أصحاب رسول الله فضائل وحقوق

الشيخ أ.د عبدالله بن محمد الطيار

2022-02-11 - 1443/07/10 2022-10-09 - 1444/03/13
عناصر الخطبة
1/ثناء الله على أصحاب رسوله 2/عقيدة أهل السنة في الصحابة 3/من فضائلهم رضي الله عنهم 4/من أقوال السَّلف في فضل الصَّحابة 5/واجبنا تجاه الصحابة

اقتباس

عليكم بقراءةِ سيرتِهم العطرةِ، وأخبارِهم الحاضرةِ، وآثارِهم الباقيةِ، وعلِّموهَا لأولادِكم، ونَشَّئوهُم على حبِّها واتِّباعِها، والاقتداءِ بهم؛ ففي سيرتِهم الخيرُ العظيمُ، وهي طريقُ النجاةِ لمن أرادَ اللهُ به الخيرَ في عاجلِ أمرِه وآجلِه...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

إنّ الحمدَ للهِ، نحمدُهُ ونستعينُهُ ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ منْ شُرورِ أنفسِنَا ومِنْ سَيّئَاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلَا مُضِلّ لَهُ، ومنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أن لا إِلَهَ إِلّا اللهُ وحدهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنّ محمدًا عبدهُ ورسولُه، صلّى اللهُ عليهِ وآلهِ وصحبِهِ وسلّم تسليمًا كثيرًا.

 

أمّا بعدُ: فاتّقُوا اللهَ -أَيُّهَا المؤمنونَ-؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُون)[آل عمران:102].

 

أيُّها المؤمنونَ: تواترتْ نصوصُ الكتابِ والسنةِ في بيانِ فضلِ الصحابةِ الكرامِ -رضي اللهُ عنهم وأرضاهم-، واشتَمَلتْ على الثناءِ عليهم، ومدْحِهم، وذِكْرهِم بأحسنِ المكارمِ والأخلاقِ، ووعْدِ اللهِ لهم بالرضَا والرضوانِ ودُخولِ الجنانِ, ومن ذلك قولُه -تعالى-: (الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)[آل عمران: 172ـ173]، وقولُه -تعالى-: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[التوبة: 100]، وقوله -تعالى-: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)[الفتح: 29].

 

عباد الله: ومِنْ عقيدةِ أهْلِ السُّنَّةِ والجماعةِ وجوبُ محبَّةِ أصحابِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-, وتعظيمِهم وتوقيرهِم وتكريمهِم؛ لما شَرَّفَهم اللهُ به من صُحبةِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-, والجهادِ معه لنصرةِ دينِ الإسلامِ، وصبرهِم على أذى المشركين والمنافقين، والهجرةِ عن أوطانِهم وأموالِهم, وتقديمِ حُبِّ اللهِ ورسولِه -صلى الله عليه وسلم- على ذلكَ كلِّه, قالَ الطحاويُّ -رحمه اللهُ-: "ونحبُّ أصحابَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ولا نُفرِّطُ في حُبِّ واحدٍ منهم، ولا نتبرأُ من أحدٍ منهم، ونبغضُ من يُبغضُهم وبغيرِ الخيرِ يذْكُرهم، ولا نذكُرُهم إلا بخيرٍ، وحبُّهم دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبُغضُهم كفرٌ ونفاقٌ وطغيانٌ"(شرح العقيدة الطحاوية).

 

فأهلُ السُّنَّة والجماعةِ يُحِبُّون أصحابَ النبيٍّ -صلى الله عليه وسلم-, ويفضِّلونَهم على جميعِ الخلقِ بعدَ الأنبياءِ؛ لأنَّ محبَّتَهم من محبةِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ومحبةُ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- من محبةِ اللهِ، وهم يُثنونَ على الصحابةِ، ويتَرَضَّون عنهم، ويستغفرونَ لهم؛ لأنَّهم خيرُ القرونِ قال -صلى الله عليه وسلم-: "خيرُ النَّاسِ قرْني، ثمَّ الذينَ يلونَهم، ثمَّ الذينَ يَلونَهم"(رواه البخاري ومسلم).

 

وهم الواسطةُ بين رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وبينَ أمَّته؛ فعن طريقِهم تلقَّت الأمةُ الشريعةَ، وعلى أيديهمْ تَمَّتْ الفتوحاتُ الواسعةُ العظيمةُ، وهم الذينَ نشَروا الفضائلَ بينَ هذه الأمةِ؛ من الصِّدْقِ والنُّصْحِ والأخلاقِ والآدابِ التي لا توجدُ عندَ غيرهِم، قال -تعالى-: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)[الفتح: 18]، وفي الصحيحَيْن عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّه قال: "لا تسبُّوا أصحابي؛ فلوا أنَّ أحدَكم أنْفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا، ما بلغَ مُدَّ أحدهِم ولا نَصِيْفَه"(رواه البخاري ومسلم).

 

عبادَ اللهِ: ومن فضائلِهم رضي اللهُ عنهم ما وَرَدَ عَنْ أبي موسى الأشعريِّ -رضي اللهُ عنه- قَالَ: صَلَّيْنَا المَغْرِبَ مع رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، ثُمَّ قُلْنَا: لو جَلَسْنَا حتَّى نُصَلِّيَ معهُ العِشَاءَ, قالَ: فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقالَ: "ما زِلْتُمْ هَاهُنَا؟!", قُلْنَا: يا رَسُولَ اللهِ! صَلَّيْنَا معكَ المَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حتَّى نُصَلِّيَ معكَ العِشَاءَ، قالَ: "أَحْسَنْتُمْ، أَوْ أَصَبْتُمْ", قالَ: فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّمَاءِ، وَكانَ كَثِيرًا ممَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلى السَّمَاءِ، فَقالَ: "النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ ما تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي ما يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتي ما يُوعَدُونَ"(رواه مسلم).

 

ومن فضائلِهم: قولُه -صلى الله عليه وسلم-: "يَأْتي علَى النَّاسِ زَمانٌ، يَغْزُو فِئامٌ مِنَ النَّاسِ، فيُقالُ لهمْ: فِيكُمْ مَن رَأَى رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، فيُفْتَحُ لهمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئامٌ مِنَ النَّاسِ، فيُقالُ لهمْ: فِيكُمْ مَن رَأَى مَن صَحِبَ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ فيَقولونَ: نَعَمْ، فيُفْتَحُ لهمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئامٌ مِنَ النَّاسِ، فيُقالُ لهمْ: هلْ فِيكُمْ مَن رَأَى مَن صَحِبَ مَن صَحِبَ رَسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؟ فيَقولونَ: نَعَمْ فيُفْتَحُ لهمْ"(رواه مسلم)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "خَيْرُ أُمَّتي قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ"(رواه البخاري)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يَدْخُلُ النَّارَ، -إنْ شاءَ اللَّهُ- مِن أصْحابِ الشَّجَرَةِ أحَدٌ"(رواه مسلم).

 

أيُّها المؤمنونَ: وممَّا وَرَدَ من أقوالِ السَّلفِ في فضائلِ الصَّحابةِ -رضي اللهُ عنهم:-

قولُ الحسنِ -رحمهُ الله-: " إنَّ أصحابَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- كانُوا أكياسًا، عَمِلُوا صالِحًا، وأَكَلُوا طيبًا، وقدَّموا فضلاً، لَم يُنافِسُوا أهلَ الدنيَا في دنيَاهُم، ولم يَجْزعُوا من ذلِّها، أَخَذُوا صفْوهَا، وتَرَكوا كَدَرهَا، واللهِ ما تعاظمتْ في أنفسِهم حسنةٌ عَمِلُوها، ولا تَصاغرتْ في أنفسِهم سيئةٌ أَمرَهَم الشيطانُ بها"(رواه البيهقي في شعب الإيمان).

 

وقالَ الشافعيُّ -رحمه اللهُ-: "أثنى اللهُ -تباركَ وتعالى- على أصحابِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- في القرآنِ والتَّوراةِ والإنجيلِ، وَسَبقَ لهم على لسانِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- من الفضائلِ ما ليسَ لأحدٍ بَعْدَهم، فرحمَهم اللهُ، وهنَّأهم بما آتاهُم من ذلكَ ببلوغِ أعلى منازلِ الصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ"(مناقب الشافعي للبيهقي).

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم)[التوبة:100].

 

باركَ اللهُ لي ولكمْ في القرآنِ العظيمِ, ونفعني وإيَّاكم بما فيهِ من الآياتِ والعظاتِ والذِّكرِ الحكيمِ، فاسْتَغفروا اللهَ إنَّه هو الغفورُ الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ على فضلِه وإحسانِه، والشكرُ لهُ على جودِه وإنعامِه وإكرامِه، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ تعظيمًا لشأنِه، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه خيرُ رسلِه وأنبيائِه، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلهِ وصحبِه, ومن سارَ على نهجِه وسَلكَ سبيلَه إلى يومِ الدينِ.

 

أما بعدُ:  فاتَّقوا اللهَ -عبادَ اللهِ-، واعلموا أنَّ تَّقواه طريقُ النَّجاحِ والفلاحِ في الدنيَا والآخرةِ.

 

أيُّها المؤمنونَ: ومن أقوالِ السلفِ في الصحابةِ -رضّي اللهُ عنهم- أيضًا:

قولُ ابنِ أبي حاتم -رحمه اللهُ-: " أمَّا أصحابُ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فهم الذينَ شَهِدُوا الوحيَ والتنزيلَ، وعَرَفوا التَّفسيرَ والتَّأويلَ، وهم الذين اختارَهم اللهُ -عزَّ وجلَّ- لصحبةِ نبيِّهِ -صلى الله عليه وسلم- ونُصْرتِه، وإقامةِ دينهِ، وإظهارِ حقِّهِ، فرضيَهم له صحابةً، وجَعَلَهم لنا أعلامًا وقدوةً, فَحَفِظُوا عنه -صلى الله عليه وسلم- ما بلَّغهم عن اللهِ -عزَّ وجلَّ- وما سنَّ وشَرَعَ، وحَكَمَ وقَضَى، ونَدَبَ وَأَمرَ، ونَهَى"(الموسوعة العقدية).

 

وما رواهُ الإمامُ أحمدُ في فضائلِ الصحابةِ عنِ ابنِ عمرَ -رضّي اللهُ عنهما- أنَّه قالَ: "لا تَسبُّوا أصحابَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-؛ فلمقامُ أحدِهم ساعةً خيرٌ من عبادةِ أحدِكم أربعينَ سنةً"(رواه أحمد في فضائل الصحابة, وقال محققه: إسناده صحيح)، فلا يجوزُ لأحدٍ كائنًا مَنْ كانَ أَنْ ينتقصَ من أصحابِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، ولا يسبَّهم ولا يَبْخسَ حقَّهم، ولا يتَّخذَهم هدفًا يُرمى بقبيحِ الكلامِ، كما تفعلُ بعضُ الفرقِ الضَّالةِ البعيدةِ عن منهجِ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ.

 

عبادَ اللهِ: عليكم بقراءةِ سيرتِهم العطرةِ، وأخبارِهم الحاضرةِ، وآثارِهم الباقيةِ، وعلِّموهَا لأولادِكم، ونَشَّئوهُم على حبِّها واتِّباعِها، والاقتداءِ بهم؛ ففي سيرتِهم الخيرُ العظيمُ، وهي طريقُ النجاةِ لمن أرادَ اللهُ به الخيرَ في عاجلِ أمرِه وآجلِه، فهم القدوةُ والأسوةُ لنَا بعدَ نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم-.

 

هذا وصلُّوا وسلِّموا على الحبيبِ المصطفَى والقدوةِ المجتبى؛ فَقَد أمَرَكُم اللهُ بذلكَ, فقالَ -جلَّ وعلا-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

المرفقات

أصحاب رسول الله فضائل وحقوق.pdf

أصحاب رسول الله فضائل وحقوق.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات