أعظم سبب للحرمان من الطاعة

الشيخ بن سالم با هشام

2026-01-30 - 1447/08/11 2026-02-10 - 1447/08/22
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/أكبر أسباب حرمان العبد من التوفيق للطاعة 2/الدعوة إلى المبادرة بالتوبة وبيان كرم الله تعالى للتائبين.

اقتباس

لقد أجمع علماء المسلمين، أن التوبة من كل المعاصي والذنوب، واجبة على الفور؛ فمن ارتكب معصية باطنية أو ظاهرية؛ فعليه أن يتوب فورا، ولا يؤجل توبته؛ لأن التأجيل إصرار على المعصية...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

عباد الله: إن الذنوب هي أعظم سبب في عدم التوفيق لفعل الطاعات، وصاحبها مُعاقب بالحرمان وهو غافل لا يدري؛ ومن أنواع هذا العقاب، أنه يدرك شهر رمضان، شهر الغفران؛ فيعتقد أنه سيصوم ويقوم، في حين؛ أنه لا صيام له ولا قيام، لما رواه ابن ماجه، بإسناد صحيح، ورجاله ثقات، والنسائي في الكبرى، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ"(رواه ابن ماجه، والنسائي في الكبرى).

 

عباد الله: إن هذا الحرمان، هو من أعظم المصائب التي تحل بالعاصي، حتى إنكم تجدوه يدرك مواسم الخيرات، ويخرج منها وهو لا يشعر بقيمتها، ولا يعرف فضلها، ولا يوفق فيها للعمل الصالح؛ روى البزار، وإسناده حسن، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صعد المنبر؛ فقال: "آمينْ، آمينْ، آمينْ". قيل: يا رسول الله، إنك صعدت المنبر، فقلت: آمينْ، آمينْ، آمينْ، فقال: "إِنَّ جِبْرِيلَ -عليه السلام- أَتَانِي فَقَالَ لِي: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينْ، فَقُلْتُ: آمِينْ. وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينْ، فَقُلْتُ: آمِينْ. وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللهُ، قُلْ: آمِينْ، فَقُلْتُ: آمِينْ"(رواه البزار).

 

عباد الله: ما دام الأمر بهذه الخطورة؛ فإني أوصي نفسي وإياكم بأن نجدد التوبة قبل رمضان، حتى لا نحرم فضل هذا الشهر العظيم، الذي تعتق فيه الرقاب، وحتى لا يلحقنا دعاء سيد الملائكة جبريل -عليه السلام-، وسيد البشر سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، كما نجددها إذا دخل رمضان؛ بل وفي كل يوم، ما دامت الذنوب تعتبر عائقا كبيرا للطاعات، ولنوقن أن لهذه التوبة الدائمة أثرها على صاحبها في التوفيق للعمل الصالح.

 

عباد الله: لقد أجمع علماء المسلمين، أن التوبة من كل المعاصي والذنوب، واجبة على الفور؛ فمن ارتكب معصية باطنية أو ظاهرية؛ فعليه أن يتوب فورا، ولا يؤجل توبته؛ لأن التأجيل إصرار على المعصية، والإصرار معصية أخرى، والدليل على وجوب التوبة على الفور، قول الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)[آل عمران: 135]. 

 

كما أن أمر الله -تعالى- عباده بالتوبة واجب التنفيذ بعد الوقوع في المعصية مباشرة، وإلا كانت هناك فترة لا تُقبل فيها التوبة، أو لا اختيار فيها للإنسان في أن يتوب، قال -تعالى-: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)[النساء: 17، 18]؛ كما أن التوبة تكون من معصية، والمعصية يجب تركها في كل وقت يقدر الإنسان على تركها فيه.

 

عباد الله: إن التوبة واجب شرعي بالكتاب والسنة، ودليل وجوبها، قوله -تعالى-: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[النور: 31]. وقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا)[التحريم: 8].

 

وروى البيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ؛ تُوْبُوْا إِلَى رَبِّكُمْ فَإِنِّي أَتُوْبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةً"(رواه البيهقي في شعب الإيمان)؛ والتوبة النصوح، هي التوبة الخالصة لله -تعالى-، الخالية من الشوائب.

 

عباد الله: إن الذي ينظر في آيات الله القرآنية، وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، نظر مؤمن، ويفكر تفكير متبصر ليس على عينيه غشاوة، وليس على قلبه ران، وليس مغلوبا على أمره بسبب تمكينه الشياطين من نفسه، لا بد من أن يدرك إدراكا يقينيا أن رحمة الله -تعالى- سبقت غضبه، وأنه يمهل العصاة ويسترضيهم، ويؤخر عقاب المذنبين ويستميلهم إليه، ويضرب لهم الأمثال، ويقص عليهم أحسن القصص، ليذكرهم ويعظهم، ويبين لهم مصائر المعاندين والمكابرين والذين هم في ضلالهم سادرون، وعن ربهم معرضون، كل ذلك ليتوب العاصي.

 

ويعود المذنب إلى الله طالبا صفحه وعفوه، وعندئذ يجد رحمة الله في انتظاره وعفوه، شاملا جميع ذنوبه، ومحبتُه للتائب تكلل توبته بالفضل والإحسان والخير العظيم، وإليكم آيات وأحاديث يلين لها الحديد، ويتصدع لها الجبل، ويتأثر بها الحجر، قال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ)[الشورى:25]. 

 

وقال -تعالى-: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)[الزمر: 53]. وقال -تعالى-: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ)[الرعد: 6].

 

وقال -سبحانه و-تعالى-: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ)[الحجر: 49، 50]. وقال -سبحانه وتعالى-: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)[الأنعام: 54].

 

عباد الله: أما الأحاديث الواردة؛ فمنها ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَبِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا"(رواه مسلم).

 

وروى أحمد، والترمذي، وقال: حسن غريب، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان، عن عبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ"(رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان)؛ أي ما لم تصل روحه الحلقوم.

 

وروى مسلم في صحيحه، عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "اللَّهُ أَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرِهِ وَقَدْ أَضَلَّهُ فِي أَرْضِ فَلَاةٍ"(رواه مسلم)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: "سقط على بعيره" أي صادفه من غير قصد؛ "أضله" أي أضاعه؛ "فلاة" أي صحراء.

 

وروى الطبراني في مسند الشاميين، عن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ أَحْسَنَ فِيمَا بَقِيَ، غُفِرَ لَهُ مَا مَضَى، وَمَنْ أَسَاءَ فِيمَا بَقِيَ، أُخِذَ بِمَا مَضَى وَمَا بَقِيَ"(رواه الطبراني في مسند الشاميين).

 

 

الخطبة الثانية:

 

عباد الله: وفي الختام، يكفيكم، إن كنتم حريصين على التوبة بصدق وإخلاص، قبل رمضان وفي رمضان، بل وفي كل يوم، كلما وقعتم في ذنب، أن الله -تعالى- يحبكم، قال -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)[البقرة: 222]. 

 

ومن أحبه الله قربه وأكرمه، وبدل سيئاته حسنات؛ كما قال -تعالى-: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا * وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا)[الفرقان: 70، 71]. 

 

وبهذه التوبة النصوح، توفقون في وضع برنامج لشهر رمضان، وييسر الله لكم تطبيقه، قال -تعالى-: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)[الليل:5–7]، أي فأمَّا من بذل من ماله ووقته وعلمه وكل ما أنعم الله عليه به، واتقى الله في ذلك، وصدق بـ"لا إله إلا الله"، وما دلت عليه، وما ترتب عليها من الجزاء؛ فسنرشده ونوفقه إلى أسباب الخير والصلاح، ونيسِّر له أموره.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.

 

اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين.

 

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واجمع كلمتهم على الحق والدين.

 

المرفقات

أعظم سبب للحرمان من الطاعة.doc

أعظم سبب للحرمان من الطاعة.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات