أم المؤمنين عائشة (1) منشأ قصة الإفك

إبراهيم الدويش

2011-04-21 - 1432/05/17
عناصر الخطبة
1/ عبد الله بن أبي يؤسس للنفاق 2/ جانب من مؤامرات المنافقين 3/ تتبع القرآن الكريم لهم وفضحهم 4/ حرب الشائعات واختلاقهم قصة الإفك 5/ تبرئة القرآن الكريم أم المؤمنين من الإفك 6/ ثباتها وثقتها بنفسها 7/ النتائج الإيجابية لحادثة الإفك
اهداف الخطبة

اقتباس

ما أشبه الليلة بالبارحة! إذا كان المنافقون أدَّوْا أدوارهم الماكرة الخبيثة في عهد النبوة، وحاربوا الفضيلة، وسعوا في نشر الفرقة، والنَّيْل مِن عرض صاحب الرسالة، وتولَّوْا كِبْر قصة الإفك، وترويجها بين الناس، فهناك في -جميع العصور- من الناس من يسيرون على خطاهم، ويسلكون مسلكهم، ويعيدون نفس الأدوار، ضاربين عرض الحائط بالآيات القرآنية، والحقائق التاريخية ..

 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه الطبيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

أيها المسلمون! فأوصيكم ونفسي بتقوى الله عز وجل، ومراقبته في السر والعلن، فإن من أراد مواجهة فتن الزمان، فلينظر في السنة والقرآن، وليتأمل في نصوصهما، وليتمسك بتوجيهاتهما، ففهيما نجاة وأي نجاة! فالأحداث كثيراً ما تُعيد نفسها، والتاريخ يتكرر، ولذا حكى القرآن الكثير من قصص الغابرين وبصور شتى، فأين من يعتبر؟ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ؟.

سبحان الله! ما أشبه الليلة بالبارحة! وصدق من قال: إن التاريخ سيعيد نفسه؛ رجل من أشدّ الناس خصومةً للإسلام وأهله، شخصيّة كانت مصدر قلقٍ ومنبع شرٍّ للمجتمع الإسلامي بأسره، زعيم النفاق في وقته، ورافع لوائه، شخصية صاحبة الامتياز، وله قصب السبق في إخراج ظاهرة النفاق إلى الوجود، فلم يكن الناس قبل ذلك إلا فريقين، مؤمناً صادقَ الإيمان، أو كافراً مجاهراً بجحوده، فأضاف هذا الرجل الطريق الثالث، والطابور الخامس، هو أخطر من صريح الشرك، ألا وهو النفاق والكفر الخفي؛ حتى يتسنى له العمل على هدم الإسلام من داخله، والقضاء على تلاحم أبنائه، وتماسك أفراده.

فجذور النفاق كانت عميقة جدًّا في نفس هذا الرجل، وكانت بداية القصة قبل هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-، يوم أن كانت المدينة تعيش حربًا ضروسًا، وقتالاً شرساً بين الأوس والخزرج، ما إن تهدأ ثائرتها قليلاً حتى تعود للاشتعال مرّة أخرى، وقد أتت الحرب على الأخضر واليابس، وأهلكت الحرث والنسل، وحصدت رؤساء القبيلتين معًا، إلى أن انتهى هذا الصراع المرير على اتفاقٍ بين الفريقين المتناحرين يقضي بنبذ الخلاف، ووقف نزيف الدم، وتنصيب هذا الرجل حاكماً على المدينة.

وكان الرجل على قاب قوسين أو أدنى من أن يتوَّج زعيمًا للأوس والخزرج، وكان يهيئ نفسه لهذا اليوم، ويحلم فيه، وينتظره على أحر من الجمر، إلا أن حلمه تلاشى، وأمله ضاع، بدخول الإسلام إلى المدينة؛ وفكرة تنصيبه زعيمًا وُئِدت في المهد، ورُمي بها في مزبلة التاريخ، وصارت نسيًّا منسيًّا، حيث إن الناس تركوه والتفوا حول خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، ومن بُعث رحمة للعالمين، فتأثر الرجل جدًّا من هذا التحول الجديد الرهيب الذي قضى على حلمه وزعامته السياسية، فندب حظه، وأخذ على عاتقه عداوة الإسلام وأهله.

كان صدره يغلي كأزيز المرجل حقدًا وحسدًا على نبي الإسلام، ولذا ما فتئ يحاربه بكل الوسائل، وبشتى الطرق المتاحة، فهل تعرفون هذا الرجل المصدور الموتور، المتشبع بحقد وكراهية الرسول؟ هو عدو الله وعدو رسوله عبد الله بن أبي بن سلول، زعيم المنافقين.

فقد اعتنق ابنُ أبي الإسلام في الظاهر؛ خوفًا على نفسه، وحفاظًا على ماله ودمه، إلا أنه لم يصدُق في إسلامه؛ ونصب منذ البداية العداوة الخفيّة للمسلمين، مدفوعاً بالحقد الذي تنامى في أحشائه، والخبث الذي طبعت عليه نفسه، فكرّس حياته لتقويض دعائم الإسلام ودولته، وانطلق ينفث سمومه للتفريق بين المسلمين، وقد تفنّن في صنع الافتراءات، ونجح في اختلاق الفتن وإثارة النعرات، وشنّ الحرب النفسية، وزعزعة الأمن في المجتمع، وزرع بذور الخلاف والشقاق فيه، في الضوء تارةً، وتحت جنح الظلام تارات وتارات.

عباد الله: إن إطلالة سريعة على تاريخ المدينة تكفي للوقوف على جانبٍ من الأراجيف التي أنشأها هذا الرجل، والمؤامرات التي حاك خيوطها، خلال السنين السبع التي قضاها في الإسلام، فيوم أحد خذل المؤمنين وانسحب هذا المنافق بثلاثمائة من أصحابه قبيل اللقاء بالعدو! وفي غزوة بني النضير قام بتحريض حلفائه من اليهود على قتال رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وعدم الاستسلام له، ووعدهم بالنصرة والمساعدة، فأعلنوا الحرب، وانتهى بهم الأمر إلى الجلاء من المدينة. ويوم تبوك كان ابن سلول العقل المدبّر لفكرة "مسجد الضرار"، وهو مسجد أسّسه المنافقون ليكون مقرّهم السرّي الذي تصدر منه الفتن، وتصنع فيه الأراجيف؛ لإثارة البلبة بين المسلمين. وله من هذا القبيل عشرات المواقف الدنيئة التحريضية.

وعلى الرغم من المحاولات العديدة التي حاول فيها ابن سلول كتمان غيظه وبغضه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن معه من المؤمنين، إلا أن فلتات لسانه كانت تشير إلى حقيقة مشاعره الدنيئة، كقوله لرسول الله-صلى الله عليه وسلم-كما في الصحيحين: "إِلَيْكَ عَنِّي، وَاللَّهِ لَقَدْ آذَانِي نَتْنُ حِمَارِكَ". وقوله لمن حوله: (لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا) [المنافقون:7]، وقوله تعريضاً بالنبي-صلى الله عليه وسلم-: (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ) [المنافقون:8].

ومع كلّ فتنة كان يثيرها، ونارٍ كان يشعلها، تنزل الآيات تباعاً لتفضح مسلكه، وتبيّن حقيقته، وتظهر وجهه الحقيقي، كقوله تعالى: (وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا) [آل عمران:186]، وقوله تعالى: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ) [المائدة:52]، وغير ذلك من الآيات.

ومن أخطر المؤامرات التي حاكها هذا الخاسر، بل أعظمها على الإطلاق، هي ما كانت في غزوة بني المصطلق، حيث استطاع بدهاء ومكر شديدين أن يحيك مؤامرة دنيئة للطعن في عرض خير نساء النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأحب أزواجه إليه، عائشة -رضي الله عنها-، الصديقة بنت الصديق، الطاهرة المطهرة، البريئة المبرأة، وظل المسلمون -وعلى رأسهم سيد الخلق محمد-صلى الله عليه وسلم-، وأفضل البشر بعد الأنبياء أبي بكر الصديق وعائلته- يكتوون بنار هذه المؤامرة الدنيئة، والفتنة المبيتة، شهراً كاملاً؛ حتى نزلت الآيات الكريمات من سورة النور لتفصل في القضية، وتحسم المعركة، فتخرج عائشة منتصرة مكرمة، ويخرج الخاسر ومن تبعه خائبًا خاسرًا، منهزمًا مخذولاً، وبذلك يكون ابن أبي هو أول من أسس للإشاعة في المجتمع المسلم، وبذر بذرته الأولى، فالإشاعة التي اكتوى ويكتوي بنارها آلاف المسلمين والمسلمات هي من صناعة ابن أبي في الأصل والأساس، وله نصيب من هذه الجريمة إلى يوم القيامة، باعتباره أنه أول من زرعها في المجتمع المسلم.

فاِلإشاعة –عباد الله- قضية من أهم القضايا، وسوسة خطرة تنخر في كيان المجتمع المسلم، وتنال من تلاحمه وترابطه ونسيج وحدته، وكم أقلقت من أبرياء، وحطمت من عظماء، وكم آلمت من نفوس، وفرّقت من عروس، بل كم هزمت من جيوشٍ، وأطارت من رؤوس، وكم أفسدت من برامج، وقطعت من وشائج، وكم فككت من علاقات، ومزقت من صداقات، لخطرها العظيم، وضررها الجسيم، على المجتمع والأسر والأفراد؛ تهتم بها الدول وتحاربها بكل ما أوتيت من وسع وقوة، وجاءت جميع الأديان السماوية بتحريمها وتجريمها، كما أن القوانين الوضعية تمنعها وتغرم مرتكبها، إنها الإشاعة، حديث الساعة، فبئست البضاعة! وويل لمن أطلق لسانه وأضاعه! وطوبى لمن حبسه واستجاب لربه وأطاعه: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ق:18].

وقصة الإفك قديماً، وحديثاً هي أخطر وأعظم إشاعة في تاريخ الإنسانية، فقد نالت من عرض أشرف سيدة، وأطهر امرأة، وتطاولت على مقام أطهر بيت على وجه البسيطة، ومن هنا جاء الرد قويًّا مدويًّا، سماويًّا ربانيًّا؛ ونظرًا لعظم الجريمة، سطرها القرآن في عشر آيات متتاليات كريمات، نزلت بتبرئة أمنا الحبيبة عائشة -رضي الله عنها وعن أبيها- وتزكيتها من فوق سبع سماوات، لتكون منارة للناس، وتنبيهاً وتذكيراً وتحذيراً في آن واحد، فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ؟!.

سبحان الله! ما أشبه الليلة بالبارحة! إذا كان المنافقون أدوا أدوارهم الماكرة الخبيثة في عهد النبوة، وحاربوا الفضيلة وسعوا في نشر الفرقة، والنيل من عرض صاحب الرسالة، وتولوا كبر قصة الإفك، وترويجها بين الناس، فهناك في جميع العصور من الناس من يسيرون على خطاهم، ويسلكون مسلكهم، ويعيدون نفس الأدوار، ضاربين عرض الحائط بالآيات القرآنية، والحقائق التاريخية، بل خارقين إجماع الأمة المعصومة، بأن من شك في براءة عائشة، أو قذفها بما منه هي بريئة، فهو كافر بإجماع المسلمين، ومكذب بما جاء به الكتاب الكريم. وما نسمع ما بين فينة وأخرى من اتهامات في عرض عائشة -رضي الله عنها-، أو طعن في الصحب الكرام، إنما هي امتداد لتلك الفرية الكبرى، منسوج على عيدانها.

عباد الله! أراد زعيم المنافقين ابن أبيّ النَّيْل من عرض الرسول-صلى الله عليه وسلم-، والحط من جاه ومكانة زوجه، وأحب نسائه إليه، عائشة، إلا أن الله خذله وأهانه، ورد كيده في نحره، وجعل تدميره في تدبيره، وانقلب السحر على الساحر، حيث عامله الله ومن معه من المنافقين بنقيض قصدهم، فبدل أفول نجم عائشة وذهاب حظوتها عند رسول الله، واحترامها لدى المسلمين، جاءت النتائج على العكس تمامًا، فارتفعت مكانتها، وسمت منزلتها، وعلا مقامها، وجاءت مكرمتها من عند رب العالمين، مكرمة تتقاصر عن وصفها الكلمات، وتعجز عن بيانها اللغات، كيف لا؟ وقد ذكره الله وأنزل في شأنها وحي يتلى إلى يوم القيامة، وذكرت قصتها في أقدس كتاب لا تناله يد التحريف والتبديل، ويقرؤه مليارات من البشر بأصواتهم العذبة في المحاريب والمساجد، وفي الكتاتيب والمدارس، ويترجمونه إلى آلاف اللغات، ويبقى قرآنًا خالدًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

لقد كانت واثقة كل الثقة بربها، وأن الله يدافع عن الذين آمنوا، ويتولى الصالحين، فها هي -رضي الله عنها- تقول: "ثُمَّ تَحَوَّلْتُ وَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي حِينَئِذٍ بَرِيئَةٌ، وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي، وَلَكِنْ -وَاللَّهِ!- مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُتْلَى، لَشَأْنِي فِي نَفْسِي كَانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ فِيَّ بِأَمْرٍ، وَلَكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّه –صلى الله عليه وسلم- فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا. فَوَاللَّهِ! مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ مَجْلِسَهُ، وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، حَتَّى أُنْزِلَ عَلَيْهِ...".

سبحان الله! هكذا يولد الخير أحيانًا من رحم الشرِّ! وصدق الشاعر:
وإذا أرادَ اللهُ نَشْـرَ فَضيـلةٍ *** طُوِيَتْ أَتاحَ لها لِسَــانَ حَسُودِ
لولا اشتعالُ النارِ فيما جاوَرَتْ *** مَا كَانَ يُعرَفُ طِيبُ عَرْفِ العُودِ

فبسبب هذه المؤامرة تلألأت عائشة -رضي الله عنها- أكثر فأكثر، وتبينت شخصيتها الفذة القوية بجلاء، فظهرت رباطة جأشها، وقوة إيمانها، وحينما بشرها النبي -صلى الله عليه وسلم- معلنًا براءتها: "يَا عَائِشَةُ! أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ"، وكانت أمها أم رومان حاضرة هذا المشهد، فقالت لابنتها: قُومِي إِلَيْهِ؟ فقالت: "وَاللَّهِ لَا أَقُومُ إِلَيْهِ، فَإِنِّي لَا أَحْمَدُ إِلَّا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ!".

يقول ابن القيم معلقًا على هذا الموقف العجيب، ومبينًا شخصية هذه الفتاة الواثقة بربها: "وَمَنْ تَأَمّلَ قَوْلَ الصّدّيقَةِ وَقَدْ نَزَلَتْ بَرَاءَتُهَا فَقَالَ لَهَا أَبَوَاهَا: قُومِي إلَى رَسُولِ اللّهِ-صلى الله عليه وسلم- فَقَالَتْ: "وَاَللّهِ لَا أَقُومُ إلَيْهِ، وَلَا أَحْمَدُ إلّا اللّهَ" عَلِمَ مَعْرِفَتَهَا، وَقُوّةَ إيمَانِهَا، وَتَوْلِيَتَهَا النّعْمَةَ لِرَبّهَا، وَإِفْرَادَهُ بِالْحَمْدِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ، وَتَجْرِيدَهَا التّوْحِيدَ، وَقُوّةَ جَأْشِهَا، وَإِدْلَالَهَا بِبَرَاءَةِ سَاحَتِهَا، وَأَنّهَا لَمْ تَفْعَلْ مَا يُوجِبُ قِيَامَهَا فِي مَقَامِ الرّاغِبِ فِي الصّلْحِ الطّالِبِ لَهُ، وَثِقَتُهَا بِمَحَبّةِ رَسُولِ اللّهِ-صلى الله عليه وسلم- لَهَا قَالَتْ مَا قَالَتْ إدْلَالًا لِلْحَبِيبِ عَلَى حَبِيبِهِ، وَلَا سِيّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ الّذِي هُوَ أَحْسَنُ مَقَامَاتِ الْإِدْلَالِ، فَوَضَعْتُهُ مَوْضِعَهُ، وَلَلّهِ مَا كَانَ أَحَبّهَا إلَيْهِ حِينَ قَالَتْ: "لَا أَحْمَدُ إلّا اللّهَ، فَإِنّهُ هُوَ الّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي"، وَلَلّهِ ذَلِكَ الثّبَاتُ وَالرّزَانَةُ مِنْهَا! وَهُوَ أَحَبّ شَيْءٍ إلَيْهَا، وَلَا صَبْرَ لَهَا عَنْهُ، وَقَدْ تَنَكّرَ قَلْبُ حَبِيبِهَا لَهَا شَهْرًا ثُمّ صَادَفَتْ الرّضَى بِرِضَاهُ وَقُرْبِهِ، مَعَ شِدّةِ مَحَبّتِهَا لَهُ، وَهَذَا غَايَةُ الثّبَاتِ وَالْقُوّةِ"اهـ.

أيها المسلمون! هكذا إرادة الله فوق كل الإرادات، وهكذا مشيئته فوق كل المشيئات، خاب وخسر كل من علق الرهان على حبكة المؤامرة، وشدة خبثها، وعظيم وقعها، فخابوا ولم يحصلوا على ما أرادوا، بل رجعوا بخفي حنين، وزادت مكانة حبيبة حبيب الله عند الله وعند رسول الله وعند الناس أجمعين، وكانت المؤامرة سببًا لذكرها عند رب العالمين، وخيرًا لها وللمسلمين بهذا الاعتبار، كما هو صريح النص القرآني، والتوجيه الرباني: (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ) [.
حَصَان رَزَان مَا تُزَنُّ بِرِيبَةٍ *** وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِل
عَقِيلَة حَيّ مِنْ لُؤَيّ بْن غَالِب *** كِرَام الْمَسَاعِي مَجْدُهمْ غَيْر زَائِل
مُهَذَّبَة قَدْ طَيَّبَ اللَّه خِيمهَا *** وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلّ سُوء وَبَاطِل

ونحن، انطلاقًا من هذه البشارة القرآنية، والقاعدة الربانية، ألا وهي استخراج الخير من الشر، والتربية بالأحداث، بل وإيقاد الشمعة بدل الانشغال بلعن الظلمة، وقيامًا بالواجب الملقى على عاتق الخطباء والدعاة، فسنقوم بعون الله وتوفيقه بعرض سيرة أمنا أم المؤمنين عائشة، وبيان جوانب شخصيتها الفذة، عير سلسلة خطب مباركة بإذن الله، ردًا على من طعن فيها ونال منها، بدل أن ننشغل بالرد على كل ناعق وتُرَّهَاتِهِ؛ لأنه مسكين لا يضر إلا نفسه، وعليه وأمثاله أن يأخذ الدرس من المحاولات البائسة التي سبقت محاولته، والتي باءت كلها بالفشل.

ونحن نبرهن بفعلنا هذا للعالمين أجمعين، وللشانئين، وخصوم سيد المرسلين، وصحابته الكرام، وزوجاته الطاهرات، أننا لا يمكن أن نقابل الطعن والسباب والقذف والشتائم بمثلها، فلسنا مثلهم، رغم أن لنا ألسنة حدادًا، وأنيابًا وأظفارًا، ولنا بأس وقوة، إلا أننا تربينا بمدرسة النبوة، بمدرسة خير البشر، البر الرحيم؛ فرغم أن مصاب الإفك أوقع شيئًا في نفسه، ألماً وحرقة، فهو عرضه الشريف، وبيته الطاهر وحبيبته المبرأة، إلا أنه كان رابط الجأش، متماسكاً صابراً محتسباً حكيماً، بأبي هو وأمي -عليه الصلاة والسلام-.

إذًا، فنحن خريجو المدرسة المحمدية، فنختلف عن هؤلاء الشانئين الذين لم يُعرف على مدى التاريخ عنهم سوى السباب واللعان لأطهر النفوس وأشرفها من أهل البيت والأصحاب والآل، فبالله أعطوني عالماً أو داعية من أهل السنة تلفَّظ أو سَبَّ أو شتم، (قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [النمل:64]، فكفانا فخرًا وعزًّا وشرفًا هذا الاختلاف والتفاوت بيننا وبينهم:
وقَالوا: فُلانٌ فِي الوَرَى لَكَ شَاتِمٌ *** وَأَنْتَ لَهُ دُونَ الخَلائِقِ تَمْدَحُ
فَقُلتُ: ذَرُوهُ مَا أُبالي طِبَاعَهُ *** فَكُلُّ إِنَاءٍ بِالَّذِي فِيهِ يَنْضَحُ
إِذَا الكَلْبُ لَا يُؤْذِيكَ عِنْدَ نُبَاحَهُ *** فَذَرْهُ إِلى يَوْمِ القِيَامَةِ يَنْبَحُ

فلسنا ممن يبادل السباب بالسباب، والكذب والاتهام الرخيص بكذب واتهام أرخص منه، بل نربأ بأنفسنا عن هذا المسلك الشائن؛ لأننا على يقين أن الحق لا يمكن حجبه وإخفاؤه، فلا يخفى على من يبحث عنه بتجرد وإخلاص، وستكون الخطب القادمة في هذه السلسلة في جميع جوانب سيرة أمنا عائشة -رضي الله عنها-، لنقف وقفات ونظرات، ودروس وعبر، نستثمر الأحداث في إطلاعنا وإطلاع أجيالنا على حقيقة هذه الشخصية الفذة، وما تناقلته النصوص الصريحة والروايات التاريخية الموثقة عن حياتها ومواقفها.

نسأل الله التوفيق والسداد، وأن يحفظ علينا ديننا وأمننا، ويقينا الفتن، ما ظهر منها وما بطن. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله المحمود على كل حال، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله كريم المزايا وشريف الخصال، وعلى آله وصحبه خير صحب وآل.

أما بعد: عباد الله! فكونوا مع الله يكن الله معكم، واحفظوا الله يحفظكم، واعلموا أن مع العسر يسرًا، نسأل الله أن يلطف بنا وبالمسلمين أجمعين، وأن يعيذنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعيننا من الخيانة، وألسنتنا من الكذب والمراء .

اللهم أصلحْ أحوالَ المسلمينَ، وألِّفْ بينَ قلوبِ قادَتِهم على التوحيدِ والقرآنِ، وأصلح ولاةَ أمرِنَا، ووفِّقْهُم لِمَا تُحِبُّهُ وتَرضَاهُ، وارزقْهُمُ البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ.

اللهمَّ اشفِ مرضَانَا وجميعَ مرضى المسلمينَ، وارفعْ عنهُمُ البلاءَ برحمتِكَ يَا أرحَمَ الراحمينَ.

اللهمَّ صلِّ وسَلِّم على النبيِّ الأمينِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعينَ، ومنْ تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ.

 

 

 

 

المرفقات

أم المؤمنين عائشة (1) منشأ قصة الإفك.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات