أم المؤمنين عائشة (10) كأم

إبراهيم الدويش

2011-04-20 - 1432/05/16
عناصر الخطبة
1/ دور دراسة الأعلام في بناء الشخصية 2/ لعب أم المؤمنين عائشة صغيرةً بالعرائس إشباعا لغريزة الأمومة 3/ كنيتها بأم عبد الله وحبها له وعتبها عليه 4/ حِكَمٌ من عدم إنجابها 5/ تشريفها بصيرورتها أما لسائر المؤمنين 6/ تعويضها فقدان الولد إيمانيا وعمليا
اهداف الخطبة

اقتباس

ومن المعلوم أن عائشة -رضي الله عنها- كانت صاحبة الهمة العالية، والطموح الكبير، وكانت تتمنى أن تنجب أولادًا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لتحظى برضا النبي-صلى الله عليه وسلم- أكثر فأكثر، وأن تشبع عاطفتها الأمومية، وتقوم بتربيتهم ورعايتهم، إلا أن هذا الحلم الطبيعي لم يتحقق لعائشة، مع أنها بقيت مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- تسع سنين، ولاشك أن هذا لحكمة يعلمها الله سبحانه ..

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأزواجه أمهات المؤمنين، وعلى صحابته الكرام الذين اهتدوا بهديه، واقتدوا بسنته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. 

أما بعد: فما أحوجنا وأحوج الأجيال اليوم للقدوات ولتجارب الحياة! وتراجمُ وسير الأعلام من أهم وأفضل المدارس لبناء الشخصية ورسم المستقبل، فيا معاشر الأبناء والشباب من ذكور وإناث! اللهَ اللهَ بتجارب الآخرين! اقرؤوا واسمعوا كثيراً لسير المتميزين وتجارب المبدعين؛ ولذا كان حديثنا المفصل والمتواصل عن سيرة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، والتي هي بحق أنموذج ومنهج تربوي وعملي للفتاة وللمرأة المسلمة اليوم.

ها قد تبين لكم من خلال ما مضى أن حياة عائشة -رضي الله عنها- من أهم وأفضل المدارس التي يجب أن تقف معها الأجيال طويلاً، فهي شخصية نسائية فذة جمعت خصالاً كثيرة، حتى أصبحت قدوة ومعلمة للرجال والأجيال، وبعد تسع خطب مضت قلَّبنا فيها جوانب شتى من سيرة أمنا أم المؤمنين عائشة، كان آخرها: الواقعية في حياة عائشة الزوجية، والمتمثلة في الغيرة الحاصلة بينها وبين ضرائرها، فبيت النبوة لم يكن بدعًا بين البيوتات، بل كان يحصل فيه ما يحصل في أي بيت من مشاكل واختلافات، وغيرة بين الضرائر والبنات.

إلا أن بيت النبوة كان بيت القدوة والمثال الذي يحتذى به في معالجة هذه المشاكل، وطرُق احتوائها، دون أن تؤثر سلبًا في الحياة الزوجية، أو تفسد للود قضية، فلم تكن تصل الخلافات يومًا في بيت عائشة إلى درجة تهدد استقراره، أو تسبب في انهيار جدرانه؛ بل كانت تبقى كسحابة صيف سرعان ما تنقشع وتزول.

بل سمعنا كيف أن عائشة استطاعت بذكاء وحنكة أن تجعل كثيراً من مشاهد وصور هذه الخلافات في بيتها تساعد في تغيير الجو ونمط الحياة، بل وتضيف النكهة الحقيقية للحياة الزوجية. والأهم من كل هذا، والذي يجب أن نضعه نصب أعيننا، هو أن أحداث هذا البيت المبارك الذي يأتيه الوحي صباح مساء، ولا يقر فيه أحدٌ على أخطاء، تبقى تشريعًا ربانيًّا ومنارات للاقتداء، وأنموذجًا ومثالاً للاحتذاء.

واليوم -إخوة الإيمان- سنتناول جانبًا من سيرة عائشة يعتبر من أهم الجوانب في حياة أي أنثى، ألا وهو عاطفة الأمومة لدى عائشة -رضي الله عنها-، عائشة كأم هو مدار الحديث؛ وقد أجمع علماء الاجتماع والباحثون على أن عاطفة الأمومة طبيعة، وأنها من أقوى الغرائز لدى أي امرأة سوية؛ لأن لها في تكوين المرأة جذورًا بيولوجية "جينية وهرمونية"، فكل امرأة تتوق إلى أن تكون أمًّا، وأن تكون لها الذرية، ولو خُيرت أية أم سوية بين أمومتها وبين أي شيء آخر لاختارت الأمومة بلا أدنى تردد.

ومن حكمة الله -عز وجل- أن عاطفة الأمومة هذه تظهر لدى الفتاة في الطفولة المبكرة جدًّا حين تحتضن عروستها وتعتني بها، وهذا مشاهد ملموس في الحياة، حيث تجد الفتاة وهي في أولى سني عمرها مولعة بجمع العرائس، ومناداتها كبناتها، وتنشغل بهن وبتزيينهن، والحكمة في هذا أنها تهيئ نفسها وتستعد لدورها المستقبلي في الحياة، وتشبع غريزتها الأمومية.

وقد جاء في سيرة عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تلعب بالعرائس في بيت أهلها، وظلت كذلك حتى بعد زواجها وانتقالها إلى بيت الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكان-صلى الله عليه وسلم- يقرها، ففي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- قَالت: "كُنتُ أَلعَب بالبَنَات (أي العرائس) عِند النبي-صلى الله عليه وسلم-، وكَان لِي صَواحِبُ يَلعَبن مَعي، فَكان رسول الله-صلى الله عليه وسلم-إِذا دَخل يَنقَمِعنَ مِنهُ، فَيُسربُهُنَّ إليَّ فَيلعَبن مَعي".

ومن المعلوم أن عائشة -رضي الله عنها- كانت صاحبة الهمة العالية، والطموح الكبير، وكانت تتمنى أن تنجب أولادًا من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لتحظى برضا النبي-صلى الله عليه وسلم- أكثر فأكثر، وأن تشبع عاطفتها الأمومية، وتقوم بتربيتهم ورعايتهم، إلا أن هذا الحلم الطبيعي لم يتحقق لعائشة، مع أنها بقيت مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- تسع سنين، ولاشك أن هذا لحكمة يعلمها الله سبحانه.

وقد قيل إن عائشة حملت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكن الجنين سقط ولم يكتمل، إلا أنه قول شاذ ضعيف لا تؤيده الأدلة والبراهين، ومنها ما رواه الطبراني في الكبير عن عروة عن عائشة أنها قالت: كنّـاني النبي-صلى الله عليه وسلم- أم عبد الله، ولم يكن لي ولد قط". قال ابن حجر: ولم تلد للنبي -صلى الله عليه وسلم- شيئًا على الصواب.

وفي الصحيح عَنْ عَائِشَةَ -رَضِي اللَّهُ عَنْهَا- أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلاَ تُكَنِّينِي؟ فَكُلُّ نِسَائِكَ لَهَا كُنْيَةٌ. فَقَالَ: "بَلَى، اكْتَنِي بِابْنِكِ عَبْدِ اللَّهِ. فَكَانَتْ تُكْنَى: أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ. وأخرج ابن حبَّان في صحيحه من حديث عائشة أنَّ ابن الزبير أُحضِر إليه ليحنكه فقال-صلى الله عليه وسلم-: "هو عبدالله، وأنت أم عبد الله"، قالتْ: فلم أزل أكنى بها. ولهذا كانت عائشة تولي عناية خاصة لابن أختها عبد الله بن الزبير؛ وكانت شديدة الكلف به، والحب والتوجيه له، فشب الغلام عبد الله شهمًا بطلاً مقدامًا، ففي سير أعلام النبلاء عن عروة، قال:لم يكن أحد أحب إلى عائشة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أبي بكر، وبعده ابن الزبير.

ولذا كان عتبها كبيرًا عليه، فالعتاب –كما يقولون- على قدر المحبة والقربة والحقوق، فقد ورد أن عائشة كانت سخية منفقة إلى درجة أنها عندما توزع أموالها لا تبقي شيئًا لنفسها، حتى رُوي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي بَيْعٍ أَوْ عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ، أَوْ لَأَحْجُرَنَّ عَلَيْهَا"، فسمعت عائشة بالخبر، ونزل عليها كالصاعقة حيث أتى ممن لها فضل خاص عليه، وأمومة خاصة، فوجدت عليها وجدًا عظيمًا، فقَالَتْ مستغربةً: أَهُوَ قَالَ هَذَا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَتْ: هُوَ لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لَا أُكَلِّمَ ابْنَ الزُّبَيْرِ أَبَدًا.

فَاسْتَشْفَعَ ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا حِينَ طَالَتْ الْهِجْرَةُ فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ لَا أُشَفِّعُ فِيهِ أَبَدًا، وَلَا أَتَحَنَّثُ إِلَى نَذْرِي. فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ وَهُمَا مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَقَالَ لَهُمَا: أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ لَمَّا أَدْخَلْتُمَانِي عَلَى عَائِشَةَ، فَإِنَّهَا لَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَنْذِرَ قَطِيعَتِي، فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ مُشْتَمِلَيْنِ بِأَرْدِيَتِهِمَا حَتَّى اسْتَأْذَنَا عَلَى عَائِشَةَ، فَقَالَا: السَّلَامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ. أَنَدْخُلُ؟ قَالَتْ عَائِشَةُ: ادْخُلُوا. قَالُوا: كُلُّنَا؟ قَالَتْ: نَعَم ادْخُلُوا كُلُّكُمْ؛ وَلَا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا ابْنَ الزُّبَيْرِ.


فَلَمَّا دَخَلُوا دَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ، فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِي، وَطَفِقَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ يُنَاشِدَانِهَا إِلَّا مَا كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ مِنْهُ، وَيَقُولَانِ: إِنَّ النَّبِيَّ-صلى الله عليه وسلم-نَهَى عَمَّا قَدْ عَلِمْتِ مِنْ الْهِجْرَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَى عَائِشَةَ مِنْ التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا نَذْرَهَا وَتَبْكِي وَتَقُولُ: إِنِّي نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ، فَلَمْ يَزَالَا بِهَا حَتَّى كَلَّمَتْ ابْنَ الزُّبَيْرِ، وَأَعْتَقَتْ فِي نَذْرِهَا ذَلِكَ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فَتَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا.


وهكذا عائشة -رضي الله عنها- وجدت كل هذا الألم والمرارة بكلمات ابن اختها وربيبها، لتؤكد لنا بَشَرِيَّتها، فالإنسان بشر مهما بلغ من العلم أو الصلاح، فلا نطالب الآخرين بأن يكونوا ملائكة لا يضعفون ولا يُخطئون، ولا تلام عائشة بمثل هذا الموقف، فهي بمثابة أم بل أكثر:
وَظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً *** علَى النَّفْسِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ الــمُهَنَّدِ

فلْيَحْذَرْ كلُّ ابن أو ابنة من جرح مشاعر الأمهات، أو المساس بكرامة الآباء، فمقدار العتاب والغضب يكون على قدر المحبة والحقوق، فلنقدر مشاعر وأحاسيس الآباء والأمهات نَبْع الْحَنَانِ وَالرِّقَّةِ، وَوِعَاء الْعَطْفِ وَالشَّفَقَةِ، الْمُرْهَفَين فِي أَحَاسِيسِهَما، الرَّقِيقَين فِي مَشَاعِرِهَما، الصَّادِقَين فِي حُبِّهما.

أيها المؤمنون والمؤمنات: بقي أن نتلمس بعض الحكم من عدم إنجاب عائشة -رضي الله عنها- من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مع يقيننا أن العلم عند الله، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يولد له بعد النبوة من جميع أزواجه إلا إبراهيم -عليه السلام- من جاريته مارية القبطية، وقد توفي وهو طفل؛ ثم إن جميع أولاده -صلى الله عليه وسلم- من ذكور وإناث قبضوا قبله ولم يبق بعده إلا فاطمة -رضي الله عنها-، ثم توفيت بعد ستة أشهر من وفاته-صلى الله عليه وسلم-. فلم يبق له نسل إلا من ذرية فاطمة.

وهانحن نرى كم عدد الذين ضلوا بسبب أحفاد النبي -صلى الله عليه وسلم- من فاطمة، بل غلوا بحبهم وبالغوا بتقديسهم، فكيف لو خلَّف النبي -صلى الله عليه وسلم- ولدًا بعده؟ إذن لَخِيف أن يؤلِّهَه بعضُ الجُهَّال، أو يغلوا به، وقد تُدعى نبوته! مع أن النبوة قد ختمت به -صلى الله عليه وسلم-.

ولذا ذكر ابن الجوزي في تفسير قوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) [الأحزاب:40]عن ابن عباس قال: يريد: لو لم أَختِم به النبيِّين، لَجَعلتُ له ولداً يكون بعده نبيّاً. اهـ. ومن الحكمِ إظهارُ قدرة الله المطلقة، وأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، و(لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) [الأنبياء:23]. وأنه قد يمنع شخصًا من نعمة لا نقمة عليه؛ بل إظهارًا لقدرته المطلقة، ولحكمة خيّرة.

ثم تأملوا معاشر -الإخوة والأخوات- خاصة ممن تأخر في الإنجاب أو لم يُرزق الولد أو كان عقيماً، تأملوا وتأملن كيف عَوضت عائشة -رضي الله عنها- فقدان الولد إيمانياً وعملياً، أما إيمانياً فيظهر جلياً في صبر عائشة العجيب، ورضاها وتسلميها بقضاء الله وقدره، فلم يُروَ عنها أنها جزعت أو أظهرت الحزن والأسف، أو ألحت على الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يدعو لها ربه بأن يرزقها الذرية، وذلك ليقينها وعلمها بأن لله ملك السموات والأرض، وأنه قد جرى قلمه على أن الناس أربعة أصناف كما قال -سبحانه-: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاء يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاء عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ) [الشورى:49-50].

وفي هذا درس وأيُّ درس لمن لم ينجب من الرجال والنساء! ولهم أسوة وقدوة في عائشة حبيبة حبيب الله، وابنة ثاني رجل في الأمة، وأنها رغم مكانتها عند الله وعند رسول الله حُرمت من هذه النعمة فصبرت واحتسبت.

لقد عوضها -سبحانه- برحمته جزاء صبرها وثقتها بربها عوضها عن هذا الحرمان أيما عوض، فقد جعلها أمًّا لمليارات من البشر، بنص الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فقال تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) [الأحزاب:6]، وكفى لها شرفًا أن تكون أمًّا لأمة هي خير أمة أخرجت للناس.

ولقد راق عائشة أن تُدعى "أم المؤمنين"، وقد كان لهذه الكنية القرآنية رنين عذب في نفسها، وكانت مصدرًا من مصادر سعادتها، فقد قال لها ابن عباس: يا أم المؤمنين! ما سُمِّيتِ أم المؤمنين إلا لتسعدي، وإنه لَاسْمُكِ قبل أن تولدي. لقد كانت هذه الكنية أعظم عزاء لها عن الحرمان، وكانت سعيدة بها كل السعادة، وكان المسلمون جميعًا ينادونها بهذا النداء الجميل؛ حتى كبار السن، كانوا يقصدونها في دارها، ويدعونها: "يا أمَّهْ، يا أمَّهْ".

بل إن أباها نفسه كان يقول لها: يا أم المؤمنين! ففي صحيح مسلم وغيره عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ: اسْتَأْذَنْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَأُذِنَ لِى فَقُلْتُ لَهَا يَا أُمَّاهْ -أَوْ يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ- إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَىْءٍ، وَإِنِّى أَسْتَحْيِيكِ. فَقَالَتْ: لاَ تَسْتَحْيِى أَنْ تَسْأَلَنِى عَمَّا كُنْتَ سَائِلاً عَنْهُ أُمَّكَ الَّتِى وَلَدَتْكَ، فَإِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ. فأي تكريم كان من الله للسيدة عائشة أعظم من أن يضعها في هذه المكانة العظيمة، فيجعل منها أما للمؤمنين جميعًا؛ لتكون دائمًا موضع تقديرهم واحترامهم وإكبارهم وإجلالهم؟.

وأما كيف عوضت فقدان الولد عملياً: فقد كانت عائشة -رضي الله عنها- أمًّا مثاليًّا لأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان لها دور عظيم في نفع الناس وخدمتهم من إرشاد ومواقف وتربية، ويظهر ذلك فيما روته لنا من أحاديث نبوية، وخاصة تلك الأمور المتعلقة بالبيت والمعاشرة والفراش، والتي لا يمكن أن يطلع عليها غير أزواجه -صلى الله عليه وسلم-، فقد روت عائشة أكثر من ألفي حديث من أحاديثه -صلى الله عليه وسلم-، ولم تقف عند حد الرواية، بل ما ربَّته في حياتها من تلاميذ وتلميذات كانت حقاً بمثابة الأم لهم، بل أفضل وأروع، فكانت لهم أماً ومربية، ومعلمة وشيخة، وإن أردت الدليل فتأمل في سير من تخرجوا ودرسوا علي يدها.

يا الله! حدث عنهم ولا حرج، فقد تركت عائشة بصماتها على عدد كبير من التابعين من ذكور وإناث، فخرجتهم جبالاً في العلم والزهد والورع والتقوى، فقد ضمَّتْ مدرستُها عددًا كبيرًا من التلاميذ، وتخرَّج على يديها سادةُ العلماء مِن التابعين ممن حمَلوا العلم عنها، ونشَروه في الآفاق، وصاروا أئمَّةً يُقتدَى بهم في العِلم والعمل.

ومن أشهر هؤلاء ابن أختها عروة بن الزبير -رحمه الله تعالى-، الإمامُ الكبير، القُدوة، عالِم المدينة، وأحَدُ فقهائها السَّبعة، أبوه الزُّبَير بن العوَّام، حواري النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأُمُّه أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين. تفقَّه على عائشة، وحمل عنها علمها كله، وكان ألصق الناس بها، ويدخل عليها كثيرًا نظرًا لكونها خالته، والخالة بمنزلة الأم كما قال النبي-صلى الله عليه وسلم-. قال قبيصة بن ذؤيب: كان عروةُ يغلبنا بدخوله على عائشة، وكانتْ عائشةُ أعلمَ الناس، وكان عروةُ أعلمَ الناس بحديث عائشة. وذكر أبو نعيم في الحلية، والذهبي في السير، أنَّ عروة صار مِن أثبت الناس في عائشة، حتى قال: لقدْ رأيتُني قبل موْت عائشة بأربع حِجج، أو خمْس حجج، وأنا أقول: لو ماتتِ اليومَ ما ندمتُ على حديث عندَها إلا وقد وَعَيْتُه.

وممن ظهرت عليه بصمات عائشة واضحة في حياته: القاسم بن محمد بن أبي بكر، الإمام القُدوة، قُتِل أبوه وهو صغير، فتربَّى يتيمًا في حجْر عمَّته عائشة -رضي الله عنها- فتفَقَّه بها. واهتمَّتْ به بعد مقْتل أبيه كثيرًا، وكان يَذكُر ذلك، فيقول: كانت عائشةُ تَحلِق رؤوسنا عشيةَ عرَفَة، ثم تحلقنا وتبْعَثُنا إلى المسجد، ثم تُضحِّي عندنا مِنَ الغد. وَرِثَ عن عمَّته ومُعلِّمته عائشة -رضي الله عنها- روايةَ السنَّة، حتى قيل: أعْلمُ الناس بحديثِ عائشةَ ثلاثة: القاسم، وعروة، وعَمْرة بنت عبدالرحمن.

وأما التلميذ أو الابن الثالث فهو مسروق بن الأجدع، الإمام، القُدوة، العَلَم؛ كَفَلَتْه عائشةُ وتبنته فلازَمَها، وحمَل عنها عِلمًا كثيرًا، وأحبَّها حُبًّا عظيمًا؛ إكرامًا لها، وتبجيلاً لقَدْرها. فسَمَّى بِنْتَه عائشة. وفي السير أن عائشة قالتْ لمسروق: يا مسروقُ، إنَّك مِن ولدي، وإنَّك لَمِنْ أحبِّهم إلي، فهل لك علمٌ بالمُخْدَج؟. أخَذ عنها علمًا وعبادةً، وتقوى وورعًا، وخوفًا من الله -عز وجل-.

ومن تلميذات وبنات عائشة النجيبات: عمرة بنت عبدالرحمن الأنصاريَّة، الفقيهة، مربوبة عائشة، ضمَّتْها مع إخوتها وأخواتها إلى حجْرِها بعدَ وفاة والدهم، وبعدَ وفاة رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، فنشأتْ في بيْتِ التقوى والعِلم، والدِّيانة والوَرَع، فوعَتْ عن عائشةَ كثيرًا من العِلم، وكانتْ عالِمَةً فقيهة، حُجَّة، كثيرة العلم، وكانتْ مِن أعلم الناس بحديثِ عائشة، ففي سير أعلام النبلاء عن ابن شِهاب الزهري، عن القاسِم بن مُحمَّد: أنَّه قال لي: يا غلامُ، أراكَ تحرص على طلب العلم، أفلاَ أدلُّك على وعائه؟ قلتُ: بلى، قال: عليك بعَمْرة؛ فإنَّها كانتْ في حجْرِ عائشة. قال: فأتيتُها فوجدتُها بحرًا لا ينزف.

وأما التلميذة الثانية لعائشة فهي معاذة بنت عبد الله العدوية، أم الصَّهْباء البصريَّة، امرأة صِلة بن أَشْيَم، وكانتْ مِن العابدات، وقدْ وَرِثتْ عن عائشة -رضي الله عنها- كثرةَ العِلْم والعبادة، والتقْوى والزُّهْد، وقدِ اشتهرتْ بذلك.

وهكذا أصبحت عائشة أُمَّاً لا كالأمهات، أما فريدة لا مثيل لها، استطاعت بإيمانها ويقينها وذكائها أن تقلب المحنة منحة، والحرمان عطاء، فبارك الله لها، ورفع شأنها بصبرها وشكرها؛ فهل يعتبِر الآخرون ويستفيدون؟.

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

  

المرفقات

أم المؤمنين عائشة (10) كأم.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات