أذى الآبار المكشوفة

راشد بن عبد الرحمن البداح

2022-02-18 - 1443/07/17 2022-02-24 - 1443/07/23
عناصر الخطبة
1/حفظ الدين للنفس 2/من أمثلة حفظ الدين للنفس 3/من فضائل إماطة الأذى عن الطَّريق 4/الحث على التبليغ عن الحفر المكشوفة

اقتباس

وَمِنْ عَجَائِبِ المَسَائِلِ التِيْ طَرَحَهَا الفُقَهَاءُ لِحِفْظِ النَّفْسِ أَنَّهُمْ قَالُوْا: "لَوْ وَضَعَ رَجُلٌ حَجَرًا عَلَى الْأَرْضِ بِقُرْبِ بِئْرٍ، فَعَثَرَ فِيهِ إنْسَانٌ وَوَقَعَ فَمَاتَ, فَالدِّيَةُ عَلَى مَنْ وَضَعَ الْحَجَرَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي التَّسَبُّبِ...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحَمْدُ للهِ الذِيْ جَعَلَ لَنَا دِيْنًا هُوَ خَيْرُ الأَدْيَانِ، وَأَنْزَلَ لَنَا كِتَابًا هُوَ خَيْرُ الكُتُبِ، وَأَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُوْلاً هُوَ خَيْرُ الرُّسُلِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهَ تَسْلِيْمًا كَثِيْرًا.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ دِيْنَنَا عَظِيْمٌ مُتَكَامِلٌ، حَفِظَ لِلْإِنْسَانِ ضَرُوْرَاتِهِ الخَمْسَ، أَلَا وَهِيَ: دِيْنُهُ، وَعَقْلُهُ، وَعِرْضُهُ، وَمَالُهُ، وَنَفْسُهُ, فَأمَّا حِفْظُ النَّفْسِ فَهُوَ العَجَبُ العُجَابُ، سَوَاءٌ حِفْظُ نَفْسِكَ، أَوْ حِفْظُ نُفُوْسِ الآخَرِيْنَ.

 

وَخُذْ عَجَائِبَ الْأَمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ:

قَالَ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ لَهُ حِجَارٌ، فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ"(سنن أبي داود, وصَحَّحَهُ الأَلْبَانِي)؛ ومَعْنَاهُ مَنْ نَامَ عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ عَلَى حَوَافِّهِ جِدَارٌ، فَقَدْ تَصَدَّى لِلْهَلَاكِ، وَصَارَ كَالَّذِي لَا ذِمَّةَ لَهُ, حَتَّى وَلَوْ لَمْ يَسْقُطْ!, وَهُوَ تَهْدِيْدٌ شَدِيْدٌ، فِيْ مَنْعِ اضْطِجَاعِ الرَّجُلِ فِي مَوْضِعٍ مَخُوْفٍ، وَهَذَا مِنْ شَفَقَتِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى أُمَّتِهِ؛ لِكَوْنِهِ كَالْأَبِ، بَلْ أَرْحَمُ.

 

وَمِنْ عَجَائِبِ المَسَائِلِ التِيْ طَرَحَهَا الفُقَهَاءُ لِحِفْظِ النَّفْسِ أَنَّهُمْ قَالُوْا: "لَوْ وَضَعَ رَجُلٌ حَجَرًا عَلَى الْأَرْضِ بِقُرْبِ بِئْرٍ، فَعَثَرَ فِيهِ إنْسَانٌ وَوَقَعَ فَمَاتَ, فَالدِّيَةُ عَلَى مَنْ وَضَعَ الْحَجَرَ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ فِي التَّسَبُّبِ"(البحر الرائق شرح كنز الدقائق).

 

أيُّهَا المُؤْمِنُونَ: ومِنْ مَحَاسِنِ شَرْعِنَا القَوِيْمِ أَنَّهُ جَعَلَ للْعَمَلِ الذِيْ يَحْفَظُ النَّفْسَ أُجُوْرًا، وَمِنَ الْأَمْثِلَةِ العَجِيْبَةِ أَنْ جَعَلَ أُجُوْرًا عَدِيْدَةً لِإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيْقِ، مَعَ أَنَّهَا أَدْنَى شُعَبِ الْإِيمَانِ, والمَقْصُوْدُ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى: أيْ إِزَالَةُ الْمُؤْذِي عَنِ الْمَارَّةِ، مِنْ شَوْكٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ قَذَرٍ، أَوْ إِطَارٍ مُنْسَلِخٍ، أوْ حُفْرَةٍ، أَوْ حَيَوانٍ بِطَرِيْقِ السَّيَّارَاتِ.

 

فَإِلَيْكَ ثَمَانَ فَضَائِلَ لِعَمَلٍ وَاحِدٍ، أَلَا وَهُوَ إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيْقِ:

فَهَلْ تُرِيْدُ أّنْ يَغْفِرَ اللهُ ذُنُوبَكَ؟!؛ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ"(صحيح مسلم), وَهَذا عَجِيْبٌ فِي أَنَّ قَلِيلَ الْخَيْرِ يَحْصُلُ بِهِ كَثِيرُ الْأَجْرِ, وَالأَعْجَبُ أَنَّهُ أَخَّرَ الغُصْنَ فَقَطْ فَأُجِرَ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ قَطَعَهُ!, وقَوْلُهُ: "فَشَكَرَ اللهُ لَهُ" يقْتضِيْ أَمْرَ الْمُؤمنِينَ بِشُكْرِهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِجَمِيْلِ فِعْلِهِ.

 

هَلْ تُرِيْدُ أّنْ تَدْخُلَ الجّنَّةَ بِعَمَلٍ يّسِيْرٍ؟!؛ قَالَ رَسُولُنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ -أَيْ: يَتَنَعَّمُ بِمَلَاذِهَا-؛ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ، كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ, فَقَالَ: وَاللهِ لَأُنَحِّيَنَّ هَذَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ لَا يُؤْذِيهِمْ؛ فَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ"(صحيح مسلم).

 

هَلْ تُحِبُّ أنْ تُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ؟!؛ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ عَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ، أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ؛ فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنِ النَّارِ"(صحيح مسلم)؛ أَيْ: أَبْعَدَهَا.

 

أَتُرِيْدُ أَنْ تَتَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، دُوْنَ أَنْ تَدْفَعَ رِيَالاً؟!؛ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِمَاطَتُكَ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ"(سنن أبي داود)؛ أَيِ: إِنَّهُ تَسَبَّبَ بِسَلَامَةِ مَنْ يَتَأَذَّى، فَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ.

 

هَلْ تَتَمَنَّى أَنْ يَدْفَعَ اللهُ عَنْكَ مَا يَضُرُّكَ وَيَشُقُّ عَلَيْكَ؟!؛ قَالَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ ضارَّ؛ ضَارَّ اللهُ بِهِ, وَمَنْ شاقَّ؛ شَقَّ اللهُ عَلَيْهِ"(سنن الترمذي)؛ قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ سِعْدِي: "مَفْهُوْمَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَزَالَ الضَّرَرَ وَالمَشَقَّةَ عَنِ المُسْلِمِ فَإِنَّ اللهَ يَجْلِبُ لَهُ الخَيْرَ، وَيَدْفَعُ عَنْهُ الضَّرَرَ وَالمَشَاقَّ؛ جَزَاءً وِفَاقَاً".

 

هَلْ تُرِيْدُ أنْ تَتَعَلَّمَ شَيْئًا تَنْتَفِعُ بِهِ؟؛ قَالَ أَبُو بَرْزَةَ: "يَا نَبِيَّ اللهِ! عَلِّمْنِي شَيْئًا أَنْتَفِعُ بِهِ", قَالَ: "اعْزِلِ الْأَذَى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ"(صحيح مسلم).

 

هَلْ تَرَى أْنَّه لَيْسَ لَكَ أَعْمَالٌ تَطَوُّعيةٌ؟!؛ إِذًا خُذْ هَذَا العَمَلَ التَّطَوُعِيَّ الجَلِيْلَ, قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "حُوسِبَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ, فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ مِنَ الْخَيْرِ إِلَّا غُصْنُ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ, كَانَ يُؤْذِي النَّاسَ فَعَزَلَهُ؛ فَغُفِرَ له"(صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَجَوَّدَهُ ابْنُ المُلَقِّنِ).

 

وَالذِيْنَ يُمِيْطُوْنَ الأَذَى عَنْ طَرِيْقِ الْمُسْلِمِينَ هُمْ قُدُوَاتٌ حَسَنَةٌ، تَجْرِيْ لَهُمْ حَسَنَاتُهُمْ, عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، فَمَرَرْنَا بِأَذًى فَنَحَّاهُ عَنِ الطَّرِيقِ، فَرَأَيْتُ مِثْلَهُ فَأَخَذْتُهُ فَنَحَّيْتُهُ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: "يَا ابْنَ أَخِي! مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟, قُلْتُ: يَا عَمِّ! رَأَيْتُكَ صَنَعْتَ شَيْئًا فَصَنَعْتُ مِثْلَهُ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "مَنْ أَمَاطَ أَذًى عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَمَنْ تُقُبِّلَتْ مِنْهُ حَسَنَةٌ دَخَلَ الْجَنَّةَ"(رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَحَسَّنَهُ الهَيْثَمِيُّ وَالسُّيُوْطِيُّ وَالأَلْبَانِيُّ).

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحَمْدُ للهِ وَكَفَى، وَصَلاةً وَسَلامًا عَلَى النَّبِيِ المُصْطَفَى.

 

أَمَّا بَعْدُ:  فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ الأُجُوْرَ الْكَثِيْرَةَ لِمَنْ أَمَاطَ أَذًى يَسِيْرًا عَنْ طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، فإنَّ أَعْظَمُ مِنْهُ أَجْرًا مَنْ يُبَلِّغ عَنْ حُفْرَةٍ خَطِرَةٍ، أَوْ بِئْرٍ مَهْجُورَةٍ أَوْ مَكْشُوفَةٍ لَيْسَ عَلَيْهَا حَاجِزٌ؛ وَذَلِكَ عَنْ طَرِيْقِ تَطْبِيْقِ وَزَارَةِ البِيْئَةِ وَالمِيَاهِ وَالزِّرَاعَةِ أَوْ مَوْقِعِهَا الْالِكْتُرُوْنِيِّ، أَوْ بِالِاتِّصَالِ عَلَى 939.

 

مَعَاشِرَ المُسْلِمِيْنَ: أَلَا تَعْجَبُونَ؟! كَيْفَ أَنَّ اللهَ بِحِكْمَتِهِ جَعَلَ العَالَمَ بِأَسْرِهِ يَتَعَاطَفُ لِأجْلِ طِفْلٍ اسْمُهُ رَيَّانُ -جَعَلَهُ اللهُ شَفِيْعًا لِوَالِدَيْهِ-، وَنبَّهَنا رَبُّنَا بِلُطْفِهِ لِنَحْذَرَ، وَصَارَ مِنْ آَثَارِ رَيَّانَ خُطْبَةُ اليَوْمِ.

 

وَكَمْ لِلَّهِ مِنْ لُطْفٍ خَفِيِّ *** يَدِقُّ خَفَاهُ عَنْ فَهْمٍ ذَكِيِّ

 

فاللهمَ الْطُفْ بِنَا في تَيْسِيْرِ كُلِ عَسِيْرٍ، وَاجْعَلْنَا مِنَ المُعْتَبِرِيْنَ, اللهم احفظْ علينا دينَنا وأنفسَنا وأعراضَنا، وارزقْ نساءَنا مزيدَ التبصرِ بكيدِ متبعي الشهواتِ، الذين يريدونَ أن نميلَ ميلاً عظيمًا, اللهم حسّنْ أخلاقَنا، وباركْ أرزاقَنا واقضِ ديونَنا. واجمعْ شؤونَنا، وأرخِصْ أسعارَنا، وأغزِرْ أمطارَنا، وآمِنْ أوطانَنا. وصُدَ عنا غاراتِ أعدائِنا المخذولينَ وعصاباتِهِم المتخوِنينَ, اللهم احفظْ ولاةَ أمرِنا وسددهُم، وارزقهُم بطانةَ الصلاحِ، وانصرْ مجاهدِينا ومرابطينا، واحفظهم من كلِّ الجهات.

 

اللهم صلِّ وسلِّمْ على عبدِكَ ورسولِكَ محمدٍ.

المرفقات

أذى الآبار المكشوفة.pdf

أذى الآبار المكشوفة.doc

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات