أعطوا الطريق حقه

عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر

2020-12-10 - 1442/04/25
عناصر الخطبة
1/حفظ الإسلام لمصالح العباد وحقوقهم 2/حقوق الطريق كما في الأحاديث النبوية 3/قاعدة: "أَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ" وبعض الصور المخلة بالطريق 4/من هدي النبي -عليه الصلاة والسلام- في حفظِ حقِّ الطريق

اقتباس

عباد الله: إِنَّ مِنْ نِعَم اللهِ عَلَيْنَا العظيمةِ في هذه الشريعةِ الغرّاءِ، والدِّينِ الحَنيفِ المباركِ: أنْ جعل هذا الدِّين محافظاً على مصالح العباد، حافظاً لحقوقِهم، فالمسلمُ في كَنَفِ هذا الِّدين يَسْعَد بحياتِه، ويَهْنَأُ بعيشِهِ إذا حقَّقَ هو وحقق إخوانه المسلمين تعاليمَ الإسلامِ وتوجيهاتِه المُباركة، فدينُنا -عباد الله- دينُ حفظِ الحقوقِ، ومراعاةِ المصالح. وإلى مثَلٍ عظيم وأنموذجٍ رائع من حفظ الإسلام للحقوق.

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَن يهده الله فلا مضلّ له، ومَن يُضلل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وصَفيُّه وخليلُه، وأمينُه على وَحْيِهِ، ومُبلِّغُ الناسِ شرعَه، ما ترك خيرًا إلا دلَّ الأمةَ عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرها منه، فصلواتُ اللهِ وسَلامُه عليه وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.

 

أما بعد: معاشر المؤمنين -عباد الله-: اتقوا اللهَ -تعالى-؛ فإنَّ مَن اتقى اللهَ وَقاهُ، وأَرْشَدَه إلى خيرِ أُمورِ دينِهِ ودُنياهُ. وتقوى اللهِ -جلَّ وعلا-: عملٌ بطاعةِ اللهِ على نورٍ من اللهِ رجاءَ ثوابِ اللهِ، وترْكٌ لمعصية اللهِ على نورٍ من اللهِ خيفةَ عذابِ اللهِ.

 

عباد الله: إِنَّ مِنْ نِعَم اللهِ عَلَيْنَا العظيمةِ في هذه الشريعةِ الغرّاءِ، والدِّينِ الحَنيفِ المباركِ: أنْ جعل هذا الدِّين محافظاً على مصالح العباد، حافظاً لحقوقِهم، فالمسلمُ في كَنَفِ هذا الِّدين يَسْعَد بحياتِه، ويَهْنَأُ بعيشِهِ إذا حقَّقَ هو وحقق إخوانه المسلمين تعاليمَ الإسلامِ وتوجيهاتِه المُباركة، فدينُنا -عباد الله- دينُ حفظِ الحقوقِ، ومراعاةِ المصالح.

 

 

عباد الله: وإلى مثَلٍ عظيم وأنموذجٍ رائع من حفظ الإسلام للحقوق، جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيدٍ الخُدْريِّ -رضي الله عنه- أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قال: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ" قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ" قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: "غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الْأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ".

 

عباد الله: وهذه الخمسُ التي ذكرها النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- ليست هي كل حقوق الطريق، بل حقوقُ الطَّريقِ كثيرةٌ، وهذه أمثلةٌ عليها، ولهذا جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه في بعض روايات الحديث الأخرى ذِكراً لخصال عديدةٍ من حقوقِ الطَّريقِ، كهداية الحيران، ونُصْرَةِ المظلومِ، وهداية الضَّالِّ، وإغاثة الملهوف، وغير ذلك من الخصالِ العظيمةِ الواردةِ عنه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه.

 

عباد الله: وقولُه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في هذا الحديثِ: "أَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ" يُقرِّر بذلك قاعدةً متينة، وأَصْلاً عظيمًا في حفظِ الحقوقِ، ثم ضرب على ذلك بعض الأمثلة.

 

عباد الله: ولو راعى كلُّ من سار في الطريق هذا التوجيه النبوي والهَدْيَ المباركِ لصلُحت حال المسلمين.

 

"أَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ" قاعدة ثمينة يجب علينا جميعًا -عباد الله- أن نُطبقها في حياتنا، وأن نفعِّلها في تعاملاتنا، وأنْ نرعايها في كلِّ مرةٍ نخرجُ فيها من بيتنا، كان عليه الصلاة والسلام في كلِّ مرَّةٍ يخرجُ فيها من بيته يقول: "اللَّهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلُّ، أَوْ أَزلَّ أَوْ أُزَلُّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمُ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ".

 

وكلُّ ذلكم -عباد الله- تأكيدٌ لهذا المقام وتحقيقٌ لهذا المرام.

 

"أَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ" قاعدةٌ عظيمةٌ -عباد الله- ما أحوجنا جميعاً لتحقيها وما أحوجنا إلى تفعيلها في حياتنا؛ لِنسلَمَ ولِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنَّا.

 

نعم -عباد الله- إنَّها حقوق متبادلة لِنسلَمَ ولِيَسْلَمَ النَّاسُ مِنَّا، كان بعض السلف يقول: "اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي وَسَلِّمْ مِنِّي".

 

نعم -عباد الله- يجب علينا أنْ نُفَعِّلَ هذا الأمرَ العظيمَ "أَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ" لتتحقق لنا عيشةٌ هنيئةٌ وحياةٌ سعيدةٌ ومعاملةٌ كريمةٌ.

 

عباد الله: إذا رأينا في واقع كثيرٍ من الناس نجد أن من المؤسف في التعامل تضيع الحقوق وتُهدر الواجبات، لماذا يشرب أحدهم علبة العصير أو يتناول بعض الطعام ثم يلقيها بغير مبالاة في قارعة الطريق وفي وسطه؟! أليس الذي يمر بها والده وأخاه؟! أليس الذي يمر بهذا الطريق جاره؟! أليس الذي يمر به أخوه المسلم؟! فأين حق الطريق؟ وأين حقوق المسلمين؟!

 

ومن يلقي زبالته وقمامته في قارعة الطريق غير مبالٍ بحقوقها فأين تطبيقه لهذه القاعدة العظيمة؟!

 

ثم -عباد الله- تلك التعاملات المؤسفة التي نراها من بعض الناس في سيارتهم عندما يسيرون في الطرقات يتعاملون معاملة كلها أذية ليس فيها مراعاةٌ للحقوق؛ أصواتٌ مزعجة وتهوُّرٌ واندفاع وطيشٌ وعدم مراعاة لأرواح الناس وممتلكاتهم، بل إن بعض الشباب يمشي في سيارته في طرقات المسلمين لاهياً مندفعاً لاعباً متهوراً غير مراعٍ للحقوق.

 

وهناك -عباد الله- كم من أرواحٍ تُهدر وكم من ممتلكات تُتلف جراء تلك التصرفات المشينة.

 

عباد الله: ومن يبني عمارته ولا يبالي بوضع الحديد والأتربة، ونحو ذلك من متطلبات البناء؛ غير مراعٍ لحقوق المارة يتوسع يمنة ويسرة عن غير حاجة ماسة، ولا ضرورة ملحَّة؛ غير مبالٍ بحقوق غيره.

 

هذه -عباد الله- أمثلةٌ ترشد إلى غيرها وتدل على ما سواها، والواجب على المسلم أن يتقي الله ربه وأن يرعى لإخوانه المسلمين حقوقهم وأن يحفظ للطريق حقه.

 

اللهم أعنا على هداك وأصلح لنا شأننا كله، ووفقنا لكل خير يا ذا الجلالِ والإكرامِ.

 

أقول هذا القولَ، واستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كلِّ ذنبٍ فاستغفروه يغفرْ لكم إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ عظيمِ الإحسان، واسعِ الفضلِ والجودِ والامتنان، وأَشْهَدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريك له، وأَشْهَدُ أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى اللهُ وسلَّم عليه وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.

 

عباد الله: مثالٌ رائع من هدي نبيّنا -عليه الصلاة والسلام- في حفظِ حقِّ الطريق ومراعاة حرمة النفس والعباد، لما خرج عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من عرفة متجهاً إلى مزدلفة والجموع الغفيرة معه كان عليه الصلاة والسلام يشد خطام ناقته إلى رحله لتسير سيراً هادئاً، ويقول للناس: "أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ".

 

كل ذلكم -عباد الله- حتى لا يؤدي تدافع الناس في الطرقات إلى أي نوع من الضرر لا في الأرواح ولا في الممتلكات.

 

وعندما تزدحم الطرقات بالسيارات وفي ذلكم الموضع يسير بعضهم غير مبالٍ بالممتلكات والأرواح كم من الأذى يترتب على ذلك والضرر؟!

ولهذا فالواجب علينا جميعًا أنْ نتقي اللهَ -عزَّ وجلَّ- ربنا، وأنْ نُحقِّقَ قولَ نَبيِّنا -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ-: "أَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ".

 

وصلُّوا وسلِّموا -رعاكم الله- على محمدٍ بن عبدِ اللهِ كما أمرَكم اللهُ بذلك في كتابِهِ، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)[الأحزاب: ٥٦]، وقال صلى الله عليه وسلم: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا".

 

اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما صليت على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيد، وبارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركت على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ إنك حميدٌ مجيد . وارضَ اللهمَّ عن الخلفاءِ الراشدين الأئمةِ المهديين أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ وعليٍّ، وارضَ اللهمَّ عن الصحابةِ أجمعين، وعن التابعين ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين، وعنَّا معهم بمنِّك وكرمِك وإحسانِك يا أكرمَ الأكرمين.

 

اللهمَّ أعزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذلَّ الشِّركَ والمشركين، ودمِّر أعداءَ الدينِ، واحمِ حوزةَ الدينِ يا ربَّ العالمين، اللهمَّ آمِنَّا في أَوطانِنا، وأَصلِح أَئِمَتَنا وَوُلاةَ أَمورِنا، اللهمَّ وفِّقْ وليَّ أمرِنا لِهُداك، واجْعل عملَه في رضاك، اللهمَّ وأَعِنْه على طاعتِك يا ذا الجلالِ والإكرامِ. اللهمَّ وفِّق جميعَ ولاةِ أمرِ المسلمين لكل قولٍ سديد وعملٍ رشيد.

 

اللهمَّ آتِ نفوسَنا تقواها، زكِّها أنت خيرُ مَنْ زكَّاها أنت وليُّها ومولاها، اللهمَّ أَصلِحْ ذاتَ بينِنا، وألِّفْ بين قلوبِنا، واهدِنا سُبُلَ السلامِ، وأَخرِجْنا من الظلماتِ إلى النُّورِ، وبارك لنا في أسماعِنا وأبصارِنا وأزواجِنا وذرَيَّاتِنا وأموالِنا وأوقاتِنا واجعلنا مُبارَكين أينما كنَّا. اللهمَّ وأصلِحْ لنا شأننا كلَّه ولا تكِلْنا إلى أنْفُسِنا طَرْفَةَ عَينٍ، اللهمَّ اغفر لنا ذنوبَنا واجعل عملَنا في رضاك، ووفقنا لطاعتك يا ذا الجلالِ والإكرامِ.

 

ربَّنا إنَّا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وإنْ لم تغفرْ لنا وترحمْنا لنكوننَّ من الخاسرين.

 

اللهمَّ اغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات الأحياءِ منهم والأمواتِ.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة: 201].

 

عباد الله: اذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].

المرفقات

أعطوا الطريق حقه

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات