخ، معاملة الآمرة للمأمورة، مما جعل بعض البنات ينفرن من الأمهات، ويلجأن للصديقات لبث الهموم والمشاكل والبحث عن العلاج، وهنا مكمن الخطر، خاصة في زماننا الذي تقل فيه الصديقة المؤتمنة، فعائشة هي نتاج أبوين حكيمين قريبين.

تأملوا هذا الموقف الذي ورد في خبر هجرة عائلة أبي بكر وخروجهم من مكة، فعندما نَفَرَ بَعِيْر عائشة، جَعَلَتْ تَقُوْلُ أم رومان: "وَابِنْتَاهُ! وَاعَرُوْسَاهُ! حَتَّى أُدْرِكَ بَعِيْرُها". هو موقف خطورة وجد، ومع هذا ضمنتها أم رومان كلمات لا تخلو من دعابة ولطف ونداء رقيق، هكذا كانت العلاقة حميمية بين عائشة وأمها الحبيبة أم رومان.

كما كانت علاقتها بأبيها وبرها به أكثر وضوحاً، لتوافر النصوص والاستشهادات المعبرة، فعَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ وَهِيَ أَوْبَأُ أَرْضِ اللَّهِ من الحمى، قَالَتْ: فَكَانَ بُطْحَانُ يَجْرِي نَجْلًا -تَعْنِي: مَاءً آجِنًا، فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله ذلك عن نبيه.

قالت: فكان أبوبكر، وعامر بن فهيرة، وبلال، في بيت واحد، فأصابتهم الحمى، فاستأذنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عيادتهم فأذن، فدخلت إليهم أعودهم، وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب، وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك، فدنوت من أبي بكر فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ ،كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه- إِذَا أَخَذَتْهُ الْحُمَّى يَقُولُ:

كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ فِي أَهْلِهِ *** وَالْمَوْتُ أَدْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ

قالت: فقلت والله مايدري أبي مايقول. ثم دنوت من عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:

لَقَدْ وَجَدْتُ الْمَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ *** إنّ الْجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِهِ
كُلّ امْرِئِ مُجَاهَدٌ بِطَوْقِهِ *** كَالثّوْرِ يَحْمِي جِلْدَهُ بِرَوْقِه

قالت: قلت: والله مايدري عامر مايقول. قالت: وَكَانَ بِلَالٌ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ الْحُمَّى يَرْفَعُ عَقِيرَتَهُ يَقُولُ:

أَلَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً *** بِوَادٍ وَحَوْلِي إِذْخِرٌ وَجَلِيلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمًا مِيَاهَ مَجَنَّةٍ *** وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيلُ

قالت: فأخبرت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك فقال: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَفِي مُدِّنَا، وَصَحِّحْهَا لَنَا، وَانْقُلْ حُمَّاهَا إِلَى الْجُحْفَةِ". فيتضح من هذ الموقف حرص عائشة وبرها بأبيها وصديقِيه، ثم تأملوا كيف أن عائشة لم تذهب إلى زيارة أبيها رغم مرضه إلا بعد أن استأذنت زوجها، ثم كيف نقلت معاناة أبيها والمهاجرين في مهجرهم المدينة، فصارت سببًا برفع هذه المعاناة بدعاء الحبيب -صلى الله عليه وسلم- واستجابة دعوته لهم.

ومن صور برها بأبيها طاعته لأبعد الحدود، بل وتحملها بصدر رحب غضَبَه وتأنيبه، بل حتى ضربه ولكماته، إلى درجة أنها لا ترفع طرفها إليه، رغم أنها كبرت وتزوجت وصارت أمًّا للمؤمنين، بل وزوجة للنبي الأمين، كل ذلك لم يجعلها تنظر لنفسها أو مكانتها، بل ما زادها إلا انكساراً وخضوعاً لأبويها، ففي الصحيحين وغيرهما عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قالت: سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وَنَزَلَ، فَثَنَى رَأْسَهُ فِي حَجْرِي رَاقِدًا، أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً وَقَالَ: حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ؟! فَبِي الْمَوْتُ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَقَدْ أَوْجَعَنِي". وقولها: "فَبِي الْمَوْتُ" أي:كاد ينزل بي الموت من شدة الوجع.

وفي رواية: فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ، فَقَالَ: حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالنَّاسَ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاء؟! فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى فَخِذِي. سبحان الله! أنعجب من برها وصبرها، أم من هذا التوازن العجيب، بين برها بالوالد، وقمة مراعاتها لحقوق زوجها؟

صبر عجيب، وتحمل فريد، استطاعت عائشة بهما كسب رضا والدها وزوجها معًا، والله لا يُضيع أجر الصابرين، فما هي سوى لحظات حتى رجع أبو بكر معتذراً ومعجباً بها وبصبرها بعد الفرج ونزول رخصة التيمم لعموم المسلمين بسببها، كما في مسند أحمد أن أبا بكر قَالَ لها: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ يَا بُنَيَّةُ إِنَّكِ لَمُبَارَكَةٌ! مَاذَا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِي حَبْسِكِ إِيَّاهُمْ مِنْ الْبَرَكَةِ وَالْيُسْرِ.حقاً، من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، فكانت المكافأة لها وللمسلمين عامة فنزل حكم التيمم تيسيراً، ومازلنا نتذوق أثره وعظيم ثمرته، فجزى الله عائشة المباركة عنا وعن المسلمين خير الجزاء.

تعامُلُ فتاةٍ بارة مع أبيها بكل خضوع وأدب، لم تنبس ببنت شفة ولا كلمة رغم شدة الألم والوجع، والضرب والـتأفيف والتأنيب، كما قالت هي بنفسها: فَلَقِيتُ مِنْ أَبِي مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ مِنْ التَّعْنِيفِ وَالتَّأْفِيفِ، فاختارت عائشة الصمت احترامًا لمقام الأبوة الكريمة، رغم أنها كانت تشعر بعدم الرضا من تصرف والدها إلا أنها لم تبح به في وجهه، بل أبدته في كلماتها عندما روت الحادثة وبثتها بأسلوبها الأدبي الرائع، حيث إنها لم تذكر والدها بالأبوة بل قالت: (فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ)، صرحت باسمه، إشارة منها أن قضية الأبوة الحنو، وأن ما وقع منه من العتاب بالقول والتأنيب بالفعل إنما هي لحظات الغضب، وهذا درس بليغ للأبناء اليوم، ففضل الوالدين لا يمكن أن يُنسى مهما بلغ الأبناء من مقام ومنصب وسن!.

فأين أولادنا وفتياتنا اليوم من هذا البر وهذه اللباقة؟! فرغم هذه الصور الفريدة لبر عائشة بوالدها، وحبها واحترامها له، إلا أنها لم تكن تختلط عليها الأوراق، ولا يمكن أن يكون برها سببًا في خرق حرمة حياتها الزوجية الخاصة، بل كانت تحفظ لكل جهة حقوقها الخاصة بتوازن دقيق وصارم، ودون أي إفراط أو تفريط، فهاهي تقول: وَجَعَلَ أبوبكر يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى فَخِذِي.

يا الله! يا لروعة عائشة! تعنيف وضرب، ثم أدب وصمت عجيب مع أبيها، وأيضاً عدم حركة حرصاً منها على راحة زوجها، وعدم إزعاجه، وتنكيد راحته ونومته، فمن يقدر على هذا غير عائشة؟! بر بالوالد، ووفاء للزوج، يؤكده أيضاً هذا الموقف؛ فعندما تجهز النبي -صلى الله عليه وسلم- مع صحابته للخروج إلى فتح مكة على إثر غدرة قريش وهتكها للهدنة من جانبها وتعديها، فكتم الرسول -صلى الله عليه وسلم- الخبر، وأوصى عائشة بكتمانه.

وخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته، فدخل أبو بكر على عائشة فوجد عندها حنطة تنسف وتنقي، فقال لها: يا بنية لم تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت. فقال: أيريد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يغزو؟ فصمتت، فقال: يريد بنى الأصفر؟ فصمتت. فقال: فلعله يريد أهل نجد؟ فصمتت. قال: فلعله يريد قريشًا؟ فصمتت. وحينها دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال له: يا رسول الله، أتريد أن تخرج مخرجًا؟ فأخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخبر بالتفصيل.

قفوا وأطيلوا الوقوف عند هذا الموقف! كأني بعائشة تريد تعلم المرأة اليوم كيفية الحفاظ على أسرار الزوج حتى ولو من أقرب قريب، فعائشة لا تشك في والدها صِدِّيق الأمة أبدًا، وأبو بكر ليس بالذي تخفى عنه أسرار رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو ثاني رجل في الأمة، ولكن عائشة أرادت أن تلقن درسًا لبنات جنسها، ولم تشأ أن تخبر بالقصة وقد طلب منها زوجها أن تخفيها حتى يخبره هو بنفسه.

هكذا هي الحياة الزوجية، أمانة ووفاء، وحفظ أسرار وعهود، فالحياة الزوجية لها قدسيتها وخطوطها الحمر، بدون أدنى تعرض مع البر بالأبوين وحقيهما، إنها عظمة هذا الدين وكماله، فهو يربي أتباعه على حفظ الأسرار مهما كان هذا السر عاديًا، حتى وإن لم يترتب على إفشائه ضرر لأصحابه، من انتهاك لكرامة، أو إهدار لمصلحة، أو تفويت لمنفعة.

بل من عظيم بر عائشة لأبيها أنها كانت تحرص على سمعته، ولا ترضى أن يكون شأنه فاكهة للمجالس، أو القيل والقال، كما في هذا الموقف. قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- جَاءَ بِلَالٌ يُوذِنُهُ بِالصَّلَاةِ فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى مَا يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ! فَقَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ" فَقُلْتُ لِحَفْصَةَ: قُولِي لَهُ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ أَسِيفٌ، وَإِنَّهُ مَتَى يَقُمْ مَقَامَكَ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ، فَلَوْ أَمَرْتَ عُمَرَ. قَالَ: "إِنَّكُنَّ لَأَنْتُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفَ، مُرُوا أَبَا بَكْرٍ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ".

فأرادت عائشة بفطنتها أن تصرف الإمامة عن أبيها محتجة بكونه لا يُسمِعْ المأمومين القراءة لبكائه، وهذا مطلب صحيح لا غبار عليه، إلا أنها أرادت غاية بعيدة المدى تُظهر لنا ذكاءها ومدى حبها وبرها بأبيها أبي بكر، فقد صرحت في رواية أخرى في الصحيحين قَالَتْ: " لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِي ذَلِكَ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا، وَلَا كُنْتُ أُرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ أَحَدٌ مَقَامَهُ إِلَّا تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ أَبِي بَكْرٍ.

وأما صفحتنا الأخيرة من بر عائشة فهي عند فراق أبيها وتوديعه؛ فعندما مرض أبو بكر -رضي الله عنه- مرضًا امتد لخمسة عشر يوماً، ما كان من الابنة البارة الوفية إلا الإسراع بتمريض والدها العزيز، والبقاء بجانبه ومواساته، والسماع لوصيته، قيامًا بالواجب.

ولما حضرته الوفاة، جلس -رضي الله عنه- فتشهد، ووصى عائشة بإخوانها وأخواتها خيرًا خاصة بأم كلثوم التي ما زالت في بطن أمها، وقال لها ضمن وصاياه: يا عائشة، إنا منذ ولينا أمر المسلمين، لم نأكل لهم ديناراً ولا درهمًا. وليس عندنا من مال المسلمين قليل ولا كثير، الا هذا العبد الحبشي، وهذا البعير الناضح، وجرد هذه القطيفة، فإذا مت فابعثي بهن إلى عمر، وابرئي ذمتي منهن.

وانظري ملاءتي هاتين، فإذا مت فاغسلوني وكفنوني فيهما، وادفنوني بجوار رسول الله، ثم أسبل أبو بكر عينيه، وأخذت روحه تحشرج في صدره، واشتدت سكرات الموت عليه، وراح يجود بأنفاسه الأخيرة، وكان آخر ما نطق به: (رَبِّ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) [يوسف:101]، ففاضت روحه إلى بارئها، فحزنت عائشة أيما حزن وتأثرت، ثم عمدت مباشرة لإنفاذ وصيته بنصها، فكُفِّن كما أوصى ودفن بجوار رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحمل على السرير الذي حمل عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهو سرير عائشة.

هذه صفحات من برها -رضي الله عنها-، هي دروس وعبر، ومنهج عملي في حقيقة البر والوفاء، نسأل الله أن يرزقنا البر بوالدينا، وأن يرفع درجاتهما، ويتجاوز عنهما، ويرحم ضعفهما؛ اللهم ارحم تقصيرنا ببرهما، واغفر لنا غفلتنا عنهما، واجمعنا بهما في الجنان، برحمتك يا رحمن.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
 

 

 

 

المرفقات

أم المؤمنين عائشة (13) ابنة بارة.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات