أسس اختيار شريك الحياة

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2021-02-04 - 1442/06/22
عناصر الخطبة
1/أساس الدين 2/أساس الخلق الحسن 3/صلاح الأسرة والنسب والعاقلة 4/التفاهم والقبول 5/العلم والثقافة.

اقتباس

إِنَّ الْأَسَاسَ الثَّانِيَ مِنْ أُسُسِ اخْتِيَارِ شَرِيكِ الْحَيَاةِ هُوَ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ السَّابِقُ قَدْ قَدَّمَ الدِّينَ عَلَى الْخُلُقِ فَقَالَ: "إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوِّجُوهُ"، فَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِلَفْظِ: "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ، فَأَنْكِحُوهُ..."(رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ)، بِتَقْدِيمِ شَرْطِ الْخُلُقِ عَلَى شَرْطِ الدِّينِ...

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللَّهِ: سُنَّةُ اللَّهِ -تَعَالَى- فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ أَنْ يَقْتَرِنَ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى، وَالْأُنْثَى بِالذَّكَرِ؛ لِيَكُونَا سَكَنًا لِبَعْضِهِمَا الْبَعْضِ، وَلِيَشْتَرِكَا مَعًا فِي إِقَامَةِ أُسْرَةٍ، وَإِنْجَابِ أَطْفَالٍ، وَإِعْمَارِ الدُّنْيَا، وَاسْتِمْرَارِ النَّوْعِ الْبَشَرِيِّ، وَيَزِيدُ الزَّوْجَانِ الْمُسْلِمَانِ أَهْدَافًا أُخْرَى مِنَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي إِقَامَةِ الْأُسْرَةِ، أَهْدَافٌ هِيَ أَسْمَى وَأَبْقَى، فَمِنْهَا: أَنْ تَكُونَ أُسْرَتُهُمَا قَائِمَةً عَلَى دِينِ اللَّهِ، مُلْتَزِمَةً بِشَرْعِهِ، مُتَقَيِّدَةً بِحُدُودِهِ، وَأَنْ تَكُونَ أُسْرَتُهُمَا لَبِنَةً قَوِيَّةً فِي بِنَاءِ صَرْحِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَلَنْ تَكُونَ الْأُسْرَةُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا صَلَحَ الشَّرِيكَانِ اللَّذَانِ يُقِيمَانِهَا؛ بِحُسْنِ اخْتِيَارِ كُلِّ شَرِيكٍ لِشَرِيكِهِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ أَوَّلَ أَسَاسٍ مِنْ أُسُسِ اخْتِيَارِ شَرِيكِ الْحَيَاةِ هُوَ: الدِّينُ؛ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ أَوِ الزَّوْجَةُ مُلْتَزِمًا بِدِينِ اللَّهِ -تَعَالَى- وَقَّافًا عِنْدَ حُدُودِهِ، مُقِيمًا لِفَرَائِضِهِ، غَيْرَ مُتَفَلِّتٍ مِنْ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا غَيْرَ فَاسِقٍ.

 

فَأَمَّا اخْتِيَارُ الزَّوْجَةِ؛ فَقَدْ حَثَّ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- الشَّابَّ الْمُقْبِلَ عَلَى الزَّوَاجِ عَلَى تَقْدِيمِ الزَّوْجَةِ الْمُتَدَيِّنَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الزَّوْجَاتِ مَهْمَا امْتَلَكَتْ مِنْ صِفَاتٍ يَرْغَبُ فِيهَا الْأَزْوَاجُ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، فَالْوَاقِعُ أَنَّ النَّاسَ يَطْلُبُونَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْأَرْبَعَ -الَّتِي ذُكِرَتْ فِي الْحَدِيثِ- فِي الزَّوْجَةِ، لَكِنَّ أَهَمَّهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ هُوَ الدِّينُ.

 

وَأَمَّا الزَّوْجُ، فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَوْلِيَاءَ الْفَتَاةِ أَنْ يَقْبَلُوا وَيُرَحِّبُوا بِذِي الدِّينِ إِذَا تَقَدَّمَ لِخُطْبَةِ ابْنَتِهِمْ؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ"(رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).

 

فَلَا يَنْبَغِي لِأَوْلِيَاءِ أُمُورِ النِّسَاءِ رَفْضُ الْخَاطِبِ ذِي الدِّينِ لِفَقْرِهِ أَوْ لِنَسَبِهِ الْمُتَوَاضِعِ، مَا دَامَ يَمْتَلِكُ الْحَدَّ الْأَدْنَى الَّذِي يَتِمُّ بِهِ الزَّوَاجُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، وَلَقَدْ قَرَّرَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي قُرْآنِهِ مِعْيَارَ التَّفَاضُلِ بَيْنَ الْبَشَرِ؛ فَقَالَ -عَزَّ مِنْ قَائِلٍ-: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[الْحُجُرَاتِ: 13]، وَيَرْوِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"(رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ).

 

وَإِنْ قُلْنَا لِمَنْ أَرَادَ الزَّوَاجَ: يُشْتَرَطُ فِي الْفَتَاةِ الَّتِي تَخْطُبُهَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَقِيمَةً؛ فَهَذَا يَعْنِي -مِنْ بَابِ أَوْلَى- أَنْ تَكُونَ مُسْلِمَةً؛ فَلَا يُسْتَحَبُّ أَبَدًا -وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا- التَّزَوُّجُ مِنْ كِتَابِيَّةٍ، قَالَ -تَعَالَى-: (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ)[الْبَقَرَةِ: 221].

 

وَلَا يُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ لِلْمَخْطُوبَةِ؛ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ وَلَا يَحِلُّ أَبَدًا أَنْ يَتَزَوَّجَ كَافِرٌ بِمُسْلِمَةٍ، وَيَرْوِي أَنَسٌ فَيَقُولُ: "خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ، قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فَقَالَتْ: أَمَا إِنِّي فِيكَ لَرَاغِبَةٌ، وَمَا مِثْلُكَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مَسْلَمَةٌ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَلِكَ مَهْرِي لَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَأَسْلَمَ أَبُو طَلْحَةَ وَتَزَوَّجَهَا"(رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ)، فَكَانَ مَهْرُهَا أَكْرَمَ مَهْرٍ عَرَفَتْهُ الْبَشَرِيَّةُ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: إِنَّ الْأَسَاسَ الثَّانِيَ مِنْ أُسُسِ اخْتِيَارِ شَرِيكِ الْحَيَاةِ هُوَ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ السَّابِقُ قَدْ قَدَّمَ الدِّينَ عَلَى الْخُلُقِ فَقَالَ: "إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ، فَزَوِّجُوهُ"؛ فَقَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى بِلَفْظِ: "إِذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ، فَأَنْكِحُوهُ..."(رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ)، بِتَقْدِيمِ شَرْطِ الْخُلُقِ عَلَى شَرْطِ الدِّينِ.

 

وَفِي اشْتِرَاطِ الْخُلُقِ مَعَ الدِّينِ تَوْسِعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أَوْلِيَاءِ النِّسَاءِ؛ فَقَدْ يَكُونُ الْخَاطِبُ مُسْتَقِيمًا مُؤَدِّيًا لِلْفَرَائِضِ، مُجْتَنِبًا لِلنَّوَاهِي، لَكِنَّهُ لَيْسَ ذَا خُلُقٍ قَوِيمٍ؛ فَقَدْ تَكُونُ عِنْدَهُ مِنَ الْخِصَالِ السَّيِّئَةِ مَا يُنَفِّرُ مِنْهُ مَنْ يُعَاشِرُهُ؛ فَلَا يَكْفِي شَرْطُ الدِّينِ وَحْدَهُ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَ تَدَيُّنِهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى خُلُقٍ فَاضِلٍ.

 

فَإِذَا اجْتَمَعَ الدِّينُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ فِي خَاطِبٍ فَقَدْ نُدِبَ نَدْبًا مُؤَكَّدًا إِلَى قَبُولِهِ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا سِوَى ذَلِكَ مِنْ أَوْصَافٍ، وَلَقَدْ زَوَّجَ الصَّحَابِيُّ الْجَلِيلُ أَبُو حُذَيْفَةَ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، لِسَالِمٍ وَهُوَ مَوْلًى، لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-: "أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَبَنَّى سَالِمًا، وَأَنْكَحَهُ بِنْتَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَهُوَ مَوْلًى، لِامْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ..."(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ التَّبَنِّي.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الْأَسَاسَ الثَّالِثَ مِنْ أُسُسِ اخْتِيَارِ شَرِيكِ الْحَيَاةِ صَلَاحُ أُسْرَتِهِ وَعَائِلَتِهِ؛ فَإِنَّ الْبِيئَةَ -لَا مَحَالَةَ- تُؤَثِّرُ فِيمَنْ يَحْيَا فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً فَغَالِبًا مَا يَخْرُجُ أَفْرَادُهَا صَالِحِينَ، وَإِنْ كَانَتْ طَالِحَةً خَرَجَ أَبْنَاؤُهَا طَالِحِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ، فَإِنَّ النَّخْلَةَ لَا تُثْمِرُ حَنْظَلًا، وَإِنَّ الْحَنْظَلَ لَا يُخْرِجُ تَمْرًا، وَصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ قَالَ: "النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ)؛ فَمَنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنْ مَعْدِنٍ نَفِيسٍ خَرَجَ نَفِيسًا.

وَمَا يَكُ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإِنَّمَا *** تَوَارَثَهُ آبَاءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ

وَهَلْ يُنْبِتُ الْخَطِّيَّ إِلَّا وَشِيجُهُ *** وَتُغْرَسُ إِلَّا فِي مَنَابِتِهَا النَّخْلُ

 

وَهَذَا النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَمْنَعُ عَلِيًّا -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنْ يَتَزَوَّجَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ -وَكَانَتْ مُسْلِمَةً حَسَنَةَ الْإِسْلَامِ- عَلَى ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ، مُعَلِّلًا ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "... وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا، وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا، وَلَكِنْ -وَاللَّهِ- لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبَدًا"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)، فَنَعَتَهَا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِأَنَّهَا: "بِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ"، قَالَ شُرَّاحُ الْحَدِيثِ: "وَفِيهِ بَقَاءُ عَارِ الْآبَاءِ فِي أَعْقَابِهِمْ؛ لِقَوْلِهِ: "بِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ"، فَإِنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ لِلْوَصْفِ تَأْثِيرًا فِي الْمَنْعِ، مَعَ أَنَّهَا هِيَ كَانَتْ مُسْلِمَةً حَسَنَةَ الْإِسْلَامِ".

 

وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ، وَانْكِحُوا الْأَكْفَاءَ، وَأَنْكِحُوا إِلَيْهِمْ"(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ)، يَقُولُ الشُّرَّاحُ: "أَيْ تَخَيَّرُوا مِنَ النِّسَاءِ ذَوَاتِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ، وَذَوَاتِ النَّسَبِ الشَّرِيفِ؛ لِئَلَّا تَكُونَ الْمَرْأَةُ مِنْ أَوْلَادِ الزِّنَا، فَإِنَّ هَذِهِ الرَّذِيلَةَ تَتَعَدَّى إِلَى أَوْلَادِهَا".

 

تِلْكَ هِيَ الْقَاعِدَةُ، لَكِنْ لِكُلِّ قَاعِدَةِ اسْتِثْنَاءٌ، فَإِنْ خَرَجَ الْمَرْءُ مِنْ بِيئَةٍ طَالِحَةٍ، لَكِنَّهُ سَمَا بِنَفْسِهِ عَنْهَا، وَتَبَرَّأَ مِنْ أَوْضَارِهَا، وَنَفَى عَنْ نَفْسِهِ خَبَثَهَا، وَتَزَيَّنَ بِالْعِلْمِ وَالْأَدَبِ بَعْدَ الدِّينِ وَالْخُلُقِ، صَارَ خَيْرًا مِمَّنْ عَظُمَ نَسَبُهُ وَدَنِئَتْ نَفْسُهُ، "وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ).

كُنِ ابْنَ مَنْ شِئْتَ وَاكْتَسِبْ أَدَبًا *** يُغْنِيكَ مَحْمُودُهُ عَنِ النَّسَبِ

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: الْأَسَاسُ الرَّابِعُ مِنْ أُسُسِ اخْتِيَارِ شَرِيكِ الْحَيَاةِ أَنْ يَقَعَ الْقَبُولُ وَالتَّفَاهُمُ وَالتَّنَاغُمُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، وَلَقَدْ سَعَى النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي فِعْلِ هَذَا؛ مِنْ خِلَالِ الْأَمْرِ بِالتَّأَكُّدِ مِنْ وُقُوعِ الْقَبُولِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَمِنْهَا:

نَظَرُ الْخَاطِبِ إِلَى الْمَخْطُوبَةِ؛ فَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَذَكَرْتُ لَهُ امْرَأَةً أَخْطُبُهَا، فَقَالَ: "اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا"، فَأَتَيْتُ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، فَخَطَبْتُهَا إِلَى أَبَوَيْهَا، وَأَخْبَرَتْهُمَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَكَأَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ، قَالَ: فَسَمِعَتْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ، وَهِيَ فِي خِدْرِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَمَرَكَ أَنْ تَنْظُرَ، فَانْظُرْ، وَإِلَّا فَأَنْشُدُكَ، كَأَنَّهَا أَعْظَمَتْ ذَلِكَ، قَالَ: فَنَظَرْتُ إِلَيْهَا فَتَزَوَّجْتُهَا، فَذَكَرَ مِنْ مُوَافَقَتِهَا"(رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ).

 

وَمَا فَعَلَهُ الْمُغِيرَةُ فَعَلَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- فَقَدْ سَمِعَ جَابِرٌ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَهُوَ يَقُولُ: "إِذَا خَطَبَ أَحَدُكُمُ الْمَرْأَةَ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَا يَدْعُوهُ إِلَى نِكَاحِهَا فَلْيَفْعَلْ"، يَقُولُ: فَخَطَبْتُ جَارِيَةً فَكُنْتُ أَتَخَبَّأُ لَهَا حَتَّى رَأَيْتُ مِنْهَا مَا دَعَانِي إِلَى نِكَاحِهَا وَتَزَوُّجِهَا، فَتَزَوَّجْتُهَا"(رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

 

وَمِنْ وَسَائِلِ ذَلِكَ -أَيْضًا- أَنْ جَعَلَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِلْمَخْطُوبَةِ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ الْخَاطِبَ أَوْ تَرْفُضَهُ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا"(رَوَاهُ مُسْلِمٌ)، وَهَذَا نَمُوذَجٌ عَمَلِيٌّ تَرْوِيهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ فَتَقُولُ: "جَاءَتْ فَتَاةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي زَوَّجَنِي ابْنَ أَخِيهِ يَرْفَعُ بِي خَسِيسَتَهُ، "فَجَعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهَا"، قَالَتْ: فَإِنِّي قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ تَعْلَمَ النِّسَاءُ أَنْ لَيْسَ لِلْآبَاءِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ"(رَوَاهُ أَحْمَدُ).

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ، وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ، أَمَّا بَعْدُ:

 

عِبَادَ اللَّهِ: وَمِنَ الْأُسُسِ الضَّرُورِيَّةِ فِي اخْتِيَارِ شَرِيكِ الْحَيَاةِ: الْعِلْمُ وَالثَّقَافَةُ، فَإِنَّ الْعِلْمَ يَرْفَعُ صَاحِبَهُ، وَلَيْسَ مَنْ جَهِلَ كَمَنْ عَلِمَ أَبَدًا، وَلَا نَقْصِدُ بِالْعِلْمِ وَالثَّقَافَةِ هُنَا الْحُصُولَ عَلَى الشَّهَادَاتِ وَالدَّرَجَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، كَلَّا، وَإِنَّمَا نَقْصِدُ أَنْ يَكُونَ شَرِيكُ حَيَاتِكَ حَافِظًا لِكِتَابِ اللَّهِ أَوْ لِشَيْءٍ مِنْهُ، مُلِمًّا بِشَيْءٍ مِنَ الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، عَلَى الْأَقَلِّ مَا تَقُومُ بِهِ الْفَرَائِضُ، مُثَقَّفًا ثَقَافَةً إِسْلَامِيَّةً لَا غَرْبِيَّةً وَلَا شَرْقِيَّةً.

 

وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ -أَعَزَّكُمُ اللَّهُ- عَلَى غَيْرِ الْمُعَلَّمِ؛ فَيُؤْكَلُ مِمَّا أَمْسَكَهُ الْأَوَّلُ، أَمَّا مَا قَتَلَهُ الثَّانِي فَهُوَ مَيْتَةٌ؛ (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ)[الْمَائِدَةِ: 4].

 

وَلَقَدْ زَوَّجَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- امْرَأَةً وَجَعَلَ مَهْرَهَا أَنْ يُعَلِّمَهَا زَوْجُهَا مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، لَمَّا عَجَزَ عَنْ إِمْهَارِهَا شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا، فَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أَتَتِ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- امْرَأَةٌ، فَقَالَتْ: إِنَّهَا قَدْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: "مَا لِي فِي النِّسَاءِ مِنْ حَاجَةٍ"، فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا، قَالَ: "أَعْطِهَا ثَوْبًا"، قَالَ: لَا أَجِدُ، قَالَ: "أَعْطِهَا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ"، فَاعْتَلَّ لَهُ، فَقَالَ: "مَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ؟"، قَالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: "فَقَدْ زَوَّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

 

وَلَقَدْ كَانَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَرِيصًا عَلَى أَنْ يُعَلِّمَ أَزْوَاجَهُ الْعِلْمَ وَيَتَرَقَّى بِهِنَّ، فَهَذِهِ الشِّفَاءُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- كَانَتْ تَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَطَلَبَ مِنْهَا أَنْصَارِيٌّ أَنْ تَرْقِيَهُ، فَأَبَتْ، فَدَعَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: "اعْرِضِي عَلَيَّ"، فَعَرَضَتْهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: "ارْقِيهِ، وَعَلِّمِيهَا حَفْصَةَ، كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْكِتَابَ"(رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ)؛ أَيْ: كَمَا عَلَّمْتِيهَا الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ.

 

فَاللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَحْوَالَ شَبَابِنَا وَفَتَيَاتِنَا، وَاجْعَلْهُمْ صَالِحِينَ، وَزَوِّجْهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَالصَّالِحَاتِ، وَعَلِّمْنَا عِلْمًا يَنْفَعُنَا، وَانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا...

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الرَّحْمَةِ الْمُهْدَاةِ؛ (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

المرفقات

أسس اختيار شريك الحياة.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات