أقصر قصة في القرآن

إبراهيم الدويش

2014-02-11 - 1435/04/11
عناصر الخطبة
1/ قصة أصحاب الفيل حادث مهول 2/ في رحاب السورة 3/ تفصيل محاولة هدم أبرهة الحبشي للكعبة 4/ فوائد ودروس تربوية من القصة

اقتباس

لكن الأمر الذي يبعث على التساؤل والتعجب، أنه رغم ذلك كله لم يُذكر هذا الحدث الكبير في القرآن إلا مرة واحدة، وفي سورة مكية قصيرة جداً، بل تكاد تكون قصة أصحاب الفيل أقصر قصة ذُكرت في القرآن، سورة مكية قصيرة ذات طابع بلاغي رفيع، وبأسلوب فريد، مفعم بالحيوية والإيقاع، لمسة مباشرة سريعة، لكنها توحي بحقائق كبيرة، فهناك ما وراء العبارة الكثير يستشفه اللبيب، أسلوب يسترعي السماع، ويستهوي النفوس...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي أنزل آيات بينات، وفصلها سورًا وآيات، وصلى الله وسلم على نبي الْمَكْرُمَاتِ، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم حتى الممات.

 

أمّا بعد:

 

أيّها النَّاس: اتقوا ربكم واشكروه، وتدبروا القرآن واعملوا به، فهو السد المنيع لمواجهة فتن الشبهات والشهوات، خاصة قصص القرآن، فإن في قصص القرآن لعبرًا، الله تعالى يقول: (فَاقْصُصِ القَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).

 

فتعالوا -إخوة الإيمان- لأقف وإياكم حول حادث مهول، وموقف عظيم، وخطب جلل، سطّره التاريخ، وفصلته الكتب، حقاً لقد كان حادثًا كبيراً ومفصلياً في التاريخ، كيف لا وهو ذو صلة بأطهر وأقدس بقعة على وجه الأرض، لكن الأمر الذي يبعث على التساؤل والتعجب، أنه رغم ذلك كله لم يُذكر هذا الحدث الكبير في القرآن إلا مرة واحدة، وفي سورة مكية قصيرة جداً، بل تكاد تكون قصة أصحاب الفيل أقصر قصة ذُكرت في القرآن، سورة مكية قصيرة ذات طابع بلاغي رفيع، وبأسلوب فريد، مفعم بالحيوية والإيقاع، لمسة مباشرة سريعة، لكنها توحي بحقائق كبيرة، فهناك ما وراء العبارة الكثير يستشفه اللبيب، أسلوب يسترعي السماع، ويستهوي النفوس، عرض يشد الأنظار، ويحير العقول، ويخطف الألباب، ولتكن آذانكم مصغية، وأسماعكم واعية، استمعوا إليها بقلوبكم، فرغوا لها عقولكم وحواسكم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ).

 

يا الله! انتهت السورة، وانتهى عرض القصة، ولم تتكرر غير هذه المرة، فلمَ؟! وما السر؟! ولماذا يعرضها القرآن بهذه الصورة؟! ألا تستحق هذه الحادثة التفصيل؟! أليست مليئة بالعبر والعظات؟! فيا سبحان الله! ما أعظم كلام الله! وأَرْوع إعجازه وبيانه! فموسى -عليه السلام- ورد اسمه وقصته في القرآن أكثر من مائة وثلاثين مرة، وتكررت قصصه في سور عديدة، وقصة أصحاب الفيل حادثة من أعظم الحوادث في التاريخ، وتمس أقدس مقدسات المسلمين، ثم لا تُعرض إلا بآيات قصيرة، خمس فقط، تشير لها إشارة سريعة، حقاً إن شأن القرآن معجز! (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ).

 

تأملوا كيف خاطب ربنا -جل شأنه- في هذه السورة نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وأمته من بعده (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ)، استفهام تقرير وتذكير، ألم تر وتعلم -أيها النبي الكريم- الحال العجيبة والكيفية المهيبة الدالة على عظم قدرتنا، وكمال عزتنا وحكمتنا، ليعلم كل الناس وليرى كل أحد فعلنا بأصحاب الفيل لما طغوا وتكبروا! لما تعاظم أبرهة المأفون ذاته، وغرته نفسه وسطوته، فجاهر بالمكابرة والمعاندة، بنى كعبة دون كعبة الله، أراد أن يسمع به ويتحدث عنه كل الناس، أراد أن يجاري عظمة الله، أراد أن يباري قوة الجبار، سيّر الجيش العرمرم يستعرض ويتباهى، سار ليهدم البيت الحرام في البلد الأمين، سار بكل غطرسة لمحو أثره من الوجود، أراد أن تكون الفيلة حديثاً للعرب والعجم عندما تطأ بأقدامها الغليظة أرض الحرم، وتنتهك حرمته، وتقوض بنيانه، وتهدم أركانه، نسي أبرهة الأشرم الحاكم الحبشي لليمن آنذاك أن للفيلة رباً!! وأن له رباً!! وأن للكعبة رباً!! ظن أن الدين أساطير وأقاويل، وأنه صناعة بشر، كما يظن الكثير من المساكين في عالم اليوم الذي يموج بالملحدين والمفتونين، ولذا شرع ببناء كنيسة في اليمن باسم الملك لم يُبْنَ قبلها مثلها، إرضاءً للملك النجاشي وطلبًا للمزيد من وده وقربه، وقدمها هدية له ليضاهي بها بيت الله الحرام بمكة، فتمت رفيعة البناء، عالية الفناء، مزخرفة الأرجاء، سمتها العرب القُلَّيس لارتفاعها؛ لأن الناظر إليها تكاد تسقط قلنسوته عن رأسه من ارتفاع بنائها، ولم يقف عند هذا الحد بل عزم أبرهة الأشرمُ على أن يصرف حَجّ العرب إليها كما يُحَج إلى الكعبة بمكة، ونادى بذلك في مملكته، فكرهت العرب كلهم قاطبة ذلك، وغضبت قريش لذلك غضبًا شديدًا، وغضب أبرهة حينئذ خاصة بعدما قام البعض بتدنيس القليس، فأقسم ليسيرن إلى بيت مكة، وليخربنه حجرًا حجرًا.

 

فسار في جيش كثيف عَرَمرم جرار؛ لئلا يصده أحد عنه، واستصحب معه أفيالاً عظيمةً، يتقدمها فيل عظيم مهيب للملك كبير الجثة لم يُر مثله قط، يقال له: محمود، لتُجعل السلاسل في الأركان، وتوضع في عُنُق الفيل، ثم يزجر ليلقي جدرانها جملة واحدة، فلما سمعت العرب بمسيره أعظموا ذلك جدًا، وأثار نخوتهم وشهامتهم، ورأوا أنه حُقّ عليهم الدفاع دون البيت، وَرَد من أراده بكيد، فخرج إليه رجل كان من أشراف أهل اليمن وملوكهم، يقال له "ذو نَفْر" فدعا قومه ومن أجابه من سائر العرب إلى حرب أبرهة، وجهاده عن بيت الله، وما يريد من هدمه وخرابه. فأجابوه وقاتلوا أبرهة، فهزمهم لما يريده الله -عز وجل- من كرامة البيت وتعظيمه، وأسر "ذو نُفْر" فاستصحبه معه.

 

ثم مضى لوجهه حتى إذا كان بأرض خثعم، عَرَض له نُفَيل بن حَبيب الخَشْعمي في قومه: شهران وناهس، فقاتلوه، فهزمهم أبرهة، وأسر نُفَيل بن حبيب، فأراد قتله ثم عفا عنه، واستصحبه معه ليدله في بلاد الحجاز، فلما اقترب من أرض الطائف، خرج إليه أهلها ثقيف وصانعوه خيفة على بيتهم الذي عندهم، الذي يسمونه (اللات)، فأكرمهم وبعثوا معه "أبا رغَال" دليلاً، فلما انتهى أبرهة إلى الْمُغَمَّس -وهو قريب من مكة- نزل به وأغار جيشه على سَرْح أهل مكة -أي مواشيهم- من الإبل وغيرها، فأخذوه. وكان في السرح مائتا بعير لعبد المطلب.

 

وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة، وأمره أن يأتيه بأشرف قريش، وأن يخبره أن الملك لم يجئ لقتالكم إلا أن تَصُدوه عن البيت، فجاء حناطة فَدُل على عبد المطلب بن هاشم وبلغه عن أبرهة ما قال، فقال له عبد المطلب: والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك من طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم، فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخلي بينه وبينه، فوالله ما عندنا دَفْع عنه. فقال له حناطة: فاذهب معي إليه. فذهب معه، فلما رآه أبرهة أجله، وكان عبد المطلب رجلاً جميلاً حسن المنظر، ونزل أبرهة عن سريره، وجلس معه على البساط، وقال لترجمانه: قل له: حاجتك؟! فقال للترجمان: إن حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فقال أبرهة لترجمانه: قل له: لقد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زَهِدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك، وتترك بيتًا هو دينك ودين آبائك قد جئتُ لهدمه، لا تكلمني فيه؟! فقال له عبد المطلب كلمته المشهورة: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربًّا سيمنعه. قال: ما كان ليمتنع مني! قال: أنت وذاك. ورد أبرهة على عبد المطلب إبله، ورجع عبد المطلب إلى قريش فأمرهم بالخروج من مكة، والتحصن في رؤوس الجبال، تخوفًا عليهم من معرة الجيش.

 

فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيّأ فيله، وعبّأ جيشه، فلما وجهوا الفيل الكبير نحو مكة برك ولم يتحرك، وضربوا الفيل ليقوم فأبى، حتى ضربوا في رأسه بالطبرزين، وأدخلوا محاجن لهم في مَرَاقه فبزغوه بها ليقوم، فأبى؛ فوجهوه راجعًا إلى اليمن فقام يهرول. ووجهوه إلى الشام ففعل مثل ذلك. ووجهوه إلى المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه إلى مكة فبرك.

 

فيا سبحان الله! إن للفيل رباً؟! إنه خلق من خلق الله، أمره كله بيده، فما أجهل الإنسان وأعظم طغيانه! كيف يجهل الحقيقة الماثلة للعيان؟! كيف ترسل له الإشارات والنذارات فيطغى؟ (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا)، هلا أخذوا الدرس من الفيل؟! هلا أدركوا ما أدركه الفيل؟! وهلا عظموا البيت كما عظمه الفيل؟!

 

إن من أراد أن يُغالب الله يُغلب، إن من أراد أن يُنازع الله ملكه يهلك ويفنى؟! حينما بركت ناقة النبي -صلى الله عليه وسلم- القصواء دون مكة يوم الحديبية فقالوا: خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، أي: حَرَنَتْ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ"، ثُمَّ قَالَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا"، وقال -صلى الله عليه وسلم- يوم فتح مكة: "إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ". فما أعظم الحرم بيت الله؟! (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحـج:32].

 

ومن كابر وطغى، فإن الله له بالمرصاد، إي وربي، للبيت رب يحميه، ويذود عنه: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ)، فكل من تسوّل له نفسه الأمارة بالسوء الإلحاد في الحرم فيذيقه الله شر العذاب، بل بمجرد الإرادة ولو لم يفعله، فهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقَب الناوي فيه الشر إذا كان عازمًا عليه، وإن لم يوقعه، قال تعالى: (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) [الحـج: 25]، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "لو أن رَجُلاً أراد فيه بإلحاد بظلم، وهو بعَدَن أبينَ، أذاقه الله من العذاب الأليم".

 

فليحذر كل عابث أراد بلد الله الحرام من جبروت الله وغضبه، وليكن له بعناد أبرهة الأشرم عبرة وعظة، فقد جعل أبرهة يحمل على سائس الفيل وينهره ويضربه، ليقهر الفيل على دخول الحرم، وطال الفصل في ذلك، وعبد المطلب وجماعة من أشراف مكة على حراء ينظرون وهم يتضرعون إلى الله ويدعون على أبرهة، ومما يردده عبد المطلب:

 

يا رَبِّ لا أرْجُو لَهُمْ سِوَاكَ *** يا رَبِّ فامْنَعْ مِنْهُم حِماكَ

إنَّ عَـدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عادَاكَ *** امْنَعْهُمُ أنْ يُخَـربُوا قُرَاكَ

 

فبينما هم كذلك، وفجأة رد الله كيدهم في نحورهم، كما قال: (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ)، لقد بعث الله عليهم طيرًا أبابيل، أي قَطَعًا قِطَعًا صفرًا دون الحمام، وأرجلها حمر، ومع كل طائر ثلاثة أحجار، وجاءت فحلقت عليهم، وأرسلت تلك الأحجار عليهم فهلكوا.

 

قال عطاء بن يَسَار، وغيره: "ليس كلهم أصابه العذاب في الساعة الراهنة، بل منهم من هلك سريعًا، ومنهم من جعل يتساقط عضوًا عضوًا وهم هاربون، وكان أبرهة ممن يتساقط عضوًا عضوًا، حتى مات ببلاد خثعم".

 

قال ابن إسحاق: "فخرجوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون على كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنْمُلة أنْمُلة، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يزعمون".

 

وذكر مقاتل بن سليمان: أن قريشًا أصابوا مالاً جزيلاً من أسلابهم، وما كان معهم، وأن عبد المطلب أصاب يومئذ من الذهب ما ملأ حفرة.

 

فما أعظم الله -عباد الله-!! إن سنة الله في الذين نازعوه وينازعونه ملكه واحدة، جلية معروفة، قد يمهلهم لكن لا يهملهم: (فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً * أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا) [فاطر: 43-44]. فمن غالب الله ونازعه في ملكه عذّبه وأهانه وأفناه.

 

فهل علمتم الآن السر في عرض القرآن لهذه القصة بهذا الشكل، فالجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان، فشأن أبرهة وتعاظمه أهون عند الله من أن يُذكر أو يكرر شأنه، فهو فعل فعلته بكل صلف وغرور، وكبرياء، وعنجهية وغطرسة وخيلاء، ليذكر ويُشهر، فأراد الله أن يهين هذا الطاغية الظالم إهانة تبقى عبرة لكل جبار عنيد، ووصمة عار على جبينهم، ألا تعجبون من طريقة هلاكه!! ففيها عبر وأي عبر؟! أهلكه بطريقة مهينة مخزية، فقد أُهلك بمخلوق صغير لا حول له ولا طول، بل ما جرت العادة أن يتم هلاك المتغطرسين به، وفي هذا درس له وأي درس! فمهما شمخت بأنفك -يا أبرهة- وتكبرت، وتملكك الإحساس بالفخر والكبر والقدرة، ومهما كان لك من جاه وسلطان، وقوة أموال، وجند وعتاد، وفيلة وجيوش، فإنك لن تعدو قدرك، ولن تتعدى حقيقتك، فإنك مخلوق ضعيف، مخلوق من نطفة من ماء مهين، لا قِبَل لك بأصغر جند من جنودنا، لا يرمونك بنار، ولا برصاص وبارود، ولا بقنابل ومنجنيقات، إنما بطين وحجر قدر حمص فقط، لنهينك ونرغم أنفك، ونجعلك عبرة وموعظة شاهدة للمتعظين! (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) [إبراهيم: 42].

 

إذاً أهلكه الله بمخلوق صغير، وبحجر صغير، يقطع جسده قطعاً صغيرة تناثرت على جنبات الطريق بطوله ليشهد كل من مررت به تفخر وتزهو، فقطع جسدك الصغيرة شاهدة بكل طريق بأن هذه نهايتك، بل -ويا أبرهة الأشرم- حتى قصتك ستكون صغيرة قصيرة، ولن تعاد أو تكرر، وبأسلوب تقليل وتحقير: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ).

 

يا الله! ما أعظم القرآن! تدبروا كيف عرض السورة؟! وكيف انتهت السورة؟! (فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ) أتدرون ما العصف؟! إنه حطام النبات والحب المتكسر، وبقايا ما تتركه البهائم، ألم أقل لكم: إنه نموذج صارخ للإذلال والمهانة، فجعلهم الله كزرع أكلته الدواب فراثته، فيبس وتفرّقت أجزاؤه، شبَّه تقطُّع أوصالهم بالعقوبة التي نزلت بهم، وتفرّق أجزاء أبدانهم بها، بتفرّق أجزاء الروث، الذي حدث عن أكل الزرع! سبحان الله!! جيش جرار لم يصمد أمام أضعف جيش من جيش الله، ولم يقاومه ولا لحظة، بل سقط جميعه عن بكرة أبيه، وأصبح كعصف مأكول: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الكَفُورَ) [سبأ: 17].

 

وقد قَالَ اللَّهُ في الحديث القدسي: "الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ جَهَنَّمَ". رواه أحمد ومسلم. فالكبرياء لله وحده، والعظمة لله وحده، فهل شيء يستحق التعظيم غير الله؟! فعظموه بقلوبكم واقدروا الله حق قدره.

 

عباد الله: ألا تستوقفنا بداية السورة؟! ألا نسأل أنفسنا لماذا عبر الله عن العلم بالرؤية؟! فقال: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ)، ولم يقل: ألم تعلم؟! لقد عبر بالرؤية والمشاهدة للإيماء بأن الخبر متواتر مستفيض، فالعلم به مساوٍ في قوة الثبوت والوضوح للعلم الناشئ عن الرؤية والمشاهدة، فالحادثة مستفيضة يعرفها القاصي والداني خاصة في الجزيرة العربية، وإن كانت قبل البعثة المحمدية، فهي عظيمة الدلالة على رعاية الله لهذه البقعة المقدسة المباركة التي اختارها الله لتكون مثابة للناس وأمنًا، وملتقى النور الأخير، ومهوى أفئدة المسلمين، ومحضنَ عقيدةِ التوحيد، وعظمها الله بتحريمها،كما قال تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [النمل:91].

 

وفي الصحيحين عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: "إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، فعظموها -عباد الله- لتعظيم الله لها، فإن ما يحصل حول ساحات الحرم -بله داخله- من تقصير من البعض إنما هو غفلة ناشئة عن عدم فهم لقدسية المكان وحرمته، فالمعصية في مكة ليست كالمعصية في غيرها، وقد قال النَّبِيّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ -يعني الكعبة- حَقَّ تَعْظِيمِهَا، فَإِذَا تَرَكُوهَا وَضَيَّعُوهَا هَلَكُوا".

 

فتعظيم شعائر الله من تقوى القلوب كما قال تعالى: (ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) [الحـج: 30]. قال ابن زيد: الحرمات: المشعر الحرام، والبيت الحرام، والمسجد الحرام، والبلد الحرام. (الطبري).

 

وعندما تنتهك حرمة هذا البيت ومشاعره، ويضعف تعظيمه وتوقيره من قلوب أهله وساكنيه ترتفع عنهم الخيرية، ويُسلط عليهم غيرهم، وحينئذ تهدم الكعبة حجرًا حجرًا، وهذا في آخر الزمان، كما أخبر النَّبِي -صلى الله عليه وسلم-: "يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ"، وقَالَ: "كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا".

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من القصص والآيات والذكر الحكيم، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه.

 

 

 

المرفقات

قصة في القرآن

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات