أعظم آية في كتاب الله تعالى

فواز بن خلف الثبيتي

2013-11-12 - 1435/01/09
التصنيفات: الإيمان
عناصر الخطبة
1/ تفاضل آيات القرآن 2/من فضائل آية الكرسي 3/ تفسير آية الكرسي وبيان معانيها 4/ واجب المسلم في أسماء الله وصفاته
اهداف الخطبة
1/بيان أن آيات القرآن تتفاضل 2/ بيان معاني آية الكرسي 3/ التذكير بالفضائل الواردة في آية الكرسي 4/ بيان منهج أهل السنة في الأسماء والصفات

اقتباس

هذه أعظم وأفضل آية في كتاب الله فاحرصوا على حفظها وتعلمها وتعليمها أولادكم ونساءكم وأكثروا من قراءتها وخاصة عند دخول المنزل وعند النوم وبعد الصلوات وفي الرقية وغيرها, فلقد تضمنت آية الكرسي صفات لله عز وجل, وصفات الله كلها صفات كمال ومدح وجمال, والواجب أن يؤمن المسلم بها ويمررها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف, فلا نحرفها عن معناها ولا ننفيها ولا نمثلها ولا نشبهها بصفات المخلوقين, بل...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس, ويصطفي من الأماكن والأزمان ما يشاء وهو العلي العظيم، والصلاة والسلام علي من بعثه ربه بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً, اختاره الله خياراً من خيار من خيار, هو سيد ولد آدم وأكرم الرسل وأفضل الأنبياء صلوات الله وسلامة عليه, واختار الله له من الناس خيرهم وأفضلهم فاختار له أصحابه رضوان الله عليهم, فهم خير الناس بعد الأنبياء رضي الله عنهم وعن تابعيهم ومن تبعهم واهتدي بهم واقتفي آثرهم وسار علي نهجهم إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

فأوصيكم أيها الناس ونفسي بما أوصى الله به الأولين الآخرين، وكرر ذكره في كتابه المبين "تقوى الله " (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء: 131] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

 

عباد الله:

 

القران كلام الله المجيد، تكلم به سبحانه وأوحاه إلى نبيه، وأنزله جبريل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم. وهو النور المبين والصراط المستقيم والهدى التام والشفاء من كل الأسقام, هو الحق ليس بالهزل من تمسك به هُدي ومن حكم به عدل, ومن تكلم به وقرأه وحفظه سَعُد في الدنيا والآخرة.

 

أيها الإخوة في الله:

وبعض القرآن أفضل من بعض وشيء منه أعظم من شيء وكله عظيم لأنه كلام العظيم جل جلاله. فسورة الفاتحة أعظم سورة في القران. وسورة البقرة وآل عمران لهما من الفضائل الشيء الكثير, وللمعوذتين ما ليس لعيرهما من الفضل والميزة, وهكذا بعض آيات من القران الكريم اخبر عنها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وصح الخبر بذلك.

 

ومعنا اليوم آيةٌ هي أعظم آية في كاب الله, في سورة من أعظم سور القران بعد الفاتحة "إنها آية الكرسي". (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) [البقرة: 255].

 

فقد صح الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنها أفضل آية في كتاب الله ففي مسند الأمام احمد عن أُبي بن كعب: "أن النبي -عليه الصلاة والسلام- سأله: أي آية في كتاب الله أعظم؟ فقال أُبي: الله ورسوله أعلم، فرددها مراراً، ثم قال أبي: آية الكرسي: قال ليهنك العلم أبا المنذر والذي نفسي بيده أن لها لسانا وشفتين، تقدس الملك عند ساق العرش."

 

ومن فضائلها العظيمة: أن الشياطين لا تقرب من يقرؤها إذا دخل بيته وإذا أوى إلى فراشة لينام. ففي مسند الأمام أحمد عَنْ أَبِي أَيُّوبَ: "أَنَّهُ كَانَ فِي سَهْوَةٍ لَهُ،  فَكَانَتِ الْغُولُ تَجِيءُ فَتَأْخُذُ، فَشَكَاهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "إِذَا رَأَيْتَهَا فَقُلْ: بِسْمِ اللهِ أَجِيبِي رَسُولَ اللهِ" قَالَ: فَجَاءَتْ،  فَقَالَ لَهَا، فَأَخَذَهَا، فَقَالَتْ لَهُ: إِنِّي لاَ أَعُودُ، فَأَرْسَلَهَا، فَجَاءَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟" قَالَ: أَخَذْتُهَا،  فَقَالَتْ لِي: إِنِّي لاَ أَعُودُ،  فَأَرْسَلْتُهَا، فَقَالَ: إِنَّهَا عَائِدَةٌ فَأَخَذْتُهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، كُلَّ ذَلِكَ تَقُولُ: لاَ أَعُودُ، وَيَجِيءُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَقُولُ: "مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟" فَيَقُولُ: أَخَذْتُهَا،  فَتَقُولُ: لاَ أَعُودُ، فَيَقُولُ: إِنَّهَا عَائِدَةٌ فَأَخَذَهَا فَقَالَتْ: أَرْسِلْنِي وَأُعَلِّمُكَ شَيْئًا تَقُولُهُ فَلاَ يَقْرَبُكَ شَيْءٌ: آيَةَ الْكُرْسِيِّ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: "صَدَقَتْ وَهِيَ كَذُوبٌ".

 

 والغول في لغة العرب: الجان إذا تبدي في الليل وقد ذكر البخاري هذه القصة فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ»، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ، وَسَيَعُودُ»، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لاَ أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً، وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ»، فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَهَذَا آخِرُ ثَلاَثِ مَرَّاتٍ، أَنَّكَ تَزْعُمُ لاَ تَعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهَا، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ، فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ) [البقرة: 255]، حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «مَا هِيَ»، قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ: (اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ) [البقرة: 255]، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلاَ يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ - وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ - فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ»، قَالَ: لاَ، قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ»

 

وروى أبو عبيد في كتاب الغريب عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود قال: خرج رجل من الأنس فلقيه رجل من الجن فقال: هل لك أن تصارعني فان صرعتي علمتك آيةً إذا قرأتها حين تدخل بيتك لم يدخله شيطان؟ فصارعه فصرعه, فقال: إنى أراك ضئيلا شخيتاً كأن ذراعيك ذراعا كلب, أفهكذا أنتم أيها الجن كلكم أم أنت من بينهم؟ فقال: إني بينهم لضليع فعاودني فصارعه فصرعه الإنسي فقال: تقرا آية الكرسي فانه لا يقرؤها أحد إذا دخل بيته إلا خرج الشيطان وله خبج أي ضراط كخبج الحمار فقيل لا بن مسعد أهو عمر فقال: من عسى أن يكون إلا عمر؟.

 

وروى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد بن السكن، قالت: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هاتين الآيتين (اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) و (ألم * اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [آل عمران: 1، 2] أن فيهما اسم الله الأعظم". وكذا رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وقال الترمذي: حسن صحيح.

 

وروى ابن مردويه عن أبى إمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت" وهكذا رواه النسائي في اليوم والليلة وأخرجه ابن حبان في صحيحة وإسناده علي شرط البخاري.

 

قال الإمام ابن كثير رحمة الله في تفسيره: وهذه الآية مشتملة علي عشر جمل مستقلة فقول "اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ" إخبار بأنه المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق "الْحَيُّ الْقَيُّومُ" أي: الحي في نفسه الذي لا يموت أبدا القيِّم لغيره, وكان عمر يقرأ "القيام" فجميع الموجودات مفتقرة إليه وهو غني عنها ولا قوام لها بدون أمره كقوله: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ) وقوله تعالى (لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ)" أي: لا يعتريه نقص ولا غفلة ولا ذهول عن خلقه, بل هو قائم على كل نفس بما كسبت شهيد علي كل شيء لا يغيب عنه شيء ولا يخفي عليه خافية. ومن تمام القيومية أنه لا يعتريه سنةٌ ولا نوم, فقوله لا تأخذه أي لا تغلبه سنة وهي الوسن والنعاس ولهذا قال ولا نوم لأنه أقوى من السنة, وفي الصحيح عن أبى موسى قال: قام فينا رسول الله صلي الله عليه وسلم بأربع كلمات فقال: "إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لاَ يَنَامُ وَلاَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ،  يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ بِالنَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ زَادَ الْمَسْعُودِيُّ : حِجَابُهُ النَّارُ،  لَوْ كَشَفَهَا لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَدْرَكَهُ بَصَرُهُ" وقوله تعالى: (لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ) إخبار بان الجميع عبيده وفي ملكه وتحت قهره وسلطانه كقوله: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم: 93 - 95].

 

وقوله (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) كقوله: ( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) [النجم: 26] وكقوله: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى) [الأنبياء: 28] وهذا من عظمته وجلاله وكبريائه عز وجل؛ أنه لا يتجاسر أحد على أن يشفع لأحد عنده إلا بأذنه له في الشفاعة كما في حديث الشفاعة: "أني تحت العرض فاخر ساجداً فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، سَلْ تُعْطَهْ، وَقُلْ يُسمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُ رَبِّي بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِي؛ ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا، ثُمَّ أُخْرِجُهُمْ مِنَ النَّارِ وَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ".

 

وقوله (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) دليل على إحاطة علمه بجميع الكائنات ماضيها وحاضرها ومستقبلها, كقوله إخباراً عن الملائكة: (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا) [مريم: 64].

 

وقوله تعالى: (وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء) أي لا يطلع أحد من علم الله على شيء إلا بما أعلمه الله عز وجل وأطلعه عليه ويحتمل أن يكون المراد لا يطلعون علي شيء من علم ذاته وصفاته إلا بما أطلعهم الله عليه كقوله: (وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا) [طه: 110]

 

وقوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ) روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس قال:"كُرْسِيُّهُ" علمه .قال ابن أبى حاتم: وروي عن سعيد بن جبير مثله, قال ابن جرير: وقال آخرون: الكرسي موضع القدمين, وروى شجاع بن مخلد في تفسيره عن ابن عباس قال: "سئل النبي صلي الله عليه وسلم عن قوله الله عز و وجل: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَقال: كرسيه موضع قدميه والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل" وهذا هو الصحيح الثابت عن ابن عباس: أن الكرسي هو موضع قدمي الرب سبحانه وتعالى, فربنا جل جلاله في السماء وفوق السماء السابعة الكرسي, وفوق الكرسي العرش, والله مستو على العرش لا تخفى عليه خافية.

 

قال تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ) [يونس: 3] , وقال تعالى: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5]. روى البيهقي بسند حسن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:"ما بين  السماء والأرض مسيرة خمس مائة عام, وما بين كل سماء مسيرة خمس مائة عام, وغلظ كل سماء مسيرة خمس مائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمس مائة عام, وما بين الكرسي والماء خمس مائة عام, والعرش فوق الماء والله سبحانه فوق العرش لا يخفي عليه شيء من أعمالكم".

 

قال الله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ) [هود: 7]. فالكرسي غير العرش، والعرش أعظم وأكبر من الكرسي, بل ومع عظيم الكرسي الذي وسع السموات والأرض إلا أن العرش أكبر منه وأعظم, بل أعظم واكبر خلق الله علي الإطلاق عرش الرحمن. والعرش في اللغة العربية: سرير الملك، كما قال الله تعالى عن يوسف: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ) [يوسف: 100] وقال عن ملكه سبأ: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) [النمل: 23]، وأما عرش الرحمن الذي استوى عليه فهو عرش عظيم محيط بالمخلوقات، وهو أعلاها وأكبرها.

 

ففي حديث أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي إلا كحلقة ملقاة في ارض فلاة -أي إلا كحلقة صغيرة في صحراء- وإن فضل العرش علي الكرسي كفضل الفلاة على ملك الحلقة -أي أن الكرسي بالنسبة للعرش الرحمن أيضاً كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض!! فلا اله إلا الله ما أعظم عرش الرحمن وما أكبره؟! (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ). فالكرسي موضع قدمي الرب جل جلاله والله مستو علي عرشه والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل (قول بن عباس) هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة وهو المحفوظ عنهم.

 

وقوله (وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا) أي: لا يثقله حفظ السموات والأرض ومن فيهما ومن بينهما؛ بل ذلك سهل عليه يسير لديه، وهو القائم على كل نفسٍ بما كسبت, الرقيب على جميع الأشياء، فلا يعزب عنه شيء، ولا يغيب عنه شيء، والأشياء كلها حقيرة بين يديه متواضعة ذليلة صغيرة بالنسبة إليه, محتاجة فقيرة وهو الغني الحميد الفعال لما يريد الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون, وهو القاهر لكل شيء الحسيب علي كل شيء, العلي العظيم لا اله غيره ولا رب سواه فقوله (وهو العلي العظيم) كقوله: (الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) [الرعد: 9].

 

أيها الإخوة المؤمنون: هذه أعظم وأفضل آية في كتاب الله وهذا معناها فاحرصوا على حفظها وتعلمها وتعليمها أولادكم ونساءكم وأكثروا من قراءتها وخاصة عند دخول المنزل وعند النوم وبعد الصلوات وفي الرقية وغيرها ..

 

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً يا رب العالمين.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين, له الملك وله الحمد وهو أسرع الحاسبين, حكيم خبير عليٌّ كبير جبار متكبر قوي مهيمن عزيز حكيم, غفور رحيم يحب المدح ويستحقه لا نعبد إلا إياه ولا نتوكل إلا عليه.

 

كل نعمة جلت أو دقت كبرت أو صغرت ظهرت أو خفيت فمنه سبحانه لا اله إلا هو, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين الذي ما من خير إلا ودلنا عليه وما من شر إلا وحذرنا منه صلوات ربي وسلامه عليه وعلي آله وأصحابه وأزواجه إلى يوم الدين.

 

أمـا بعد:

 

فلقد تضمنت آية الكرسي صفات لله عز وجل وصفات الله كلها صفات كمال ومدح وجمال, والواجب أن يؤمن المسلم بها ويمررها كما جاءت من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف, فلا نحرفها عن معناها ولا ننفيها ولا نمثلها ولا نشبهها بصفات المخلوقين, بل ولا نسأل عن كيفيتها لأن علم ذلك مرده إلى الله وحده القائل عن نفسه (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11].

 

فلله وجه ليس كوجه المخلوقين ( وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن: 27], وله يدان حقيقتان مبوسطتان ينفق كيف يشاء سبحانه, وله سمع وبصر وعينان وله قدمان, وهو مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته, وهو سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا نزولاً يليق بجلاله وعظمته إذا بقي ثلث الليل الأخير, فيستجيب دعوة داع ويعطي سؤل سائل ويغفر لمستغفر, نؤمن بهذا من غير تأويل ولا تحريف لا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف, هذا هو منهج أهل السنة والجماعة تجاه صفات الله العليا, ولما سئل الإمام مالك عن قوله الله تعالي: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5] كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه -أي عن كيفيته- بدعه, ثم أُمر بالسائل فأُخرج من المسجد حتى لا يفتن الناس في عقيدتهم.

 

عبـاد الله: ومن الواجب تجاه صفات الله ومن الإيمان بها أن تقودنا إلى تعظيم الله جل جلاله, والعبرة من ذكرها هو أن نعظم ربنا تعالى وتمتلئ قلوبنا من خشيته وعظمته وينعكس ذلك علي أعمالنا وأحوالنا, فتكون كما يرضى هذا الرب الجليل العظيم سبحانه وتعالى ونحذر من أن نعصيه ونخالف أمره أو أن نرتكب نهيه جل وعلا, لأن في ذلك التعرض لعقابه وعذابه وسخطه ومن يقوى علي غضب الله وسخطه؟!

 

وتأملوا معي -أيها الإخوة الكرام- لنزداد وإياكم إيمانا وخشية وتعظيما لله رب العاملين, يقول الله تعالى: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) [الحاقة: 17] وقد علمنا ما هو العرش؟ وكم هي عظمة العرش؟ يوم القيامة اليوم العصيب الرهيب يحمل عرش الرحمن ثمانية من ملائكة الرحمن سبحانه وتعالى, وقيل ثمانية صفوف من الملائكة والأول أصح, فكم هي – أيضا – عظمة هؤلاء الملائكة الذين يحملون عرش الرحمن ؟! اسمعوا معي الرسول الهادي صلي الله عليه وسلم يحدثنا عن بعضهم فيقول: " أُذِنَ لي أنْ أحدثَ عن مَلَكٍ من حملةِ العرشِ رجلاه في الأرضِ السابعةِ السفلى, على قرنِهِ العرشُ ومن شَحمة أُذُنه إلى عاتقِهِ خفقان الطيرِ مسيرة مائةِ عامٍ, يقول ذلك الملك: سبحانك حيث كنت" وفي الحديث الصحيح الآخر يقول النبي صلى الله عليه و سلم: " أذِنَ لى أنْ أُحَدِّثَ عن مَلَكٍ من ملائكَةِ اللَّهِ من حَمَلَةِ العرْشِ مَا بينَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى عَاتِقِهِ : مَسِيرةُ سَبْعِمَائةِ عَامٍ "

 

فتباركت يا ربنا ما أعظمك وما أكبرك؟ وما أجلك وما أحلمك على من عصاك لا اله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين ما قدرناك حق قدرنا وما عبدناك حق عبادك.

 

 فاللهم لا تخيب رجاءنا فيك اللهم وأملأ قلوبنا إيمانا بك وإجلالك وخوفاً وخشيه منك اللهم وفقنا لما تحب وترضي واعصمنا من الشيطان والهوى وخذ بنواصينا للبر والتقوى فان أقدامنا وأجسادنا علي عذابك ونارك لا تقوي اللهم عاملنا بما أنت أهله ولا تعاملنا بما نحن أهله فأنت أهل التقوى وأهل المغفرة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ * يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة: 13 - 18].

 

 

 

المرفقات

آية في كتاب الله تعالى

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات