أزمة التعليم

ناصر بن محمد الأحمد

2010-09-20 - 1431/10/11
عناصر الخطبة
1/ أهم ما يميز التعليم الصحيح 2/ أزمة المدرِّس 3/ الطبقية الواضحة في المدارس 4/ الأزمة الاقتصادية للتعليم 5/ أزمة المناهج 6/ تبعية الدول الإسلامية للغرب
اهداف الخطبة

اقتباس

إن أهم سمة للتعليم الصحيح أنه يجعل صاحبه أكثر خشية لله؛ قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، وأي تعليم لا يكسب طلابه هذه الخشية فاعلم أن هناك خللاً وخللاً كبيرًا، كما أنه يساعد على معرفة الحق والاهتداء إلى الطريق الأقوم؛ قال الله تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)، وكل تعليم لا يهدي طلابه للتي هي أقوم فهو تعليم فيه عوج وعوج كبير ..

 

 

 

 

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره...

أما بعد: وبمناسبة عام دراسي جديد، فإنني سأخصص هذه الخطبة حول جزئية من كيان التعليم الكبير الضخم، وهو ما يسمى بأزمة التعليم.

إذا كانت الوظيفة الأساسية للإنسان في هذه الحياة هي تحقيق العبودية لله -تبارك وتعالى-، فإن ما يتبع ذلك من مكملات وشروط يكون داخلاً في تحقيق العبادة، ومن ذلك التعليم؛ لذا فإن كل علم يتعلمه الإنسان وكل تقدم تقني يحرزه ينبغي أن يساعده على القيام بواجبه وتأدية رسالته على الوجه المطلوب، هذه الرؤية الإسلامية تكوّن إطارًا نظريًّا لحركة التعليم وأهدافه واهتماماته وغاياته، وكل المحاور الأخرى المتعلقة بقضية التعليم يجب أن تفسر في ضوء هذا المفهوم.

إن أهم سمة للتعليم الصحيح أنه يجعل صاحبه أكثر خشية لله؛ قال الله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر: 28]، وأي تعليم لا يكسب طلابه هذه الخشية فاعلم أن هناك خللاً وخللاً كبيرًا، كما أنه يساعد على معرفة الحق والاهتداء إلى الطريق الأقوم؛ قال الله تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) [سبأ: 6]، وكل تعليم لا يهدي طلابه للتي هي أقوم فهو تعليم فيه عوج وعوج كبير.

إن الحضارة الغربية تركز في حركتها العلمية على "كيف"، أي: على المعارف والأساليب والأدوات التي يمكن أن تحقق الغلبة والقوة والرفاهية، ولا يكاد الغربيون يهتمون بالجواب على "لماذا"، أي: الأهداف والمحصلات النهائية لكل هذا العناء الإنساني.

أمة الإسلام فقيرة في كل ما يتعلق بـ"كيف"، وهي تسعى لامتلاك أطراف منه، لكن الخوف أن تنسى هذه الأمة وتضيع ما يتعلق بـ"لماذا"، وعندها تفقد خصوصيتها الحضارية وإمكانات ريادتها، وتجر على نفسها من الوبال ما لا يمكن الآن معرفة أبعاده.

أيها المسلمون: ليست الشكوى من سوء الأحوال شيئًا جديدًا على المجتمعات البشرية، لكن من الواضح أن هناك نوعًا من الارتباط بين ما يحدث من تقدم حضاري وبين ارتفاع وتيرة الأزمات؛ وذلك بسبب اتساع طموحات الناس، وبسبب الأعراض الجانبية التي يفرزها الفراغ والرخاء، وبسبب التغير السريع في حياة الناس.

إن الدول التي تقود التقدم هي التي تنشر الوعي، وتقنن المعايير المساعدة على إدراك حجم المشكلات، وكان مما اعتمدته في ذلك اللجوء إلى التعليم على أنه المدخل الأساسي للخلاص من المشكلات، وللارتقاء في معارج التقدم، وهذا في الحقيقة أدى إلى زيادة الطلب على التعليم إلى حدود تعجز عنه الإمكانات المتاحة لمعظم الدول المتقدمة والنامية، إن الجميع يشكون من انخفاض مستوى التعليم، لكن نوعية الشكوى تختلف، فالدول المتقدمة تشكو من عدم تحقيق التعليم للمستوى المطلوب لمزيد من السيطرة على موارد الطبيعة والسيطرة على الأمم المنافسة، وإخضاع الدول الأخرى لها، على حين أن شكوى الدول النامية والمتخلفة يكمن في محاولة التقليل من مستوى الأمية الأبجدية، أو من تهيئة العدد من المدارس لطلابها لكي تستوعب الزيادة التراكمية إلى حد وضع أربعين إلى خمسين طالبًا في الصف الواحد، أو محاولة تهيئة مكان مناسب للطلاب لقضاء الحاجة، ولم تجد بعدُ الفرصة للبحث في كيفية الارتقاء بالنوعية كما هو شأن الدول المتقدمة.

أيها الأحبة: وبعد هذه المقدمة القصيرة، لنبدأ في موضوعنا الأساسي وهو أزمة التعليم.

إن جوانب أزمات الأمة اليوم متنوعة متعددة، ومن بين هذه الأزمات أزمة التعليم، فالأزمة التعليمية تجسيد لأزمة أمة، إليك أربع نقاط سريعة:

أولاً: لقد كان المدرس في الماضي يشعر أنه معلم ومربٍّ وقدوة وأب لكل طالب يقوم على تعليمه، وكان أكثر المدرسين يتصرف التصرف الذي ينسجم مع ذلك الإحساس، وفي الآونة الأخيرة ومن ضمن التطورات الخطيرة في حياة الأمة ما حدث في وظيفة المدرس، وبسبب ضغوط هائلة قزمت كل الرموز والوظائف الفاعلة في الحياة العامة، ومنها وظيفة المعلم، الذي انحصر في إعطاء المعلومات داخل قاعة الدرس وفق جدول محدد، هذا إن أعطى المعلومات كاملة مستوفاة، فهذا التهميش العنيف غيّر نظرة المدرس إلى نفسه وغيّر نظرة المجتمع إليه، ودفع ثمن ذلك كله الطالب، الذي فقد القدوة والمثل، وفقد العطف والسمو والنصح.

ثانيًا: ومن صور الأزمة التعليمية: وجود طبقية واضحة في المدارس، ففي حين تزدحم المدارس في القرى والأحياء الفقيرة بالطلاب وبالمدرسين الأقل كفاءة، مع شح في وسائل التعليم، تجد المدارس في المدن وفي الأحياء الراقية تزخر بالإمكانات المختلفة، وأخذ التعليم الخاص يزيد من تفاقم المشكلة؛ حيث إن القادرين على الدفع من رجالات الأعمال وطبقة النخبة يدفعون بأبنائهم إلى المدارس الخاصة التي توفر -في العادة- إمكانات أفضل من المدارس الحكومية، وهذا يجعل من التعليم الذي هو وسيلة دمج اجتماعي في الأصل أداةً لتمزيق أوصال المجتمع، والتهيئة لأوضاع الاستغلال والعبودية، وانعدام تكافؤ الفرص، وهذا بسبب أن التعليم لم تصحبه إصلاحات سياسية واجتماعية واقتصادية بعيدة المدى.

إن كثيرًا من المدارس الخاصة يتعامل مع قضية التعليم من منظور تجاري بحت، فرضا الطالب مقدم على رضا المدرس، والشكل مقدم على الجوهر، وهي من خلال تدليل الطالب المبالغ فيه تفسد من نفسه وخلقه أكثر مما تصلح، وهذا كله يجري في بلاد المسلمين، على حين تتجه دول كافرة إلى المزيد من فرض الرقابة على مؤسسات التعليم حتى تنقذها من براثن نظام التجارة والشهية إلى الربح الفاحش، ولو على تخريج طلبة لم يستفيدوا من قطاع التعليم سوى الشهادة التي يفرح بها الطالب -وقبل الطالب أبوه- فرحًا ظاهريًا.

ثالثًا: ومن جوانب الأزمة التعليمية: الجانب الاقتصادي: تشهد المرافق في العالم النامي ضغوطًا لا تقوى على حملها، ولا يستطيع التعليم أن يستثني نفسه منها.

إن الدول الإسلامية تنوء بالأعباء المالية، وتئن من وطأة تكاليف التعليم المحدودة الذي تقدمه؛ حيث إن بعضها ينفق عليه ما يقرب من 25% من ميزانياتها و6% من الناتج الوطني، وهذا حد يصعب تجاوزه؛ لأن القطاعات الأخرى تطالب أيضًا بنصيبها من ذلك الناتج.

تشير بعض الدراسات إلى أن الدول العربية في مجموعها كانت تنفق عام 1982م على كل فرد مائة وتسعة وعشرين دولارًا، على حين كانت أمريكا الشمالية تنفق على الفرد في ذلك العام نحوًا من تسعمائة وثمانية عشر دولارًا، ويذكر أحد الباحثين أن ما ينفق في مصر على الطالب في التعليم الإلزامي يعادل عُشر مما ينفق على الطالب في إسرائيل.

ولا ينبغي أن يغيب عن الذهن أن الأموال القليلة المتوفرة للتعليم لا يتم إنفاق سوى جزء قليل منها على المباني والتجهيزات والمختبرات والمكتبات، فقد أظهرت بعض الإحصاءات أن ما ينفق على رواتب المعلمين والإداريين يلتهم نحوًا من 86% من ميزانيات التعليم في بعض الدول العربية، وهذه سمة مشتركة بين الدول النامية، وهذا يعني وجود بيئة تعليمية واهية وغير مواتية، فهناك أعداد هائلة من الطلاب ليس لهم أي مكان في مكتبة المدرسة، والنسبة العظمى منهم لا يجري أية تجربة علمية، بل إن هناك من لا يجد الكتاب المدرسي، أضف إلى هذا أن الفصول مزدحمة جدًّا بالطلاب؛ ما أضعف حماسة المعلم لإعطاء الواجبات ومتابعة الطلاب، بل ومما ترتب على ضعف ميزانيات قطاع التعليم أن انعكس ذلك على ساعات مكوث الطلاب في المدرسة، فعلى حين يقضي الطالب في الدول المتقدمة أكثر من ثماني ساعات يوميًّا فإنه لا يتاح للطالب في الدول الإسلامية أكثر من ست ساعات، وهذه المدة آخذة في التناقص؛ حيث إن المدارس صارت تعمل فترتين وثلاث فترات في كثير من البلدان.

وقد كشفت دراسة في إحدى الدول العربية أن 50% من مدارس المرحلة الابتدائية ونحوًا من 40% من المدارس المتوسطة تعمل فترتين، و38% من بعض المدارس تعمل ثلاث فترات، و7% من المدارس تعمل أربع فترات، وبهذا قصر اليوم المدرسي وانعدمت ممارسات الهوايات، وتم فقد علاقة الوجه لوجه بين المعلم والطالب، فنحن نؤمن أن مشكلات التعليم لا تنبع من ضعف الاقتصاد وحده، لكن مع هذا لا نختلف أن هناك الكثير من أزماته التي لا يمكن تجاوزها من غير توفير الأموال الضرورية لتهيئة المناخ الملائم للتعلم واكتساب الخبرات والمهارات.

فهل من حلول سريعة ومدروسة من ذوي الاختصاص لهذه الأزمات، وهل من ارتقاءٍ لوضع التعليم في بلاد المسلمين أجمع ونحن أمة علم وتعليم؟!

نسأل الله تعالى أن يعجل بفرج أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.

نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، واتباع سنة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

أقول هذه القول، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه...

أما بعد:

رابع هذه النقاط في الأزمة التعليمية: أزمة المناهج: إن الله -جل وعلا- أكرم هذه الأمة بالرسالة الخاتمة التي حوت من النصح والإرشاد وتبيين الأمور ما يشكِّل كل الخطوط العريضة لصلاح الإنسان ونجاحه، لكن ذلك لا يغني الإنسان المسلم عن الاجتهاد في تحديد المناهج والأساليب التعليمية التي تحقق غاية الشريعة في حياة بني البشر، وتساعد على تكوين الناشئة وإعدادهم للعيش في حياة كريمة آمنة ومنتجة.

لكن بكل صراحة، فإن الجذور لأزمات المناهج قديمة، وذيولها ستظل ممتدة، وواجب على أهل كل مؤسسة تعليمية أن يدخلوا من التحسينات والتطويرات بقدر ما يستطيعون، لا يخفى أن تفاقم أزمة مناهجنا الحديثة قد بدأ يوم أن أرسلت أوروبا جيوشًا من الإرساليات التعليمية والتبشيرية إلى بلاد المسلمين، وخصصت مؤسسات كثيرة لتقديم المعونات الفنية والمادية لبناء المدارس والكليات، ورسم المناهج والخطط الدراسية، وقد بعث الانبهار بالغرب على أن تقوم الدول الإسلامية بإرسال عشرات الألوف من أبنائها إلى البلدان الغربية؛ ليتقلوا الفلسفة الغربية في التعليم، وليتدربوا على إدارة المدارس وبناء المناهج وتصميم الاختبارات عند عودتهم إلى بلادهم، ومع أن ذلك لم يخل من بعض الفوائد، إلا أنه أحدث الكثير من الفوضى والتشويش والتشويه في رؤية الأمة للمناهج التربوية والتعليمية التي تحتاج إليها فعلاً، كما أنه أوجد نوعًا من الصراع داخل كل المؤسسات التعليمية، وقد كان هذا ضريبة التقصير والقصور الذي أصاب جهودنا التعليمية عبر قرون سلفت.

إن المناهج الجيدة هي التي تصدر عن رؤية شاملة ومتكاملة لوظيفة الإنسان في الحياة، مع الأخذ بعين الاعتبار ما يحتاجه بناؤه الشخصي من مبادئ ومفاهيم ومعلومات ومهارات، والانتباه كذلك إلى متطلبات الاندماج في الحياة العامة، وهذا كله لن يتم إلا إذا كان هناك نوع من التوحد في رؤية واضعي السياسات التعليمية لهذه القضايا، وهذا ما نفتقده في كثير من الأحيان.

لقد ابتلي العالم الإسلامي بالتبعية الثقافية التي أربكت رؤيته لذاته ومحيطه، وقبل ذلك لأهدافه وغاياته العليا؛ ولذا فإنه يرى أن المناهج في بعض البلدان الإسلامية لا ترتبط بأهداف تحقيق العبودية لله تعالى والولاء لهذا الدين ولأمة الإسلام، وإنما تؤسس لدى الطالب الانتماء إلى الإقليم أو العنصر أو القوم، وبعضها يؤسس لدى الطالب روحًا تجارية نفعية كتلك التي يتشبع بها موظفو العلاقات العامة ومندوبو المبيعات، فنشأ لديها جيل أناني ضيق الأفق، خامد العاطفة، عاجز عن الانفتاح على الدوائر الأوسع.

هذا، وقد تأثرت بعض الدول بالاتجاه الاشتراكي ودول أخرى بالاتجاه الليبرالي الرأسمالي، وقد انعكس ذلك على مناهجها جميعًا، بل وعلى نوعية العلاقات الاجتماعية والمؤسسات التعليمية، وقد كان لذلك آثار سلبية عديدة على وحدة الأمة، وتجانس فكر شبابها.

الحصيلة التي يخرج بها الطالب في كثير من البلاد الإسلامية هي الشعور بأن بلده بلد الانتصارات العظيمة في كل مجالات الحياة، والشعور بأن تاريخه الوطني سلسلة من القفزات النوعية في مراقي التقدم والازدهار، وحين تضطر كتب التاريخ إلى ذكر واقعة هزيمة أو نكسة فإن من النادر تفسير ذلك بالقصور الذاتي أو الاجتهاد الخاطئ، وغالبًا ما يعزى ذلك إلى تآمر الأعداء أو خيانة شخص من الداخل، والدافع إلى هذا غالبًا ما يكون خيّرًا؛ حيث يأمل واضعو المناهج أن يغرسوا في نفوس الناشئة وعقولهم الانتماء لأوطانهم، والثقة بالنفس، والاعتزاز بالتاريخ، لكن هذا يزود الناشئة بالسذاجة، ويجعلهم لقمة سائغة للإعلام الأجنبي المعادي، كما يزعزع ثقتهم بكل ما تعلموه ولُقنوه حين يزداد وعيهم وتنمو خبراتهم، أضف إلى هذا أن رؤيتهم للأشياء تصبح مشوهة وغير واقعية، وربما أدت المبالغة في تمجيد الذات إلى تكوين نزعة عنصرية لديهم على نحو ما صنعت النازية بالألمان.

إن مهمة المناهج في هذه القضية دقيقة جدًّا، وأعتقد أن من الخير لنا ولأبنائنا أن يروا الأشياء كما هي مع فهم ظروف الأحداث وملابساتها الموضوعية، فذاك يزودهم بالرؤية الصحيحة كما يزودهم بالحصانة والمناعة ضد الإعلام المعادي، ويجعلهم في مأمن من الزيف والنكوص على الأعقاب، أما محاولة إخفاء الحقائق فليعلم بأنه لا شيء يمكن أن يخفى، وما لم يعلم اليوم سيعلم غدًا، وعندها تكون السلبيات أكبر، وربما تنزع الثقة بين الطالب وواضعي المناهج، وهذا ما لا يريده الجميع.

إن أكثر مناهج التعليم في البلاد الإسلامية تشكو انفصامًا واضحًا بين الدلائل الشرعية والدلائل الكونية، فتجد المواد الشرعية شبه خالية من الاستدلال بآيات الله في الآفاق والأنفس، والتي تكشف عنها علوم الفلك والكيمياء والفيزياء والأحياء وعلوم النفس وما يتبدى فيها كل يوم من سنن ربانية ماضية، ونجد في المقابل أن المناهج والمواد الطبيعية والعلمية والاجتماعية تكاد تكون خالية من الاستلال بالآيات والأحاديث والأحكام والقضايا الإيمانية، مع وفرتها في مصادرنا الإسلامية المختلفة، بل تجد القصور مع كل أسف عند كثير من المعلمين في الربط بين المواد العلمية والقضايا الشرعية، ولو أن الأمر وقف عند هذا الحد إذن لهان الخطب، لكن واقع الحال أن في بعض المناهج نزعة علمانية، وبعضها ينطلق من نظريات تتعارض مع جوهر الإسلام، وهذا يؤدي إلى تشويش عقيدة الطالب وفكره، وتمزيق كيانه المعرفي، ويدفعه دفعًا إلى الإحساس بانحسار المنهجية الإسلامية عن جوانب فكرية ومعرفية كثيرة، وهذا في الحقيقة أسوأ ما يمكن أن نقدمه إلى المجتمع.

أيها الأحبة: لعلي أطلت في نقطة المناهج بعض الشيء؛ وذلك لأهميتها، وأيضًا بقي شيء وهو: أن واضعي المناهج يهدفون إلى إعطاء الطالب معرفة منظمة في كل فرع من فروعها الأساسية؛ بغية إعداده لخوض غمار الحياة بكفاءة واقتدار، ومن الواضح اليوم تسارع وتيرة التغير في كل شيء، وهناك تقدم وتطور هائل وسريع في كل الجوانب، فالمعارف والخبرات التي يحتاجها سوق العمل متغيرة، والدراسات التعليمية المكثفة التي تتم في سائر أنحاء المعمورة توجب إعادة النظر في الكثير من المقولات والنظريات العلمية وأساليب تصميم المناهج.

لكن الملاحظ أن استجابة كثير من المناهج لدينا لكل ذلك بطيئة للغاية، ولا تكون مبالِغًا لو قلت: إنها متوقفة؛ وذلك بسبب خوف خفي من التجديد حينًا، وبسبب ضعف المتابعة للجديد في الحقل التعليمي حينًا، وبسبب ضعف الإمكانات المادية والتطويرية أحيانًا أخرى، وحين يتخرج الطالب يجد نفسه جاهلاً لما وصل إليه العالم من التقدم والتطور في نفس مجاله الذي درسه، فيعجز عن العمل، ويحتاج إلى فترات تدريبية بعد التخرج ليتمكن من ممارسة العمل، وهذه تحتاج إلى مبالغ طائلة لتهيئة الموظف أكبر مما لو درس الموضوع من قبل وحصل التطوير في نفس المناهج المقررة لتواكب التطورات العلمية، وحين يذهب الطالب إلى بلد متقدم لمواصلة الدراسة هناك يدرك اتساع الهوة بين ما كان درسه في بلده وبين ما يدرسه في البلد الجديد، وتكون النتيجة النظر بازدراء إلى الحصيلة العلمية التي جناها من وراء دراسة السنوات الطويلة في بلده.

فنسأل الله تعالى أن يهيئ لهذه الأمة من أمرها رشدًا.

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.

أيها الأحبة: أذكركم بالمشروع السنوي مع بداية كل عام دراسي جديد، وهو تأمين المستلزمات المدرسية للبيوت المحتاجة في هذا الحي وفي غيره، وسنجمع في هذه الجمعة لصالح هذا المشروع، وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.

اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد؛ يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر.

اللهم رحمة اهد بها قلوبنا، واجمع بها شملنا، ولم بها شعثنا، ورد بها الفتن عنا.

اللهم صلّ على محمد…
 

 

  

 

المرفقات

أزمة التعليم.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات