أفعال الله سبحانه وتعالى

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2019-06-18 - 1440/10/15
عناصر الخطبة
1/لله أفعال حكيمة وعظيمة 2/أفعال الله تعالى قائمة على العدل والرحمة 3/أفعاله -تعالى- تتعلق بمشيئته ولا تشابه أفعاله أفعال عباده 4/ثمار العلم بغايات أفعال الله 5/أفعال الله أصلها قديم وأنواع تحدث شيئاً بعد شيء 6/الرضا بأفعال الله -عز وجل.

اقتباس

يرزق من يشاء بغير حساب، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، يؤتي ملكه لمن يشاء، يغفر لمن يشاء، ويعذِّب من يشاء، والله يؤيِّد بنصره مَن يشاء، ويتوب الله على مَن يشاء، يهب...

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أيها المؤمنون: كما أن لله -سبحانه وتعالى- أسماء حسنى وصفات علا، سمَّى بها نفسه ووصف بها ذاته، فإنَّ لله -سبحانه وتعالى- أفعالاً عظيمة وحكيمة، فله ما سكن في الليل والنهار، يُطعِم ولا يُطْعَم، وهو -سبحانه وتعالى- يكشف الضر، ويجيب دعوة المضطرين (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا)[الأنعام:59]، وقال -سبحانه-: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ)[الأنعام:18].

 

وهو الذي ينجيكم في ظلمات البر والبحر، لا يلهيه شيء عن شيء، ولا تختلف عليه اللغات، ولا تشتبه عليه الأصوات، بمختلف اللغات على تنوُّع الحاجات، فلا يشغله شيء عن شيء، ولا يغلط بتنوع هؤلاء، واختلاف حاجاتهم، فيسمع دعاءهم، ويعرف نداءهم، ويميِّز أصواتهم، ويدرك لغاتهم، ويقضي حاجاتهم، وفي الحديث القدسي يقول المولى -سبحانه-: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته" كل إنسان مسألته "ما نقص ذلك مما عندي"(رواه مسلم).

 

معاشر المسلمين: وأفعال الله تعالى قائمة على العدل والرحمة، (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)[فصلت:46]، (وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)[البقرة:57]، (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)[الأعراف:156]، ومن رحمته إنزال الكتب، وإرسال الرسل، وبيان الحجج.

 

ما للعباد عليه حق واجب *** كلا ولا سعي لديه ضائع

إن عُذِّبوا فبعدله أو نُعِّمُوا *** فبفضله، وهو الكريم الواسع

 

وأفعال الله لا يُسأل الله عنها، كما قال في كتابه: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)[الأنبياء:23]، كل يوم هو في شأن -سبحانه وتعالى-، يغني فقيراً، ويجبر كثيراً، يعطي قومًا ويمنع آخرين، يحيي ويميت، يرفع ويخفض، لا يتبرم من إلحاح الملحين في الدعاء، ولا من طول مسألة الداعين، وهكذا فإنه -سبحانه وتعالى- يحاسب العباد ولا يحاسبونه، ويسألهم ولا يسألونه، (إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ)[الحج:14]، وقال تعالى: (قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ)[آل عمران:40].

 

وأفعاله -تعالى- تتعلق بمشيئته: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)[آل عمران:26]؛ يرزق من يشاء بغير حساب، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، يؤتي ملكه لمن يشاء، يغفر لمن يشاء، ويعذِّب من يشاء، والله يؤيِّد بنصره مَن يشاء، ويتوب الله على مَن يشاء، يهب لمن يشاء إناثًا، ويهب لمن يشاء الذكور، وربك يخلق ما يشاء ويختار.

 

هدى نوحاً وأضل ابنه، واختار إبراهيم وأبعد أباه، ولعن فرعون وهدى زوجته، وأنقذ لوطاً وأهلك امرأته، واصطفى محمداً -صلى الله عليه وسلم- ومقت أبا لهب عمه، وجعل من أنصار دعوته أبناء منهم من اقترب كأبي سفيان، ومنهم من مات كأبي جهل.

 

والله -جل وعلا- يرغم أنوف الطغاة، ويمزِّق شمل الجبابرة، ويخفض رؤوس الظلمة، دمَّر سد مأرب بفأرة، وأهلك النمرود ببعوضة، وهزم أبرهة بطير، وعذَّب امرأة في هرة حبستها، وغفر لبغي في كلب سقته.

 

نظر بعين الاختيار إلى آدم فحظي بسجود الملائكة، وإلى نوح فنجَّاه من الغرق، وإلى إبراهيم فكساه حلة خلته، وإلى إسماعيل فأعان الخليل في بناء كعبته، وأعرض عن إبليس فخزي ببعده ولعنته، وعن نمرود وفرعون وقارون، وهو عز وجل يفعل ما يشاء.

 

يرفع أولياءه، ويخفض أعداءه، وله الجبروت -سبحانه وتعالى-، حبيب الطائعين، وملاذ الهاربين، وملجأ الملتجئين، وأمان الخائفين، يحب التوابين، ويحب المتطهرين.

 

قال بعض أهل العلم: "فلا يعجزه شيء، ولا يفوته شيء، ولا يحول دون إرادته شيء، ولا يحد مشيئته شيء؛ يخلق ما يشاء، ويفعل ما يريد، وهو قادر على ما يريده، غالب على أمره; لا تتعلق بإرادته حدود ولا قيود.. وهي حقيقة حين تستقر في الضمير تطلق تصوره لمشيئة الله وفعله من كل قيد يرد عليه من مألوف الحسّ أو مألوف العقل أو مألوف الخيال!

 

فقدرة الله وراء كل ما يخطر للبشر على أي حال، والقيود التي ترد على تصور البشر بحكم تكوينهم المحدود تجعلهم أسرى لما يألفون في تقدير ما يتوقعون من تغيير وتبديل فيما وراء اللحظة الحاضرة والواقع المحدود؛ فهذه الحقيقة تطلق حسهم من هذا الإسار؛ فيتوقعون من قدرة الله كل شيء بلا حدود. ويكلون لقدرة الله كل شيء بلا قيود. وينطلقون من أسر اللحظة الحاضرة والواقع المحدود".

 

عباد الله: وأفعاله -سبحانه وتعالى- ليست كأفعال المخلوقين، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، يا عبد الله: هل تستطيع أن تُكلم ثلاثة أشخاص في وقت واحد؟ هل تستطيع أن تمسك بأربع سماعات هاتف وترد عليهم في وقت واحد؟!

 

الله يسمع كلام الناس في العالَم في البر والبحر، بالعربية والسريانية، بالأعجمية، باللغات المختلفة، يعلم ما يقولون، هذا يطلب ولدًا، وهذا مغفرة، وهذا مالاً، وهذا شفاء مرض، وهذا قضاء دَيْن، وهذا دفْع عدو، وهو يعلم ما يطلب هذا وهذا، وهم يطلبون في صعيد عرفات في يومٍ واحد، في ساعة واحدة، وهو يعلم ما يقول هذا وما يقول هذا؛ فيعطي هذا ويؤخر هذا ويعجل لهذا ويمنع هذا؛ لحِكَمٍ، ويعوّض هذا من عنده -سبحانه وتعالى-.

 

قال ابن القيم -رحمه الله-: "مذهب أهل السنة والجماعة أن أفعال الله تعالى لا تُقاس بأفعال عباده، ولا تدخل تحت شرائع عقولهم القاصرة، بل أفعاله لا تشبه أفعال خلقه، ولا صفاته صفاتهم، ولا ذاته ذواتهم، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".

 

أيها المؤمنون: "فإن العبد حينما يكون على علم بغايات أفعال الله تنكشف للعبد أسرار الربوبية ومعانيها، فلا يحب إلا الله ولا يرجو سواه ولا يخاف إلا منه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوقن إلا بوعده، ولا يدعو إلا إياه، ولا يراقب سواه، وهذا هو التأله الحق والتعبد لله، فيجب أن يكون المكلف على علم بها؛ إذ هي من أسنى المقاصد وهي قطب رحى التوحيد ونظامه ومبدأ الدين المبين وختامه"(ابن تيمية)؛ فهو -سبحانه- حكيم، لا يفعل شيئًا عبثًا، ولا بغير معنى ومصلحة وحكمة، هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسبابٍ بها فعل، وقد دلَّ كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى.

 

فالله هو الخلاق لم يزل خلاقاً، -سبحانه وتعالى-، لم يزل فعال لما يريد -سبحانه وتعالى-، لكن أفعاله تتجدد بحسب حال الواقع، فخلق آدم وقع بعد أن كان عدماً وهكذا خلق الملائكة، وهكذا خلق السماوات، وهكذا خلق الأرض، وهكذا رضاه عن من مضى، ورضاه عن من يأتي من المؤمنين وغضبه على من مضى وغضبه على من يأتي من الكفار، وهكذا، سبحانه وتعالى؛ فجنس أفعاله وصفاته قديمة.

 

وصفاته سبحانه أقسام:

قسم ذاتي كعلمه وسمعه وبصره؛ فهذا لم يزل -سبحانه- سميعاً بصيراً عليماً قادراً على كل شيء على كل شيء -جل وعلا-.

 

وقسم متعدد يتعلق بالمخلوقين يتجدد بفعل المخلوقين؛ فخلْق السماوات وخلْق الأرض وقع بعد أن كان عدماً، وخلْق آدم وقع بعد أن كان عدماً، وهكذا خلق الجنة والنار، وهكذا غير ذلك، كلها تقع شيئاً بعد شيء، وهو سبحانه موصوف بأنه الخلاق القادر على كل شيء، ولكنه يفعل ما يشاء، كما قال تعالى: (إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ * إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ * وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)[البروج: 12- 16]، وهو -سبحانه- يفعل ما يشاء، قديماً وحديثاً جل وعلا، لم يزل خلاقاً، لم يزل قادراً، لم يزل عالماً، لم يزل حياً قيوماً سميعاً بصيراً إلى غير هذا سبحانه وتعالى"(العلامة ابن باز).

 

وأفعال الله كثيرة ومتنوعة، ذكر منها في القرآن الشيء الكثير؛ فسبحانه فعال لما يريد، ويفعل ما يشاء كما يريد.

 

قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

 

عباد الله: إن لله أفعالا قائمة بذاته، لا تشبه أفعال المخلوقين، وهي أزلية وأنواعها تحدث شيئاً بعد شيء، لحكمةٍ لا يعلمها إلا الله، ويجب الرضا بأفعال الله -عز وجل-، وهذا من الرضا بالقدر؛ لأن القدر هو فعل الله تعالى، ما هو القدر؟ فعل الله في الخلق، أخذ، قبض، حرمان، إعطاء، مرض، صحة، أفعاله في خلقه، يسلب ويهب، يمنح ويحرم، يعطي ويأخذ -سبحانه وتعالى- يزيد من يشاء وينقص من يشاء، ويأخذ ممن يشاء.

 

كُنْ عن هُمُومِكَ مُعْرِضَا *** وكِلِ الأُمُورَ إلى القَضَا

وأبـشرْ بِخَيرٍ عَاجِـلٍ *** تنسى به مَا قَدْ مَـضَى

فلَرُبَّمَـا اتَّسَعَ المضيقُ *** ورُبَّمـَا ضـَاقَ الفَضَا

ولَرُبَّ أمـرٍ مُسْخـِطٍ *** لَكَ فـي عواقبه رِضَا

اللهُ يفـعلُ ما يـشاء *** فـلا تكـنْ مُعْتَرِضـَا

اللهُ عَوَّدَكَ الجـمـيلَ *** فَقِسْ عَلَى مَا قَدْ مَضَى

 

أيها المؤمنون: إن الله -عز وجل- لطيفٌ بعباده، وهو أدرى بما يصلحهم، قال تعالى: (وَعَسى أن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[البقرة: 216].

 

قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "ما أبالي على أيّ حال أصبحت، على ما أحب أو على ما أكره، لأني لا أدري الخير فيما أحب أو فيما أكره".

 

فعلينا التسليم لأمر الله وفعله، وعلينا إثبات لله ما أثبته لنفسه من أسماء وصفات وأفعال، دون تشبيه أو تكييف أو تعطيل، فليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

 

هذا وصلوا وسلموا على أمرتم بالصلاة والسلام عليه، قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

 

المرفقات

أفعال-الله-سبحانه-وتعالى.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات