أزلية الله وكماله

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2019-11-20 - 1441/03/23
عناصر الخطبة
1/اتصاف الله بالأزلية والكمال ومعناهما 2/الأدلة على اتصاف الله بالأزلية والكمال 3/لوازم الإيمان بأزلية الله وكماله

اقتباس

الله -تعالى- ينزه نفسه دائمًا عن كل نقص، وهذا التنزيه يلزم منه أنه لا يتصف إطلاقًا إلا بما يُحْمد عليه؛ فإذا عرفنا أن ربنا -جل وعلا- متصف بالأزلية، والكمال المطلق الذي لا نقص فيه وجب علينا أن نعظمه غاية التعظيم، والذي يستحقه من اتصف...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71]، أما بعد:

 

أيها المسلمون: إنَّ من أعظم ما أوجبه الله -تعالى- على عباده أن يعرفوه -جلَّ وعلا- حق المعرفة؛ كما جاء في نصوص الشرع المطهر من غير زيادة ولا نقصان، ولا تحريف لها عن معانيها، ولا تعطيل لها عما تدل عليه، ولا تشبيه ولا تمثيل له -عز وجل- بأيٍّ من مخلوقاته، بل تكون القاعدة التي يسلكونها في ذلك أنه؛ (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[الشورى: 11].

 

وإذا علمنا ذلك فلابد أن ندرك أن مِن أجَلّ وأعظم صفات الله -تعالى- التي اتصف بها وهي الأزلية والكمال، والمراد بأزلية الله؛ أي: أنَّه -سبحانه وتعالى- لا بداية له؛ فلم يُسبق بعدم، وليس مخلوقًا؛ تقدَسَ وتنزَهَ عن ذلك، وأما كمال الله؛ فهو ثابت لله أقصى ما يمكن من الأكملية، والإيمان بذلك يعني أن كماله -سبحانه- لا يوجد لا نقص فيه.

 

إخوة الإيمان: والأدلة على اتصاف الله بالأزلية جاءت في كتاب الله -تعالى- وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- الكثير من الأدلة التي تدل على أزلية الله -تعالى-، ذاتًا وصفاتًا، وأوليته المطلقة، فلا شيء قبله، ولا بداية له -جلَّ وعلا- فهو ليس بمخلوق ولم يسبق بعدم، ومن تلك الأدلة قوله تعالى: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[الحديد: 3]؛ فالأول هو الذي كان قبل كل شيء، أي لا بداية له -سبحانه- وبهذا جاء تفسيره في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ورد في صحيح مسلم: عن سهيل، قال: "كان أبو صالح يأمرنا، إذا أراد أحدنا أن ينام، أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم رب السماوات ورب الأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر"، وكان يروي ذلك عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- (رواه مسلم).

 

ومما يدل كذلك على أزلية الله -سبحانه وتعالى-: كل ما جاء في القرآن الكريم من أن الله -تعالى- موصوف بكونه هو الخالق؛ كقوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[الحشر: 24]، أو أنه هو الخلاق؛ كقوله عزَّ من قائل: (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ)[يس:81]، وما ورد بأنه خالق كل شيء؛ كقوله -سبحانه وتعالى-: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ)[الأنعام: 102]، أو أنه خلق كل شيء؛ كما قال -جل وعلا-: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[الأنعام: 101]؛ فإذا كان الله هو الخالق الذي أوجد كل شيء؛ فهو إذن السابق الأزلي الذي لا بداية له؛ لأن ما له بداية مخلوق من قبل غيره.

 

أيها المؤمنون: وأما الأدلة على صفة الكمال المطلق له -عز وجل-؛ فالمسلمون قد أجمعوا على الاعتقاد بأنَّ الله -سبحانه وتعالى- قد اتصف بأقصى درجات الكمال، وهو -جلَّ وعلا- منزه عن كل عيب ونقص مهما خف وقلَّ.

 

وإنَّ صفة الكمال وإن لم تأتِ صريحة في القرآن الكريم، إلا أنَّ آيات الكتاب قد دلت على هذه الصفة من عدة وجوه:

من تلك الوجوه أنَّه باستقراء نصوص القرآن نجد أنَّ المولى -جل وعلا- قد وصف نفسه بصفات الكمال؛ فهو -سبحانه- قد سمى نفسه بأسماء تدل على صفات كاملة، ثم وصف أسماءه تلك بالحسنى في العديد من الآيات، من ذلك قوله -سبحانه وتعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[الأعراف: 180]، وإذا كان الله -تعالى- موصوفًا بغاية الكمال في الحسن؛ فإنه يلزم من ذلك انتفاء كل ما يضاد ذلك من صفات النقص.

 

ومن ذلك -أيضًا-: ورود آيات كثيرة في القرآن الكريم فيها تسبيح الله -تعالى- والأمر به، والتسبيح في معناه التنزيه، وتنزيهه -جل وعلا- يتضمن أن ننفي عنه كل نقص؛ فإذا نفينا كل نقص عن الله -تعالى-، فإنَّه لا يبق من صفاته إلا ما يدل على الكمال، ولكون التنزيه يقتضي كمال الله -تعالى-، فإنَّه اقترن به في عدد من الآيات حمد الله -سبحانه وتعالى-، وذلك لأنَّه يشعر بهذا الكمال بل يستلزمه؛ كما في قوله تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصافات: 180 - 182].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسّلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد النّبي الأمي الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:

 

عباد الله: إذا علمنا مما سبق أن الله -تعالى- ينزه دائمًا نفسه عن كل نقص، وأن هذا التنزيه يلزم منه أنه لا يتصف إطلاقًا إلا بما يُحْمد عليه؛ فإنَّ الله -تعالى- أخبر عن نفسه أنه في هذه الصفات المحمودة عالٍ على صفات مخلوقاته، لا يدركه في شيء منها أحد، وهذا غاية الكمال؛ فقال الله -تعالى- في بيان علوه على جميع خلقه بذاته وصفاته؛ (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ)[غافر:14- 15]، وقال -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[الروم: 27]، وكذلك نفى ربنا -جل وعلا- أن يشابهه أحد من خلقه؛ فقال -تعالى-: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[الشورى:11]، وكل هذا يشير إشارة واضحة إلى غاية الكمال في صفات الله -تعالى-.

 

أيها المسلمون: كذلك مما يدل على كماله -جل وعلا- أن الله سمى نفسه بأسماء، يدل كل واحد منها على عموم كماله -تبارك وتقدس- وبراءته من جميع النقائص؛ ومن ذلك: اسم الله القدوس، قال الله -تعالى-: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ)[الجمعة:1]، ومعنى القدوس: هو الطاهر المنزه عن العيوب، كذلك سمى الله -تعالى- نفسه السّلام، قال الله -تعالى-: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ)[الحشر:23].

 

فإذا عرفنا أن ربنا -جل وعلا- متصف بالأزلية وذلك أنه لا بداية له؛ فلم يسبقه شيء، ولا شيء كان قبله، وأنه -تبارك وتعالى- موصوف بصفات الكمال المطلق الذي لا نقص فيه وجب علينا أن نعظمه غاية التعظيم، والذي يستحقه من اتصف بتلك الصفات الجليلة، وأن تملأ قلوبنا الرهبة والخشية والإجلال والعظمة من تمام كماله وعظيم سلطانه.

 

كما ينبغي علينا أن نسعى نحو الكمال في عبادته والإخلاص له وحسن التذلل والخضوع له؛ فالكامل -جلَّ وعلا- يستحق منا غاية الجهد للوصول لرضاه وما يستحقه، وأن نراقبه في كل تصرفاتنا، وأن نحاسب أنفسنا على كل فعل نقدم عليه، وأن لا نفعل ما يغضب علينا ربنا ومولانا المتفرد بصفات الجمال، وأعظم معاني الجلال.

 

هذا وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة عليه؛ فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات