أعداء الأمس أصدقاء اليوم (الحوار اليمني أنموذجا)

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2013-12-01 - 1435/01/28
التصنيفات: الأحداث العامة
عناصر الخطبة
1/ اليمن بعد الثورة ومؤتمر الحوار 2/القوى الدولية ودورها في توجيه المتحاورين 3/ لماذا يتفق المتحاورون على بعض القضايا دون بعض 4/اتفاقهم على استبعاد حكم الشريعة 5/اتفاقهم على تقسيم البلد بصيغ حكم مختلفة   6/المتحاورون لأجل المصالح الضيقة 7/الاجتماع على الباطل لا يثمر

اقتباس

في أروقة المؤتمر الوطني يجتمعون على كثير من القضايا الهامة وغير الهامة, مما يدل على أن القوم قد رسمت لهم ملامح الطريق، وعُلِّموا من قبل على ماذا يتفقون وعلى ماذا يختلفون؟ فاتفقوا على بعض القضايا التي تخالف الدين وتناقض الشريعة، وخاصة في مجال الحقوق والحريات وتحكيم الدين... واختلفوا في القضايا الجوهرية التي من شأنها أن تحفظ للبلد كرامته وقوته...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي أمر بالحوار ودعا إليه، وحذر من التنازع والاختلاف وبيّن العواقب المترتبة عليه، ورغب في الإذعان للحق والانقياد، وزجر عن الإصرار على الباطل والعناد، والصلاة والسلام على من أرسى أسس الحوار، وعمق معنى التسامح و الإعذار، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما تعاقب الليل والنهار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الواحد القهار، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى المختار.

 

أما بعد:

 

عباد الله: بدأ مؤتمر الحوار اليمني بعد قيام ما يسمى بثورات الربيع العربي الذي شمل عدداً من الدول العربية ومنها اليمن, حيث انتهت فيها الأمور بحل توافقي رعته المبادرة الخليجية تحت إشراف سفراء الدول الغربية، والذي تمخض عنها عقد ما يسمى بمؤتمر الحوار الوطني لمناقشة  قضايا مفصلية في الشأن العام اليمني وقد استمر عدة أشهر.

 

العجيب والغريب -يا عباد الله- في هذا الحوار هو الاتفاق الذي يتم غالباً بين فصائل سياسية متناحرة يعادي بعضها بعضاً منذ زمن طويل، ولم يتفقوا يوماً من الأيام، ولكنهم في قاعة الحوار يتفقون، وفي أروقة المؤتمر الوطني يجتمعون على كثير من القضايا الهامة وغير الهامة.

 

مما يدل على أن القوم قد رسمت لهم ملامح الطريق، وعُلِّموا من قبل على ماذا يتفقون وعلى ماذا يختلفون؟ فاتفقوا على بعض القضايا التي تخالف الدين وتناقض الشريعة، وخاصة في مجال الحقوق والحريات وتحكيم الدين... واختلفوا في القضايا الجوهرية التي من شأنها أن تحفظ للبلد كرامته وقوته، وتزيل العقبات والمشكلات الموجودة بداخله.

 

لقد اتفق معظمهم على استبعاد خيار تحكيم الشريعة الربانية، ورفضوا مبدأ الحكم بما أنزل الله، وحاولوا أن يثبتوا للدول الغربية أنهم ضد هذا الأمر جملة وتفصيلاً، وأنهم لا يريدون للبلد أن تحكم بشرع الله ودينه.

 

وهذه والله هي القاصمة، وهي الشر كله، وهي البلاء بعينه، الذي يدل على أن البلد لن تسير مستقبلاً إلا في طريق أظلم وأرذل من ذي قبل، وهذا ما رآه الناس منذ توقيع هذه المبادرة المشؤمة، التي نتجت عنها إفرازات خطيرة ساهمت في علمنة البلد وتغريبها، وفرض الوصاية الأجنبية عليها، وزيادة التدخلات الخارجية في شئونها الداخلية والخارجية بل والتبعية للغرب في قرارتها وسياساتها ومواقفها، والله المستعان.

 

وصدق الله -تبارك وتعالى- إذ يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) [آل عمران 149: 150]. فالله تبارك وتعالى ينهى المسلمين في هذه الآية ويحذرهم من طاعة الكفار الجاحدين لدين الله، المعاندين لشرعه، المتنكرين لحكمه، ويخبر أن المسلمين إذا أطاعوهم أو رضوا بمنهجهم أو قبلوا بأمرهم ونهيهم فإنهم في النهاية سيحملونهم على الكفر بعد الإيمان، والردة عن الإسلام، والكفر بالله وآياته ورسوله -عليه الصلاة والسلام-.

 

ولن يجنوا من ورائهم إلا البوار والخسران، والفشل والحرمان، والضلال والطغيان، الذي يترتب عليه خسارة الدنيا والآخرة. ثم يبين لهم أن الله هو وحده من يجب عليهم أن يعتصموا به، ويلتفوا حول منهجه، ويحكّموا شريعته، إذ لا أحد غيره يقدر على نصرهم وتأييدهم إلا هو وحده -جل جلاله وعز كماله- (بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ).

 

هل تتذكرون عندما صوت فريق بناء الدولة في مؤتمر الحوار حول ‏مصدر التشريع بما ‏نسبته 84% مؤيدين لأن تكون الشريعة الإسلامية ‏المصدر الرئيسي للتشريع، و16% مع أن ‏تكون الشريعة الإسلامية ‏المصدر الوحيد في التشريع، وانتقد العلماء هذه الخطوة، فثار ‏‏هؤلاء جميعاً، وملأوا الدنيا ضجيجا، وقاموا بوقفات احتجاجية، وأصدروا ‏البيانات المنددة والمتوعدة، ‏وتوقفوا عن حضور الجلسات احتجاجا ‏على نقد العلماء واعتراضهم على هذه الخطوة ‏الصارمة؟!!‏ فما لهم كيف يحكمون؟.

 

من القضايا المشينة التي يكاد يجتمع عليها هؤلاء الفرقاء السياسيون بين أروقة مؤتمر الحوار الوطني في اليمن؛ السعي المشترك نحو تفتيت اليمن وتقطيع أوصاله، وذهاب قوته وهدّ لحمته، عبر مشاريع هدامة، وأفكار متناقضة، مرة باسم الفدرالية من إقليمين، ومرة باسم دولة اتحادية من عدة أقاليم، ومرة باسم فك الارتباط وتقرير المصير، أو البقاء على الوحدة القائمة بوضعها المرير.

 

ورغم هذه الرؤى المختلفة والصيغ المتناقضة إلا أنهم في النهاية لم يتفقوا على صيغة معينة أو خيار واحد من هذه الصيغ والخيارات، والسبب في ذلك واضح جداً، فكل فريق يسعى إلى تحقيق النظام الذي يرى من خلاله أنه الأصلح لحزبه أو لقومه، ولا يهمه مصلحة البلاد كلها بشكل عام، وإلا فلوا أرادوا فعلاً مصلحة البلاد والعباد فإن مصلحتهم تكمن في تحكيم دين الله وإقامة شرعه، إذا لن تصلح الأمور، ولن يحدث الاجتماع بين الفصائل كلها إلا تحت منهج الله ودينه.

 

أما المناهج الأخرى والأطروحات المختلفة مهما سموها فإنها لن تحقق للشعب الاجتماع والائتلاف أبداً، يقول الله -سبحانه وتعالى- مبيناً أن المسلمين لا يمكن لهم أن يجتمعوا إلا حول دينه ونهجه، (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال : 63]، وقال: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [آل عمران : 103].

 

لم يصبحوا إخواناً متحابين مجتمعين إلا بنعمة الله، أي بدينه ومنهجه، لا بالمناهج المستوردة والتشريعات الخارجة عن دين الإسلام ومنهجه القويم، وصراطه المستقيم.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، واستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

أما بعد:

 

أيها الناس: إن المتابع لهذا الحوار وحلقاته ليرى أنه أشبه بصراع يدور، أو حلقات من مسلسل طويل الحلقات، هذه الحلقات تحكي مغامرات ومهاترات تنبئ عن صراع مرير، وأحقاد دفينة لا يمكن لأصحابها أن يتركوها أو يتخلوا عنها، لأن الرائي يرى أن هذه التحالفات والاتفاقات بين هؤلاء الفرقاء لا تتم غالباً إلا في إطار المصلحة الحزبية الضيقة، أو تحت سياط الأوامر الخارجية.

 

فالحوثيون يريدون حلاً لقضية صعدة يوافق أهوائهم، ويلبي رغباتهم، ويحقق طموحاتهم، ويجنوا من ورائه أعلى المكاسب التي تهم فريقهم وجماعتهم.

 

والحراكيون يريدون حلاً للقضية الجنوبية يلبي ما يطمحون إليه، مع أن الشارع في الجنوب رافضاً لدخولهم في الحوار من الأساس، ويتكلمون باسم القضية الجنوبية من منظار هم مقتنعون به، يخالفهم فيه كثير من المكونات والفصائل الأخرى في جنوب اليمن.

 

وأصحاب حزب الإصلاح والمؤتمر وغيرهم كل منهم يسعى عبر الحوار إلى تحقيق أعلى مكسب للحزب، وتحقيق أكبر مصلحة للجماعة، حتى يخرجوا من الحوار بفوائد يشعرون أنهم كسبوها منه.

 

فإذا أحس فريق منهم أن الرياح تأتي بغير ما يشتهي، أو أن الأمور تسير على عكس ما يريد قام وقاطع وانسحب، أو علق مشاركته في الحوار كله، بل ربما طلب من أصحابه أن يقتحموا منصة رئاسة الحوار، ويعطلوا الجلسات، ويغادروا القاعة،  إلخ المضحكات التي تجري هناك...

 

وكم سمعتم من خبر يقول: أعلن ممثلو الحراك الجنوبي وجماعة الحوثيين، أو ممثلو حزب المؤتمر في مؤتمر الحوار الوطني تعليق مشاركتهم في الجلسة كذا، مطالبين بكذا وكذا، وأصدروا بياناً مشتركاً ينص على كذا وكذا.

 

وكثيراً ما يتكرر في وسائل الإعلام خبراً مفاده أنه تم إلغاء الجلسة الفلانية من سلسلة جلسات الحوار الوطني اليمني؛ بسبب مقاطعة ممثلي الحوثيين والحراك الجنوبي، أو المؤتمر والإصلاح، أو غيرهم، واعتصامهم في قاعة الحوار ومقاطعتهم للجلسة.

 

إن كل فريق منهم يريد دولة قد رسم ملامحها، وصور في تفكيره شكلها، ويسعى سعياً حثيثاً من خلال مؤتمر الحوار أن يقيمها، أو على الأقل يحقق ما يمكن تحقيقه منها، ولن يكون هذا في نظرهم إلا بهذه التحالفات بين أعداء الأمس ليصبحوا حلفاء اليوم.

 

وهذا هو سر الاتفاق والتحالف الذي يتم بين الفصائل المتصارعة في الحوار اليمني، فيركب كل فريق الآخر، ويحاول أن يتقرب منه، ويتفق معه فيما يرى أنه يحقق به مكاسبه من خلاله.

 

ولهذا اتفق الحوثيون مع المؤتمر في بعض القضايا، واتفق الجنوبيون مع الحوثيين في بعض القضايا، واتفق الإصلاح مع المؤتمر في بعض القضايا التي يرى كل فريق من منظاره الخاص أنها تحقق هدفه، وتخدم مصلحة حزبه، والله المستعان.

 

ولكن في النهاية ستفشل كل هذه التحالفات، وستسقط كل هذه الاتفاقات، لأنها قامت على أساس المصالح الضيقة والأطر الحزبية الخاصة، وليس على أساس مصلحة الشعب والأمة.

 

وأنى لفريق يفكر بعقلية طائفية فارسية مجوسية أن يتفق مع فريق آخر يفكر بعقلية اشتراكية شيوعية، ويريد أن يقيم نظاماً قد مضى عهده وانقرض، مهما ادعى أصحابه أنهم سيقيمونه بشكل عصري مختلف عن النظام الاشتراكي السابق فإن ما بني على باطل فهو باطل.

 

وأنى لحزب علماني ديمقراطي يعادي الدين وأهله، ويكره الملتزمين بشرائع الإسلام وأحكامه، أن يتفق مع حزب آخر يرفع شعار الإسلام، ويدعي أنه يسعى في النهاية إلى إحياء الدين بطريقة خاصة، عبر أطر خاصة هو مقتنع بها، كالانتخابات والديمقراطية ونحوها.

 

على كل حال يجب أن نعلم أن هذه الاتفاقات التي تتم بين هؤلاء الخصوم في أروقة مؤتمر الحوار الوطني في اليمن لا تأتي في الغالب إلا في إطار الاتفاقيات المخالفة للدين، كاتفاقهم على رفض أن تكون الشريعة الإسلامية هي مصدر جميع التشريعات، أو الاتفاقيات المناقضة لمصلحة البلد التي تسعى إلى تمزيقه وتفتيته وشتات أهله.

 

نسأل الله أن يصلح أحوالنا، ويوفق من أراد البلاد والعباد بخير إلى كل خير، ومن أراد اليمن وأهلها بسوء أن يرد كيد غلى نحره، ويجعله في حيرة من أمره، فالله (لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس : 81].

 

صلوا وسلموا وأكثروا من الصلاة والسلام على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه فقال عز من قائل كريم: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب : 56]، اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

 

 

المرفقات

الأمس أصدقاء اليوم (الحوار اليمني أنموذجا)

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات