أغيلمة الصحافة السعودية

سامي بن خالد الحمود

2011-06-26 - 1432/07/24
عناصر الخطبة
1/ كمال إيمان الصدر الأول 2/ بدعة الخوارج أقدم البدع تلتها الإرجاء 3/ معاناة الأمة الإسلامية من هاتين البدعتين 4/ تجرؤ الصحفيين المنافقين على الشريعة والمقدسات 5/ رد العلامة البراك على من قصر الإيمان في الشهادتين 6/ كفر من لم يؤمن بدين الإسلام 7/ حماية جناب التوحيد

اقتباس

لقد خرج علينا في هذا الزمان زمانِ الرويبضة جمعٌ من الروائيين والصحفيين والمفكرين، ممن يطعنون في الشريعة، أو يرفضون أحكامها، أو يسخرون منها ومن حملتها، وربما وقعوا في نواقض الإسلام، بإجماع العلماء الأعلام، ثم يقولون: يا شيخ الإيمان في القلب، ولو كان إيمانهم صادقًا لصدقه العمل..

 

 

 

 

أما بعد:

عباد الله: نشكو إلى الله أحوالنا، وما يكتب مرارًا في صحفنا، ويعرض في قنواتنا.

لقد عاش الصدر الأول من هذه الأمة على أحسن حال، من كمالِ إيمان، وصلاح أعمال، وطهارة قلوب، وصفاء نفوس، لم يختلفوا في دينهم، ولم تفرقهم دنياهم، مع عظم الفتوح، وتدفق الغنائم والكنوز، يعظِّمون السُّنة، ويلتزمون أحكام الشريعة، حتى بدأت الدنيا تتسرب إلى قلوب أبنائهم، واندس الحاقدون بينهم، فكان مقتل عثمان -رضي الله عنه-، ثم وقع بعده التفرق والاختلاف في الأمة إلى زماننا.

لقد كانت بدعةُ الخوارج أولَ مسمارٍ دُقَّ في اجتماع المسلمين وتآلفهم، فخرجوا على الحكام، وكفروا أهل الإسلام، واستحلوا دماءهم وأموالهم.

وفي مقابل الخوارج الغلاة، خرجت طائفة متحلِّلة، أخذت بالطرف الآخر، فميّعت الدين، وسوّغت المعاصي والفجور، فأطلت بدعةُ الإرجاء بقرونها, وانتشر قول المرجئة الذين يفصلون العمل ويخرجونه عن حقيقة الإيمان، فيرون أن العمل لا يؤثر في الإيمان، لا بالكمال ولا بالنقص ولا بالانتفاء.

وعانت الأمة الأمرّين، من هاتين البدعتين، من التكفير، ومن الإرجاء، فإن فسد الولاة، وكثرت المعاصي والمنكرات، واستعلن أهلها بها، وصُنعت لها المسوغات والمعاذير؛ قابلتها بدعة التكفير والخروج، فركبها جهلة يسفكون الدماء، ويظنون أنهم مصلحون، وهم لا يزيدون الفتن إلا اشتعالاً، وإذا ظهر القول بالتكفير والخروج بلا حجة ولا برهان، ظهر المرجئة ببدعتهم فسوغوا المعاصي، وشرَّعوا للمنكرات، واختلقوا المعاذير لأرباب البغي والفساد، ولا سبيل إلى القضاء على هاتين البدعتين إلا بسلوك صراط أهل العلم والعدل والحق، وذلك بلزوم الجماعة، والتزام الطاعة، وإنكار المنكرات حسبَ الطاقة، فلا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق، دون شقٍّ لعصى الطاعة، ودون مفارقةٍ للجماعة.

وقد أنكر السلف الصالح بدعة الإرجاء، كما أنكروا بدعة الخروج والغلو سواء بسواء، قال النخعي -رحمه الله تعالى-: "لَفِتْنَةُ المرجئة أخوفُ على هذه الأمة من فتنة الأزارقة". أهـ, وهم فرقة من الخوارج.

عباد الله: وإذا كانت فتنة التكفير أحدثت الاستحلال للدماء المعصومة، والتخريب في بلاد المسلمين؛ فإن فتنة الإرجاء أحدثت في المقابل التخريب لعقائد الناس وأخلاقهم وأفكارهم، بل وولائهم لبلادهم وولاة أمورهم.

فقد اجترأ بسببها المنافقون والمرتدون على حمى الشريعة والمقدسات، فانتهكوها باسم الإبداع أو حرية الرأي أو التعددية الثقافية أو غير ذلك، وكان الإرجاء حاميًا لهم من أن يُتهموا بالردة أو الزندقة، على اعتبار أنهم يشهدون الشهادتين، ولو أتوا بما يناقضهما.

وفي هذا القول الفاسد إلغاءٌ لشرائع الإسلام، وحصرٌ له في مجرد النطق بالشهادتين، وتعطيلٌ للنصوص المتضافرة من الكتاب والسنة، وإذا كان الإيمان اعتقادًا وقولاً وعملاً فإنه ينتقض كذلك، فقد ينتقض بالاعتقاد كالجحد أو البغض أو التكذيب، وقد ينتقض بالقول كالسب والاستهزاء، وقد ينتقض بالعمل كالسجود للصنم، ولو كان هذا المرتد يشهد الشهادتين ويدعي الإسلام، وهذا الحكم مجمع عليه في أبواب الردة في جميع المذاهب الفقهية الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي وغيرها دون استثناء.

وحتى أكون صريحًا معكم اليوم أقول: لقد خرج علينا في هذا الزمان زمانِ الرويبضة جمعٌ من الروائيين والصحفيين والمفكرين، ممن يطعنون في الشريعة، أو يرفضون أحكامها، أو يسخرون منها ومن حملتها، وربما وقعوا في نواقض الإسلام، بإجماع العلماء الأعلام، ثم يقولون: يا شيخ: الإيمان في القلب، ولو كان إيمانهم صادقًا لصدقه العمل.

بل تجاوز بعض مرجئة العصر المرجئةَ القدماء، فادعوا أنه لا معنى للكفر والإيمان، وطالبوا باستبدال لفظ الكافر والمبتدع بالآخر، باسم التعددية الثقافية، والأخوة الإنسانية، الملغية للأخوة الإسلامية، بل زعموا أن الحق خفي، وأن الفصل في الأديان لعدل الله تعالى يوم القيامة، فلا موجب للتنازع من أجل الأديان، والحاصل من هذه المقولات الفاسدة إلغاءُ حقيقة الإسلام، وتصحيحُ كفر الكفار.

وكل هذا الضلال والانحراف الذي يُسوَّق على الناس، ويغتر به أهل الجهل والهوى إنما نشأ عن القول بالإرجاء.

لقد قال قائلهم: الإسلام لا يكفِّر اليهود والنصارى، المتشددون المتنطعون هم الذين صوروا لنا أن الإسلام يكفر كل من خالفه، وقال آخر -فُضَّ فوه-: حروب الردة التي خاضها أبو بكر الصديق هي أول واقعة أخرجت فكر التكفير إلى الوجود، وهو أول ميلاد للتكفير، وقالوا: السلفية التقليدية لديها القابلية الفائقة للإرهاب. هذه العفونات الفكرية والزبالات العقلية، وغيرها كثير، لم تكتب في صحف نصرانية حاقدة، ولا منتديات معادية للإسلام، ولم تسطر في دول عربية تحكمها القوانين الوضعية والأنظمة العلمانية، بل كُتبت ونُشرت هنا، في بلدنا المبارك، الذي يُحَكِّم الشريعة، وينص دستوره الإعلامي على مرجعية الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، ولن نلتمس في هذا عذرًا لرئيس تحرير الصحيفة ولا لوزير الإعلام؛ لأنهم أول من يعلم ذلك.

سبحان الله، إذا كان الغرب حينما سبوا رسولنا –صلى الله عليه وسلم- قالوا: هذه حرية في الرأي والتعبير واختلاف الرأي، فهاهم بعض بني جلدتنا وللأسف يسبون ديننا وثوابتنا بنفس الحجة، تشابهت قلوبهم: (أتواصوا به بل هم قوم طاغون) [الذاريات:53].

الناقد البصير يدرك أن هؤلاء الكتاب جَهَلة عوام، وسَفَلة طَغام، ليسوا في العير ولا في النفير، جمعوا بين الجهل والحقد والركون للعدو الخارجي والتطلع للشهرة، على طريقة "اذكروني ولو باللعن"، يقرأ العالم كتاباتهم، فيضحك لسذاجتهم، ويبكي لجرأتهم، ومع هذا يعطى أحدهم مساحةً واسعةً في صحيفة محلية، أو ينصّب على كرسي شاشة فضائية، ثم يقال: معنا الكاتب الخطير، والمفكر النحرير، وهو كما قال العلماء: "لمّا يَرِيش ويريد أن يطير"، معنا فلان، الباحث في الإسلام والأديان، والخبير في الجماعات الإسلامية وغير الإسلامية وكل شيء، فينتفخ ويرتجف، ويهرف بما لا يعرف، ويهذي ولا يهدي، ملأ قوله زورًا وعفنًا و(زُيِّن له سوء عمله فرءاه حسنًا)[فاطر:8].

عباد الله: وقد بلغ التلبيس مداه، ووصلت الوقاحة غايتها، حينما خرج علينا قبل أيام، كاتب حقير، بمقالة أو زبالة خلاصتها: أنّ كلمة لا إله إلاّ الله لا تقتضي الكُفرَ بالطّاغوت، ونفيَ سائر الدِّيانات والتأويلات، أو أنّ معناها: لا مَعبود بِحقٍّ إلاّ الله، وأنّ الإسلام لا يُكفِّر مَن لم يُحارِب الإسلام مِن الكِتابيّين أو مِن العقائد الأخرى، بل إنه يعدّهم مِن النّاجين، وأنّ الإسلام لا يُكفِّر مَن لا يَدِين به إلاّ إذا حال بين الناس وبين مُمارسة حُرّيّة العقيدة التي يَدينون بها.

كلام سخيف وخطير، الرد عليه في كتاب التوحيد سنة أولى ابتدائي، أقول هذا حقًّا لا هزلاً، وإن تعجب من هذا التطاول، فالعجب أعظم من تمكين هذا الكاتب ونشر سمومه في الصحيفة دون محاسبة أو محاكمة، ثم لما سئل أحد المشايخ الكبار الأعلام وهو فضيلة الشيخ عبد الرحمن البراك عن مقولة هذا الكاتب، فأفتى الشيخ -حفظه الله- بأن من زعم ذلك فإنه يكون قد وقع في ناقضٍ من نواقض الإسلام، فيجب أن يحاكم ليرجع عن ذلك، فإن تابَ ورجع، وإلا وجب قتله مرتدًا عن دين الإسلام.

ومع أن هذه الفتوى قد دلّ عليها كتاب الله و سُنَّة رسوله –صلى الله عليه وسلم-، وقرّرها أهل السُّنّة والجماعة، وهي أمرٌ مجمعٌ عليه بين علماء المسلمين ومعلومٌ من الدين بالضرورة، مع هذا فقد تلقى الشيخ هجومًا خبيثًا مِمّن تلوّثت عقائدهم وانحرفت مناهجهم، بل اتهموه باتهامات باطلة وخطيرة، وكأن العلماء وطلاب العلم لا يعرفون الشيخ عبد الرحمن البراك الذي شابت لحيته في تقرير العقيدة والحفاظ عليها، بل هو اليوم من أعلم أهل الأرض في علم العقيدة، وهو والله ليس بحاجة لدفاعنا نحن -حثالة طلاب العلم- عنه، لا يضر السحاب، نباح الكلاب، ولا يضر السماء ولا القمم الشماء أن تمتد لها يد شلاء، ومن بصق إلى السماء عاد بصاقه إلى وجهه:

كناطحٍ صخرةً يومًا ليوهنها *** فلم يضرها وأوهى قرنَه الوعلُ

وقد صدر خلال الأيام الماضية، في الرد على الكاتب المذكور، وتأييد فتوى الشيخ، عددٌ من البيانات والفتاوى الفردية والجماعية من مشايخنا الكبار، ومنهم شيخنا الشيخ عبد الله بن جبرين والشيخ صالح الفوزان والشيخ عبد العزيز الراجحي وغيرهم كثير.

وأضيف بعد قراءتي لنص المقالة، وجدت كلامًا فيه جهل ذريع بالشريعة، وتناقضات وأوهام دينية وتاريخية لا تخفى على طالب العلم، وتحريف لمعاني آيات القرآن، وطعن في الأصول والثوابت المجمع عليها، مما لا يصدر إلا عن جاهل متعالم أو مفترٍ حاقد، هدى الله كاتبها للحق إن كان طالبًا، وعامله بما يستحق إن كان كاذبًا.

نسأل الله تعالى أن يعز دينه، ويظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، والحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

 

 

عباد الله: إن من العجائب والمهازل في هذا الزمان أن يثور الجدال والخصام، في الثوابت والقطعيات من دين الإسلام.
وكيفَ يصحُّ في الأذهانِ شيءٌ *** إذا احتاجَ النهارُ إلى دليلِ

إنَّ كفر من لم يؤمن بدين الإسلام من مسلَّمات الشريعة، وقواطع الملة، ومما هو معلوم من الدين بالضرورة، وإن التشكيك في ذلك أو إنكاره ردّة صريحة ومروق من الدين بالكلية، أما الاستتابة وتنفيذ الأحكام فهذا شأن ولاة الأمور، كما يفتى بذلك مشايخنا بحمد الله.

قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) [آل عمران:19] وقال سبحانه: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران:85] وقال تعالى: (وَمَن لَّمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا) [الفتح:13]، فمن بلغته رسالة محمد –صلى الله عليه وسلم- ولم يؤمن بها لا نكرهه على الإسلام، لكن نقول: هو كافر في الدنيا، مخلَّد في النار في الآخرة، كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أنه قال: "والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من لم يكفر اليهود والنصارى، أو شك في كفرهم، أو سوّغ اتباع دينهم، أو صحح ما هم عليه من اعتقادات باطلة، فهو كافر باتفاق المسلمين". اهـ.

ونقل هذا الإجماع أيضًا القاضي عياض في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى، أما إمام زمانه ابن باز -رحمه الله وجعل نزله في عليين- فقد قال: "إن من زعم أنه يجوز له الخروج عن شريعة محمد –صلى الله عليه وسلم- فهو كافر بإجماع أهل العلم يستتاب وتبين له الأدلة، فإن تاب وإلا قُتل ردة" أهـ.

عباد الله: إن حماية جناب التوحيد، والحفاظ على مقام الدين؛ من أعظم الواجبات، وإن جهاد هؤلاء الملبسين من أعظم جهاد الكلمة، وإن النصح للأمة والتواصي بتعرية هؤلاء والرد عليهم، من أشرف أنواع التواصي بالحق والبر.

إنَّه لا سبيل إلى القضاء على التكفير والتخريب إلا بالقضاء في المقابل على فكر الإرجاء والتغريب، مع تعظيم الحرمات، وحماية العقيدة من عبث العابثين، وسخرية المنافقين والمرتدين، ونشر العلم الصحيح في الناس، وتحجيم المعاصي والمنكرات التي هي سبب كل فتنة وبلاء، فإن العقوبات إذا نزلت أصابت الجميع، وإن الفتن إذا تفاقمت لم يستثن من ضررها أحد.

وكلنا أمل بعد الله تعالى في ولاة أمرنا بحفظ الملة، والأخذ على أيدي السفهاء، وفي علمائنا ودعاتنا أن يجلجل صوتهم بالحق، وأن يقوموا بواجب البيان والإبراء للخلق، فبهم تهتدي الأمة وترشد، وبهم تصلح وتسعد، وإذا علا صوتهم وظهر، خنست أصوات أهل التغريب والتحرر، الذين لا نقول لهم إلا: موتوا بغيظكم، وأبشروا بما يسوؤكم، فلا مكان في بلادنا لأفكاركم، هذه البلاد المباركة بولاة أمرها وعلمائها وتوحيد أهلها، ستبقى منارةً للدين والتوحيد، وغُصَّةً في حلق كل بغيض نكيد، وقد قالها ولاة أمرنا: لا قيام لهذه البلاد، ولا للدولة، إلا على دين الله، وعقيدة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه (واللهُ غالبٌ على أمرهِ ولكنَّ أكثرَ الناسِ لا يعلمون) [يوسف:21].
 

 

 

 

 

المرفقات

الصحافة السعودية

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات