أسباب تأخر نزول المطر

سعود بن ابراهيم الشريم

2009-10-24 - 1430/11/05
عناصر الخطبة
1/ سنة الابتلاء في المطر وجوداً وعدماً 2/ شح الأمطار بسبب المعاصي 3/ عدم الاغترار بنزول الأمطار في بلاد الكافرين 4/ أهمية الاستغفار والتوبة عند المصائب 5/ دعاء وابتهال
اهداف الخطبة

اقتباس

إن ما يشاهد في هذه الآونة من شحٍّ في الأمطار على بعض البلاد وقلةٍ في النبات إنما هو بسبب الذنوب والمعاصي التي تمنع الرزق وتمحق البركة، وإن شؤم المعصية ليعم الصالح والطالح.. حتى البهائم والحشرات، فقد قال عكرمة -رحمه الله تعالى-: "دواب الأرض وهوامها -حتى الخنافس والعقارب- يقولون: مُنعنا القطر بذنوب بني آدم

 

 

 

 

الحمد لله.. الحمد لله الظاهر والباطن.. له مقاليد السموات والأرض.. يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر، له الحمد في الضراء كما له الشكر في السراء .. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله؛ اُبتلي فصبر، وأُنعم عليه فشكر، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده؛ فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فأوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله -سبحانه-؛ إذ بها المعتصم، وفيها الربح والمغنم، وبسببها يدفع الله البلاء والمغرم: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً) [الطلاق:2-3]، (... وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً) [الطلاق:4].

أيها الناس: الابتلاء سنة ربانية ماضية يقلبها الله بين عباده في الخير والشر؛ ليبلوهم أيعبدون ويشكرون؟ ليبلوهم أيصبرون ويشكرون، أم يجحدون ويكفرون؟ (... وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) [الأنبياء:35].

ألا إن مما يبلو الله به عباده نزول القطر من السماء؛ لتصبح الأرض مخضرة فيحيي الله به بلدةً ميتاً، ويسقيه ممن خلق أنعاماً وأناسي كثيراَ؛ بل جعل الباري -سبحانه- من الماء قوام حياةٍ للناس؛ فقد ذكره -سبحانه وتعالى- على وجه الامتنان في قوله: (...وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء:30]، وقوله: (أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ*أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ* لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ) [الواقعة:68-70]، وقوله: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) [الشورى:28]، وقوله: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ *فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [الروم:48-50].

عباد الله: إن من حكمة الله -تعالى- وعلمه بعباده أن يقدر عليهم القطر والرزق من السماء؛ ليتوب تائب ويستغفر مستغفر ويؤوب شارد: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ) [الشورى:27].. فينزل الله المطر لأمةٍ ويحجبه عن أمةٍ أخرى، وينزله على أرضٍ ويمنعه عن أخرى.. قال ابن مسعود وابن عباس -رضي الله عنهما-: "ليس عامٌ بأكثر مطراً من عام، ولكن الله يصرفه أين شاء"، ثم قرأ الآية: (وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) [الفرقان:50].

نستغفر الله. نستغفر الله. نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراَ فأرسل السماء علينا مدراراَ.

أيها المسلمون: إن ما يشاهد في هذه الآونة من شحٍّ في الأمطار على بعض البلاد وقلةٍ في النبات إنما هو بسبب الذنوب والمعاصي التي تمنع الرزق وتمحق البركة، وإن شؤم المعصية ليعم الصالح والطالح.. حتى البهائم والحشرات، فقد قال عكرمة -رحمه الله تعالى-: "دواب الأرض وهوامها -حتى الخنافس والعقارب- يقولون: مُنعنا القطر بذنوب بني آدم" أخرجه ابن جرير في تفسيره..

فلله كم فشا الجهل في الدين وكتمان الحق وظهور الباطل! وكم قل العدل والإنصاف بين الناس وقل عندهم تحكيم شرع الله -جل وعلا-!

لقد كثر الهرج وعدم الجدل وانتشرت الفواحش وذهبت البركات وتكدرت الحياة وقلت الخيرات في كثير من بلاد المسلمين إلا من رحم الله.. وقليل ما هم..

وقد جاء في الحديث: أن مثل هذه المعاصي تمنع القطر من السماء.

ولا يغرنّ المرء ما يشاهده بين ظهراني غير المسلمين من الأمطار والخيرات ثم يقول: ما علاقة منع القطر من السماء بالمعاصي وها هم الكفار أكثر معاص منا ولا ينقطع عنهم المطر؟!

ألا فليعم أنما هي استدراجٌ وتعجيلٌ لحظوظ الدنيا.. وليس بعد الكفر ذنب: (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ) [المؤمنون:55-56]، (وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) [آل عمران:178]، (فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) [التوبة:55].

ولذا عباد الله: جعل الله -جل شأنه- إنزال المطر بكثرة علامة الرضا على عباده ودلالة على استقامتهم على دينه -سبحانه- كما قال تعالى: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً* لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً) [الجن:16-17]..

والمعنى -عباد الله- على أحد التفسيرين: أن الناس لو استقاموا على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها لأسقيناهم ماءً كثيرًا؛ لنختبرهم ونبتليهم مَنْ يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية.

نستغفر الله. نستغفر الله. نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفارا فأرسل السماء علينا مدرارا.

أيها المسلمون: إن ما نشكوه من شح في الأمطار وقلة بركةٍ فيها لَهُو بلاءٌ وعقوبةٌ أحوج ما نكون فيها إلى الرجوع إلى الله وكثرة التضرع إليه وبذل الاستغفار للكريم الرحيم وحده؛ إذ أوصى به نوحٌ قومه بقوله: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً* وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً) [نوح:10-12]، وأوصى به هود قومه في قوله: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ) [هود:52]، وأوصى به صالح قومه في قوله: (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [النمل:46]، وأوصى به شعيب قومه في قوله: (وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) [هود:90]..

ولقد أوصى الله نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بالاستغفار في قوله: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ) [محمد:19].. وجاء في الحديث الذي رواه أحمد والترمذي والنسائي: أن النبي -صلى الله عليه وسلم– قال: "إن المؤمنَ إذَا أذْنَبَ كانتْ نكتة سوداء في قلبِه فإنْ تابَ ونزعَ واستغفرَ صقل قلبه، فإن زاد زادتْ؛ فذلك الران الذي ذكر الله في كتابه: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)" [المطففين:14].

ألا فاتقوا الله معاشر المسلمين وأكثروا من الاستغفار واللجوء إلى الكريم الغفار؛ إذ لا ملجأ من الله إلا إليه؛ ففروا إلى الله إنه هو الغفور الرحيم.

نستغفر الله. نستغفر الله. نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراَ فأرسل السماء علينا مدرارا.

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد..
أيها المسلمون: إنكم قد خرجتم من بيوتكم تشكون تأخر المطر.. إنكم خرجتم من بيوتكم ودياركم تشكون إلى الله جدب دياركم وتأخر المطر على إبان زمانه، وإن الله وعد الداعين بالإجابة؛ فادعوا الله مخلصين له الدين، فادعوه وأنتم موقنون بالإجابة..

اللهم أنت الله لا إله إلا أنت.. أنت الغني ونحن الفقراء.. أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين. اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بشرِّ ما عندنا، اللهم إنا خلقٌ من خلقِك.. فلا تمنع عنا بذنوبنا فضلك يا ذا الجلال والإكرام..

اللهم أنزل علينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، واجعل ما أنزلت علينا قوةً لنا وبلاغًا إلى حين.. اللهم إنه لم ينزل بلاءٌ إلا بذنب ولم يُكْشَفْ إلا بتوبة.. وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين.. اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا هنيئًا مريئًا غدقًا مجلّلا سحًّا طبقًا نافعًا غير ضار عاجلًا غير آجل.. اللهم لتُحُيي به البلاد وتَسْقِي به العباد ولِتَجْعَله بلاغًا للحاضر والباد.

هذا، وصلوا -رحمكم الله- على خير البرية وأزكى البشرية محمد بن عبد الله.. اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدك ورسولك محمد صاحب الوجه الأنور والجبين الأزهر، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة -أبي بكر وعمر وعثمان وعلي- وعن سائر صحابة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-.

عباد الله: اعلموا أن من السُنَّة قلْب الأردية تأسّيًا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وتفاؤلًا بتغير الحال.

نستغفر الله. نستغفر الله. نستغفر الله، اللهم إنا نستغفرك إنك كنت غفاراَ فأرسل السماء علينا مدراراَ.

سبحان ربنا رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

 

 

المرفقات

804.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات