أم المؤمنين عائشة (11) كأخت

إبراهيم الدويش

2011-04-21 - 1432/05/17
عناصر الخطبة
1/ إخوة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها 2/ تربيتها لهم 3/ دفاعها عنهم 4/ مواقف تبين حميمية علاقاتها معهم
اهداف الخطبة

اقتباس

لقد استطاعت عائشة أن تغرس علاقة حميمية من الدرجة الأولى بين إخوتها، قامت أولاً على الحب والتقدير، ثم على الاحترام المتبادل، ثم التعاون والتكاتف.

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى صحابته الكرام الذين اهتدوا بهديه، واقتدوا بسنته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 

أما بعد: فما زلنا نتلمس المنهج التربوي العملي للمرأة المسلمة اليوم من خلال الحديث عن سلسلة سيرة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، والتي يتأكد لنا مرة بعد مرة ونحن نُقلب جوانب متعددة ومتميزة في حياتها أنها بحق أنموذج تطبيقي رائع لكل فتاة مسلمة تبحث عن المنهج السوي، والطريق الصحيح، في هذا الواقع المعاصر بتياراته الفكرية المتناحرة، والتي جعلت من قضية المرأة دوامة حيّرت المرأة نفسها، وجعلتها تقف على مفترق طرق تائهة حائرة. فدونكِ أيتها المرأة! إليك يا كل فتاة منهج القرآن والسنة، منهج الصفاء والنقاء، بوسطيته السمحة، بعيداً عن الغلو أو الجفاء.

إننا أمة ذات تاريخ ملئ بالدروس والعبر والتجارب، ولا أظن أن هناك أفضل وأروع من تجارب أمهات المؤمنين في الحياة، والتي أمرهن الحكيم الخبير بأن يذكرن للناس كل ما يدور في بيوتهن مع الأسوة والقدوة -عليه الصلاة والسلام-، إنه أمر القرآن (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ) [الأحزاب:34]، وهاهي سيرة عائشة بكل ما تقدم من محاور وعناصر تؤكد أنها --رضي الله عنه-ا- شخصية نسائية فذة، جمعت خصالاً كثيرة، حتى أصبحت قدوة ومعلمة للرجال والأجيال.

فبعد أن تحدثنا في الجمع الماضية عن عائشة كطفلة صغيرة، ثم كفتاة، وكزوجة، وكأم حنون؛ نتحدث اليوم عنها كأخت رؤوم، فأرحم إنسان للإنسان وأكثرهم حبًّا وحنانًا وشفقة ونصحًا بعد الأمهات هن الأخوات، واللاتي يلعبن دورًا كبيرًا في تربية الإخوان والأخوات، بل والدفاع عنهم، إلى درجة التضحية بالعمر أو تعريض أنفسهن للمخاطر، وما قصة أخت موسى المطيعة البارة لأمها التي عرضت نفسها للمخاطر في سبيل الحفاظ على حياة أخيها الطفل الصغير موسى عنا ببعيد، يوم تحدثنا عنها بالتفصيل في سلسلة قصص النساء في القرآن.

وها نحن -مرة ثانية- نؤكد أهمية الحديث عن الأخت، فكلنا له أخت، فهل عرفنا حقها؟ وهل قدرنا لها قدرها؟ فطالما تحدث المتحدثون، وأطنبوا عن حقوق الأم أو الزوجة، لكن مَن منا وقف أو فكر بحقوق الأخت عليه، أو بحقوقه على أخته؟ إنها الرحم التي وعد الله أن يصل من وصلها، ويقطع من قطعها، إنها الرحم الباب الموصل إلى الجنة. بكل صراحة ،كم نهمل أخواتنا! كم نهمل البر بِهِنَّ، أو صلتَهن والجلوسَ معهن! كم ننسى أو نغفل عن حقهن! كم نتركهن عرضة للوحدة أو الحاجة! كم وكم!.

ألم يوص النبي -صلى الله عليه وسلم- بالبنات والأخوات خصوصًا، وبالنساء عمومًا؟ فقد أخرج أحمد في المسند والبخاري في الأدب المفرد، وحسنه الألباني، عن أبى سعيد الخدري أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لَا يَكُونُ لِأَحَدٍ ثَلَاثُ بَنَاتٍ، أَوْ ثَلَاثُ أَخَوَاتٍ، أَوْ ابْنَتَانِ، أَوْ أُخْتَانِ، فَيَتَّقِي اللَّهَ فِيهِنَّ، وَيُحْسِنُ إِلَيْهِنَّ، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ".

إنهن البنات والأخوات باب من أبواب الجنة، فكم في هذا الباب اليوم من سؤال وعلامات استفهام! ليس من جهة حقوق الأخوات فقط، بل وأيضاً من جهة حقوق الإخوة على الأخوات، فكم من أخت نسيت حق أخيها صلةً أو خدمة أو حباً وشفقة! إنها حقوق شرعية متبادلة أوصى بها هذا الدين العظيم.

فتعالوا -معاشر المؤمنين والمؤمنات!- لنقف على المنهج الرائع والفذ الذي نهجته عائشة لتؤسس علاقة حميمية متينة بينها وبين إخوانها وأخواتها، لقد كان لأبي بكر -رضي الله عنه- من الولد ستة، ثلاثة بنين، وثلاث بنات. أما البنون فعبد الله، وعبد الرحمن، ومحمد؛ وأما البنات فأسماء وعائشة، وأم كلثوم.

وعبد الله هو أكبر ولده الذكور، شهد فتح مكة وحُنَيْناً والطائف مع النبي -صلى الله عليه وسلم- مسلماً، وخرج بالطائف، وبقي إلى خلافة أبيه ومات فيها، ولا عقب له. وأما عبد الرحمن فيكنى أبا عبد الله، وهو شقيق عائشة. وأما محمد بن أبي بكر، ويكنى أبا القاسم، فكان من نُساك قريش، أمه أسماء بنت عميس الخثعمية، وأما البنات فعائشة أم المؤمنين، شقيقة عبد الرحمن. وأسماء شقيقة عبد الله، وهي أكبر بناته، وهي ذات النطاقين. وأما أم كلثوم فقد توفي أبو بكر وهي في بطن أمها حبيبة بنت خارجة بن زيد.

لقد استطاعت عائشة أن تغرس علاقة حميمية من الدرجة الأولى بين إخوتها، قامت أولاً على الحب والتقدير، ثم على الاحترام المتبادل، ثم التعاون والتكاتف، فحينما تعرض أخوها عبد الرحمن لمطاردة من قبل السلطة وحاكم الوقت مروان بن أبي الحكم، على إثر اعتراضه لسياسة الخليفة في تعيين من ينوب عنه بعد موته، لجأ عبد الرحمن إلى أخته عائشة، ودخل بيتها، فلم يقدروا عليه؛ إعظامًا لعائشة، ومراعاة لمكانتها وحرمتها.

فقد روى البخاري وغيره -بسنده- عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ قَالَ: كَانَ مَرْوَانُ عَلَى الْحِجَازِ، اسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ، فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لِكَيْ يُبَايَعَ لَهُ بَعْدَ أَبِيهِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ شَيْئًا، وفي رواية خارج الصحيحين: قال مروان: إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيًا حسنًا، وإن يستخلفه، فقد استخلف أبو بكر وعمر، وذكر أنها سنة أبي بكر وعمر، فقال عبد الرحمن: سنة هرقل وقيصر، أجئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم؟، فَقَالَ مروان: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا، فَقَالَ مَرْوَانُ: "ِإنَّ هَذَا الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ:(وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي) [الأحقاف:17]، فَقَالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِينَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ عُذْرِي.

كانت وقفة بطولية من عائشة مع أخيها الشقيق عبد الرحمن، والدفاع والذب عنه في أحلك الظروف، حتى ولو كان الخصم صاحب جاه وسلطة وسطوة وبطش، وكان دفاعها وردها حكيماً رزيناً، وبمنهج علمي وشرعي، مدعم بالدليل والبرهان؛ فمروان اتهم عبد الرحمن بأنه عاق الوالدين، وأنه نزل فيه قوله تعالى: (وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي) [الأحقاف:17]، فانبرت عائشة بكل شجاعة وجرأة وأدب للدفاع عن أخيها مراعاة لحقه الخاص، ولرد باطل فيه تحريف لتفسير كلام الله.

وجاء في رواية النسائي أنها قالت: كذب مروان، والله ماهو به، ولوشئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته. إن من البر أن تُدافع عن المظلوم، فكيف إذا كان المظلوم أخاك؟ وفي هذه الموقف يتجلى دور الأخت مع أخيها بشكل واضح، حباً له، وخوفاً عليه وشفقة.

ومما يُبين عمق العلاقة الأخوية بين عائشة وشقيقها عبد الرحمن أنها كانت تسعى للصلح بينه وبين أزواجه، فإنه لما تزوج بليلى بنت الجودى -وكانت ابنة ملك دمشق ملك العرب- أعجب بها وآثرها على نسائه حتى جعلن يشتكينها إلى عائشة، فعاتبته عائشة على ذلك فقال: والله كأنى أرشف بأنيابها حب الرمان، فأصابها وجع سقط له فوها، فجفاها حتى شكته إلى عائشة، فقالت له عائشة: يا عبد الرحمن! لقد أحببت ليلى فأفرطت، وأبغضتها فأفرطت، فإما أن تنصفها، وإما أن تجهزها إلى أهلها.

ولما توفي عبد الرحمن وهو خارج إلى مكة فجأة إثر نومة نامها، فدفن هناك، وكانت عائشة غائبة، فعندما قدمت مكة حاجَّةً زارت قبر أخيها عبد الرحمن، وقالت: أما والله لو شهدتك لم أبك عليك، ولم أزرك. ثم تمثلت بشعر متمِّم بن نويرة فى أخيه مالك:

وكنّا كنَدْمانَيْ جَذِيمَة حِقْبَةً *** مِن الدَّهْرِ حَتَّى قِيلَ لنْ يَتَصَدَّعَا
فَلَمَّا تَفَرَّقْنَا كَأَنِّي وَمَالِكًـا *** لِطُولِ اجْتِمَاعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعَـا

مع أن النساء منهيَّاتٌ عن زيارات القبور، إلا أن عائشة تعللت وبررت زيارتها بأنها كانت غائبة، فقد سألها التابعي الجليل عبد الله بن أبي مليكة: أليس كان النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى النساء عن زيارة القبور؟ قالت: بلى، لو شهدته ما زرته.

وفسّر العلماء من أمثال ابن القيم وشيخ الإسلام وغيرهما -رحمهم الله- بأنها لم تقصد إليه قصداً، بل كان في طريقها إلى الحج. وبغضِّ النظر عن تحرير المسألة فليس هذا مكانها، إلا أن هذا الموقف يدل دلالة واضحة صريحة على عمق العلاقة القوية بين الشقيقة وشقيقها؛ بل إن بر عائشة لم يقف عند حياة أخيها بل استمر حتى بعد الموت، فقد أعتقت عائشة عن أخيها عبد الرحمن بعد موتها رقابًا في سبيل الله؛ برًّا به وعرفانًا لجميله.

لقد كانت هذه العلاقة المتينة بين الأخوين متبادلة، فقد كان عبد الرحمن بارًّا بأخته عائشة أيما بر، يخدمها ويقوم بطلباتها، ويزورها عند الشدائد والمحن، ويواسيها في المصائب، وهو الذي خرج بعائشة بعد حجة الوداع بأمر من النبي -صلى الله عليه وسلم- وأعمرها من التنعيم.

وهو صاحب المسواك عندما وقف بجانب أخته عائشة في مرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد دخل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم مات وعائشة مسندته إلى صدرها، ومع عبد الرحمن سواك رطب فأخذه بصره، فأخذت عائشة ذلك السواك فقضمته وطيبته، ثم دفعته إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستن به أحسن استنان، ثم قال: "اللَّهُمَّ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى".

كما كانت علاقة عائشة بأخيها محمد بن أبي بكر أيضاً علاقة متينة وطيدة، فهو الذي صحبها بعد واقعة الجمل إلى البصرة ومنها إلى المدينة، وسهر في خدمتها، ولما قُتل محمد في مصر، وخلّف ابنًا وبنتًا، ضمتهما عائشة، وشملتهما بحسن الرعاية، وقامت بتربيتهم وتنشئتهم أحسن قيام، حتى أصبح أحد أبنائه درة مضيئة في جبين الدهر، ألا وهو علامة التابعين، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، هذا التابعيُّ الجليل، بفضل الله، ثم بفضل تربية عمته له، جمع المجدَ من أطرافه كله، وأصبح أفضلَ أهل زمنه علمًا، وأحدَّهم ذهنًا، وأشدَّهم ورعًا، مع أنه خلفه والده يتيمًا بعد مقتله بمصر، فرجع الطفل القاسم بن محمد بصحبة أسرته مرة ثانية إلى المدينة.

يقول هو عن نفسه واصفاً معاناته: لما قُتل أبي بمصر جاء عمي عبد الرحمن بن أبي بكر فاحتملني أنا وأختي الصغيرة، ومضى بنا إلى المدينة، فما إن بلغناها حتى بعثت إلينا عمَّتي عائشة -رضي الله عنها-، فحملتنا من منزل عمنا إلى بيتها، وربَّتنا في حجـرها، فما رأيتُ والدةً قط، ولا والدًا، أكثر منها برًّا، ولا أوفر منها شفقة، كانت تطعمني بيديها، ولا تأكل معنا، فإذا بقي من طعامنا شيءٌ أكلته، وكانت تحنو علينا حنوَّ المرضعات على الفطيم، تغسل أجسادنا، وتمشِّط شعورنا، وتلبسنا الأبيضَ الناصعَ من الثياب.

وكانت لا تفتأ تحضُّنا على الخير، وتمرّسنا بفعله، وتنهانا عن الشرِّ، وتحملنا على تركه، وقد دأبت على تلقيننا ما نطيقه من كتاب الله تعالى، وتروي لنا ما نعقله من حديث رسول الله، وكانت تزيدنا برًّا وإتحافًا في العيدين، فإذا كانت عشيِّةُ عرفة حلقت لي شعري، وغسلتني أنا وأختي، فإذا أصبحنا ألبستنا الجديدَ، وبعثت بنا إلى المسجد النبوي لنؤدِّي صلاة العيد، فإذا عُدنا منه جمعتني أنا وأختي وضحَّت بين أيدينا.

وفي ذات يوم ألبستنا ثيابًا بيضًا، ثم أجلستني على إحدى ركبتيها، وأجلست أختي على ركبتها الأخرى، وكانت قد دعت عمِّي عبد الرحمن، فلما دخل عليها حيَّته، ثم تكلمت وحمدت اللهَ -عز وجل-، وأثنت عليه بما هو أهلُه، يقول القاسم: فما رأيتُ متكلِّما قطُّ من رجل أو امرأة قبلها ولا بعدها أفصحَ منها لسانًا، ولا أعذبَ منها بيانًا.

ثم قالت: أي أخي! إني لم أزل أراك معرضًا عني منذ أخذتُ هذين الصبيين منك، وضممتُهما إليَّ، وواللهِ! ما فعلتُ ذلك تطاولاً عليك، ولا سوء ظنّ بك، واتِّهامًا لك بالتقصير في حقِّهما، ولكنك رجل ذو نساء، عندك عدة زوجات، وهما صبيان صغيران لا يقومان بأمر نفسيهما، فخشيتُ أن يرى نساؤُك منهما ما يستقذرنه، فلا يطبن بهما نفسًا، ووجدتُ أني أحقُّ منهن بالقيام على أمرهما في هذه الحال، وها هما الآن قد شبَّا، وأصبحا قادرين على القيام بأمر نفسيهما، فخذهما، وضمَّهما إليك، وطِب بهما نفسًا. فأخَذنا عمي عبدُ الرحمن، وضمَّنا إلى بيته.

يا الله! ما أروع عائشة أمًّا وأختاً، ومعلمة ومربية! ما أروع حرصها على تواصلها مع إخوتها والبر بهم! ما أجمل صراحتها وشفافيتها في هذا الموقف مع أخيها عبدالرحمن! تقدير واحترام، ومصارحة وتنازل، لقد حرصت بحق على جمع قلوب إخوتها وسلامتها من التنافر والتدابر والتي تقع بطبيعة الحال لأسباب دنيوية ومادية، وما أكثرها اليوم في واقعنا المعاصر! وللأسف! فكم من الإخوة والأخوات غيْر الأشقاء، بل حتى والأشقاء، ممن بينهم من التدابر والتنافر والتقاطع ما لا يعلمه إلا الله.

إن عائشة -رضي الله عنها- تعطينا درساً أسرياً عظيماً، بل وَرَبِّي! هي تُقدم منهجاً تطبيقياً رائعاً في روعة العلاقة بين الإخوة والأخوات، وهنا قصة عجيبة يظهر فيها مدى حب الصديقة عائشة لإخوانها وأخواتها، وبرها بهم؛ حتى صرحت أنْ لو كان لها الدنيا لتنازلت لهم، فقد روى مالك والطحاوي والبيهقي وغيرهم، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ كَانَ نَحَلَهَا جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ، (أَيْ: أَعْطَاهَا مَالًا يُجِدُّ منه في كل صرام عِشْرِينَ وَسْقًا، وَالْجَدُّ: صِرَامُ النَّخْلِ).

فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ: وَاللَّهِ يَا بُنَيَّةُ! مَا مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إِلَيَّ غِنًى بَعْدِي مِنْكِ، وَلَا أَعَزُّ عَلَيَّ فَقْرًا بَعْدِي مِنْكِ، وَإِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ جَادَّ عِشْرِينَ وَسْقًا، فَلَوْ كُنْتِ جَدَدْتِيهِ وَاحْتَزْتِيهِ كَانَ لَكِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُمَا أَخَوَاكِ وَأُخْتَاكِ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا أَبَتِ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ! إِنَّمَا هِيَ (أَسْمَاءُ). فَمَنْ الْأُخْرَى؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ذُو بَطْنِ بِنْتِ خَارِجَةَ أُرَاهَا جَارِيَةً.

هكذا كان الصديق وقافًا عند حدود الله! وهكذا كانت عائشة بارة بأبيها وإخوانها وأختيها، ليس لتنازلها وبرها حدود: يَا أَبَتِ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ. فما أهون الدنيا كلها أمام اجتماع قلوب الإخوة والأخوات، وحبهم واحترامهم لبعضهم!.

تأملوا علاقة عائشة بأختيها أسماء وأم كلثوم، كانت علاقة ود واحترام وتقدير ومحبة، فأسماء أكبر من عائشة، ومن حبها وتقديرها لها أنها اكتنت بأحد أبناء أسماء وهو عبد الله بن الزبير، فقد كانت تحبه حبًّا، وتعتني به، وتربِّيه.

وأما علاقتها بأختها الصغيرة أم كلثوم فتفوق علاقة الأخت بأختها من تآلف ورحمة، إلى درجة أنها كانت تقوم برعايتها، وتوفير كل ما يسعدها، رغم أنها أختها من أبيها فقط، فقد عاشت الطفلة اليتيمة أم كلثوم بنت الصديق في كنف أختها عائشة -رضي الله عنها-، فربتها على التقوى والصلاح، والعلم والفقه، فهي لم تعاصر أباها، ولم تشاهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

ولما بلغت أم كلثوم مبلغ النساء خطبها عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- لنفسه بعد أن أشار عليه أحد الصحابة أن يتزوجها؛ إكرامًا لأبيها وصديقه أبي بكر الصديق، فأرسل عمر إلى عائشة يخطب أختها أم كلثوم، فقالت لرسول عمر بن الخطاب: حبًّا وكرامةً، لكن عائشة المحنكة الحكيمة تعلم أن أختها الصغرى لن تتحمل شدة وشظف العيش مع عمر بن الخطاب وهو أمير المؤمنين، ورغبت لها زوجًا أكثر لينًا من عمر، فدخل عليها الصحابي المغيرة بن شعبة وهي مهمومة، فسألها عما أهمها، فأخبرته بخطبة عمر بن الخطاب لأختها الصغرى أم كلثوم، وقالت: إنها جارية حدث، وأردتُ لها ألين عيشًا من عمر. فقال لها المغيرة: عليّ أن أكفيكِ عمر.

وخرج من عندها ودخل على عمر فقال له: يا أمير المؤمنين، قد بلغني ما أتيته من صلة أبي بكر الصديق في أهله، وخطبتك أم كلثوم، فقال عمر: قد كان ذاك. قال المغيرة: إلا أنك يا أمير المؤمنين رجل شديد على أهلك، وهذه صبية حديثة السن، فلا تزال تنكر عليها الشيء، فتضربها فتصيح، فيغمك ذلك، وتتألم عائشة، ويذكرون أبا بكر فيبكون عليه، فتجدد لهم المصيبة مع قرب عهدها في كل يوم. فعدل عمر عن الزواج بها، وترك خطبتها.

وتزوجت أم كلثوم بالصحابي الجليل طلحة بن عبيد الله أحد المبشرين بالجنة، طلحة الفياض، وطلحة الجواد، يا الله! ما أرق عائشة وألطفها بأختها الصغيرة اليتيمة، فكم يظلم الأخ أخته اليتيمة، أو أخاه اليتيم بعد موت الأب، وكم من دعاوى وشكاوى في المحاكم في هذا الباب!.

وهكذا تتوالى مواقف عائشة الرائعة مع إخوتها، لترسم لنا منهجاً عملياً في حسن العشرة والصفاء بين الإخوة، والأشقاء، فأين نحن من هذا البر والإحسان؟ هكذا إخوة الإيمان هي العلاقة بين الإخوة والأخوات، وهكذا يكون دور الأخوات في حياة الإخوان، نصحًا وتوجيهًا، ودفاعًا ومواساة، وبرًّا في الحياة وبعد الممات.

إنها المرأة ودورها في صناعة الحياة، دورها في البناء والعطاء، أماً أو زوجة، أو أختاً أو بنتاً. ألا فلنتق الله في الأرحام كما أوصى الله في القرآن: (وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ) [النساء:1]، ولنؤدِّ لكل حق حقه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

 

  

  

المرفقات

أم المؤمنين عائشة (11) كأخت.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات