أدوار الخطيب السبعة

شريف عبدالعزيز - عضو الفريق العلمي

2021-10-20 - 1443/03/14
التصنيفات: وعي الخطيب

اقتباس

فما زالت الخطابة وستظل من أنجح الوسائل التي يلجأ إليها المصلحون والعلماء والدعاة والقادة في كل العصور لتحريك العقول، وإيقاظ القلوب وبث الثقة في النفوس، وكم من خطبة أحدثت تحولًا في عادات...

صلاة الجمعة من أعظم شعائر الإسلام، وأجمع فرائضه، وأكثرها توكيداً، وأعظمها شهوداً؛ إذ يلتزم المسلمون في كل أنحاء العالم التزاماً دينياً بالاستماع لخطبة الجمعة، وهذا يعني أن هنالك رسالة يجب أن يتلقاها المسلمون كل أسبوع، وهذه ميّزة لا يشارك الإسلام أو ينافسه فيها أحد، وهي فرصة كبيرة ومتجددة لتشكيل وعي عام بكل مسألة من مسائل الدين، أو حدث من أحداث الدنيا، وهي كذلك مسؤولية كبيرة لا يتحملها الخطيب وحده، بل الدولة والمجتمع وعامّة الناس.

 

فما زالت الخطابة وستظل من أنجح الوسائل التي يلجأ إليها المصلحون والعلماء والدعاة والقادة في كل العصور لتحريك العقول، وإيقاظ القلوب وبث الثقة في النفوس، وكم من خطبة أحدثت تحولًا في عادات الناس وتصوراتهم، وكم من خطبة فتحت باب الأمل والتوبة لدى بعض السامعين؛ وكم من خطبة أطفأت ثائرة فتنة، وكم من خطبة أثرت في تثبيت القلوب في أوقات الأزمات والأخطار.

 

كل هذه الأمور الكبار تلقي على خطيب الجمعة ومن يعتلي أقدس المنابر -منبر الجمعة- تبعات ثقيلة ومهاماً كثيرة وأدواراً عديدة داخل وخارج المسجد، من أبرزها دور القائد التربوي المصلح.

 

فمن المعلوم أن الخطيب له دور كبير، وأثر بالغ داخل مجتمعه، أثر في بيئته وجمهوره وحتى سامعيه في البيوت عبر الوسائط؛ فهو الموجه والمربي والمفتي والموجه والمحتسب والناصح والمشير، وبقدر إخلاصه وصلاح نيته وجهده، يضع الله -تعالى- له القبول في الأرض ويفتح له قلوب العباد وآذانهم، حتى أننا قد رأينا وشهدنا بعض الخطباء ممن استكمل هذه الشروط وقام بكل الأدوار المطلوبة منه، قد صارت وجاهته تفوق وجاهة أصحاب المقامات والذيوع والشيوع في المجتمع! وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان.

 

ويستطيع الخطيب أن يلعب في مجتمعه سبعة أدوار في غاية الأهمية من أجل تحقيق رسالته السامية في قيادة سفينة المجتمع نحو بر الأمان، وتوجيهها في أوقات الفتن والأزمات، هذه الأدوار كالآتي:

1- دور العالم: ولا نقصد بهذا الدور؛ دور كبار العلماء والمفتين ورؤوس الناس من ذوي الهيئات، ممن استكمل الشروط المطلوبة واللائقة لوصفه بالعالم، ولكن نقصد بالعالم؛ القادر على تلبية الدور العلمي لجماعة مسجده، والإجابة على تساؤلاتهم المشروعة.

 

فالخطيب بالنسبة لجمهوره من شهود الجمعة وأهل المسجد؛ المرجعية العلمية التي يفزع إليها الناس عند السؤال، وهذا أمر معلوم بالضرورة من حال أهل المساجد؛ فهم دائماً يرون في خطيب الجمعة؛ العالم والمؤهل للفتيا وحل المشكلات، سواء كان هذا الخطيب مؤهل لذلك أو غير مؤهل؛ فهو مسئول -لامحالة- من أهل مسجده. لذلك ينبغي لخطيب الجمعة أن يؤهل نفسه جيداً ويتسلح بذخيرة علمية مناسبة قبل أن يعتلي المنبر، ويصير مهبط آمال السامعين ومفزعهم عن السؤال.

 

وهذا التأهل له صور عديدة من أهمها وأوكدها:

الدراسة الشرعية النظامية في أحد المعاهد أو الكليات الدعوية والتي توفر منهجاً عملياً ملائماً لدور الخطيب.

 

ومنها: إثراء مكتبة الخطيب بالعديد من الكتب العلمية وشروح السنّة وفتاوى أهل العلم المعتبرين؛ ليقوم بدور ناقل الفتوى للسائلين أو محيلهم على من يجيب، ومنها تبادل الكفاءات والمهارات من خلال الاحتكاك بالخطباء المميزين أو استضافة العلماء الثقات والدعاة المعروفين من أجل إلقاء الدروس وعقد المحاضرات في المسجد، وفتح باب السؤال من الحاضرين، وبناء جسور التواصل بين الجمهور وأهل العلم لتعوديهم على سؤالهم واللجوء إليهم عند النوازل، بدلاً من سؤال غير المؤهلين أو الإبحار في مواقع الأنترنت بعجرها وبجرها بحثاً عن الإجابة.

 

2- دور المربي: خطيب الجمعة هو إمام المسجد وقائده المرابط فيه طوال أيام الأسبوع؛ فالخطابة ليست وظيفية حكومية لا يبحث فيها الموظف إلا عن راتبه آخر الشهر! بل هي وظيفية ربانية ومهمة نبوية يرقى فيها المخلصون لمرتبة وراثة الأنبياء الذين لا غاية لهم في الحياة إلا إبلاغ الرسالة وإصلاح المجتمعات؛ لذلك فحضور الإمام الخطيب للصلاة حضوراً مميزاً وهاماً؛ فهو يحتك بالناس يومياً، ويرى ببصيرة المؤمن المخلص عيوبهم وسلبياتهم، ويعرف الأمراض المجتمعية المنتشرة في البيئة المحيطة بالمسجد، من ثم فهو يتحرك ويضع برامجه الدعوية وموضوعاته الخطابية وفق قراءته لبيئته بسلبياتها وإيجابياتها. وقد اعتبر أهل العلم أن الخطيب الذي يتكلم عن حرمة الربا في مجتمع ينتشر فيه الزنا والفاحشة هو نوع من الجهل أو الخيانة لأمانة البلاغ والإصلاح.

 

3- دور المراقب: وقد يستغرب البعض من هذا الدور الغائب بالفعل من أجندة عمل غالب خطباء العصر؛ فالرقابة تعد من أهم أدوات الإنجاز وتحقيق الأهداف في العصر الحديث، والأجهزة الرقابية هي الأعلى في سلم المؤسسات الحاكمة في أي دولة.

 

ودور الخطيب الرقابي المقصود به متابعة ورصد الظواهر السلبية التي تظهر في المجتمع، ومدى انتشارها وخطورتها وتأثيرها على أفراد المجتمع، والرقابة والرصد والبحث الجيد لأوضاع المجتمع ومستجداته، هي أدوات الخطيب في بناء خطته الدعوية وكتابة موضوعات خطبته، وتمكنه من القيام بالدور الرابع والأهم في سلسلة أدوار الخطيب السبعة.

 

4- دور الناصح: في القرآن الكريم تكرر وصف رسل الله بالناصح الأمين، وسورة الأعراف على وجه الخصوص بينت أن النصح من أهم أدوار الرسل، ومن ثم فإن النصح والتوجيه وإرشاد الناس إلى مواطن الخير وتحذيرهم من مواطن الشر، من آكد أدوار الخطباء؛ فالدين النصيحة، وبايع الصحابة الرسول -صلى الله عليه وسلم- على النصح لكل مسلم، ودور الخطيب التوجيهي والإرشادي يمتد لخارج المسجد، ويطال الحاضرين والغائبين، والمسلمين وغير المسلمين؛ فدعوة الخطيب ورسالته عامة وشاملة، والأبواب كثيرة، والنوازل تتجدد، والهجمات عاتية على المجتمعات المسلمة، والشباب في مرمى النيران، والقصف مستمر، وأي تقصير من الخطيب في النصح والتوجيه والإرشاد ستكون عواقبه وخيمة.

 

5- دور المخالط: فالخطيب لا يعيش في بوتقة منعزلة عن مجتمعه؛ فهو فاعل ومتفاعل، ومؤثر ومتأثر، ومن عيوب الكثير من الخطباء؛ المسارعة إلى دخول غرفهم الخاصة بعد الانتهاء من الخطبة أو الصلاة، وغلق الأبواب عليهم، غير مبال باحتياج الناس لمن يشاركهم في أوضاعهم وأفراحهم وأتراحهم، وهذا على خلاف هدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي كان لا يحتجب عن الناس مطلقاً؛ فقد كان يلبي الدعوة، ويشهد الأفراح والجنائز، ويجيب السائل، ويعلّم الجاهل، ويرشد الحائر، ويمشى مع الكبير والصغير، والرجل والمرأة، حتى يتعرف عل حاجتهم ويقضيها لهم بأبي هو أمي -صلى الله عليه وسلم-.

 

والخطيب عندما يخالط الناس ويشاركهم في أوضاعهم الاجتماعية تنفتح أمامه كثير من الأمور التي كان يجهلها، وتنفتح أمامه مجالات جديدة للدعوة، خاصة مع هؤلاء الغارقين في غفلتهم من الذين لا يشهدون الجماعة وربما الجمعة أيضا.

 

6- دور القدوة: وهو من الأدوار الصامتة التي يستخدم فيها الخطيب أفعاله في التأثير على السامعين والبيئة المحيطة بمسجده؛ فمن وافقت أفعاله أقواله، كان أقوى له، ومن خالفت أقواله أفعاله، كانت أفعى له؛ فعيون السامعين معلقة بمن يعتلي المنبر، وينزل منزل النبوة في الدعوة والإرشاد، يستمعون إلى أقواله، ثم يزنون عليها أفعاله، والخطيب يستطيع أن يقنع ويؤثر في سامعيه، حتى ولو كانوا من مخالفيه، بأخلاقه السامية وأفعاله الراقية، كما كان مشركو مكة يعادون الرسول -صلى الله عليه وسلم- ويعذبون أتباعه وينكلون بهم، وفي نفس الوقت يضعون عنده أماناتهم وودائعهم، ولا يأتمنون عليها غيره!!.

 

7- دور المحاور: وقليل من يقوم بهذا الدور من الخطباء؛ لأن هذا الدور تحديداً يتطلب سعة صدر، وصبر، وحكمة ومهارة في تحديد موضوعات الحوار وإدارة دفته، وتوجهيه لصالح المجتمع بأسره. والرسول -صلى الله عليه وسلم- كان يجلس بين أصحابه عقب الانتهاء من الصلوات يتحدث معهم ويحاورهم ويسأل عن أحوالهم ومعايشهم، في نفس الوقت مع جرعات كبيرة من التربية والتزكية والتوجيه وحل المشكلات.

 

ودور الخطيب الحواري يثري التعاون بين أهل المسجد، ويزيد ممن روابط الإخاء والمحبة بينهم، ويعمل على تبادل الأفكار والخبرات، وينزع فتيل الخلافات بين الحاضرين، ويتعرف به الخطيب على حاجات الناس ورغباتهم، والمواضيع التي تشغل بالهم، كما يعمل الحوار على تغيير القناعات المغلوطة، والتصورات الخاطئة، خاصة مع الأمور الموروثة والتي تتناقلها الأجيال على أنها من الدين وهي ليست كذلك.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات