أخطاء الخطباء (2)

فريق النشر - ملتقى الخطباء

2021-01-26 - 1442/06/13
التصنيفات: تأصيل الوعي

اقتباس

وكما أن الابتذال في الهيئة عيب ومذموم، فكذلك الاعتناء الزائد على المشروع والخارج عن العرف، والذي ينبغي للخطيب الاعتدال في ذلك، وألا يخرج عن المعروف المألوف.

ذكرنا -أيها الفضلاء- عددا من أخطاء الخطباء في المقالة السابقة، وفي هذه نستكمل بإذن الله -تعالى- ما بقي منها، وإليكم ذلك:

سابعًا: عدم تطوير الخطيب نفسه:

ولأن وظيفة الخطابة من أوضع الوظائف في العائد المادي، فنرى الخطيب يبحث عن وظيفة أخرى يحاول أن يسد به حاجاته ولا يتسول الناس؛ بل هناك من الخطباء من يتسول الناس فعلًا وإن كانت بأشكال مختلفة، فلا يفرغ الخطيب لوظيفته، عاملًا بالمثل القائل: على قدر فلوسهم نعمل، ناهيك عن أن الخطيب ولو كانت هناك من الدول من تكفيهم حاجاتهم فهو لا يطور نفسه، فلا يكتسب مهارات جديدة تعينه على أداء وظيفته على أكمل وجه؛ كدورات في التخطيط، أو دورات في الإلقاء، أو دورات في البحث والإعداد أو غيرها، حتى تنكمش وظيفة الخطابة في إلقاء بعض كلمات يعرفها الناس، وربما سمعوها عشرات المرات، خاصة خطب المناسبات؛ بل ربما يكتفي الإمام بنقل خطبة أحد الخطباء المشاهير، راحة لباله، وتوفيرًا لجهده، ولو علم المسكين لرأى أن التعب في تجهيز خطبة متميزة لها أثر كبير في الأمة، لكن الأمة عن فكره غائبة.

 

إن الواجب على الخطباء أن يتقوا الله -تعالى- في خطبتهم، دون أن يتحجج البعض بأن وظيفة الإمامة والخطابة لا تكفي حاجاته وأهله؛ بل قليل من الجهد والتفكير يجعل الخطبة ناجحة لها أثر كبير، ولا ينسى الخطباء أن وظيفتهم امتداد لوظيفة الأنبياء والمصلحين، وأنهم مسئولون عنها أمام الله -تعالى- قبل أن تكون مسئولية وزارات الأوقاف، التي عليها الاهتمام بحقوق الأئمة والخطباء، وأن يغنوهم عن ذل المسألة، وأن يجزلوا لهم العطاء؛ لأن باستقرارهم يكون استقرار المجتمع، فإن كانت وزارات الداخلية تعالج الجريمة بعد وقوعها، فإن الخطباء يعالجون الجريمة قبل وقوعها(5).

 

ثامنًا: عدم تفاعل بعض الخطباء مع الخطبة:

لا يعرف الشوق إلا من يكابده *** ولا الصبابة إلا من يعانيها

 

وإذا لم يكن الخطيب جياش العاطفة، حي المشاعر، رقيق القلب، مرهف الإحساس خرجت كلماته ميتة لا حياة فيها ولا روح، وكان أشبه بالنائحة المستعارة، ولم تتجاوز كلماته الآذان.

 

فالعاطفة للخطبة كالروح بالنسبة للجسد، لكن ينبغي أن تكون هذه العاطفة موزونة بالعقل الرشيد، والرأي السديد، وأن تكون خاضعة وموافقة لأحكام الشرع المجيد.

 

فعن جابر بن عبد الله قال: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: "صبحكم ومساكم"(6).

 

إن الخطبة قد تشتمل على فنون شتى متغايرة؛ فقد تشتمل على الترغيب والترهيب، وعلى التحذير والتبشير، وقد تشتمل على ما يقتضي الحزن أو الفرح، أو الغضب أو الخوف، والخطيب الموفق يعطي كل مقام حقه من الانفعال والتغيّر.

 

وسبب هذا العيب في الغالب هو خروج الكلام من اللسان دون القلب، ومتى حصل ذلك لم تؤت الخطبة ثمارها.

 

والتفاعل الذي ننشده هو التفاعل الحقيقي الصادق، وليس التفاعل الصوري المتكلّف، فهذا يضر صاحبه، ويجعله هزأة عند المستمعين.

 

تاسعًا: عدم إتقانهم قواعد اللغة:

ومحاصرة العربية باللغات الأجنبية واللهجات العامية في ألسنة بعض الدعاة والأئمة، وهو خطر مضاعف لا يمكن التغاضي عنه، وكذلك تحدثهم بالعامية أو اللهجات الدارجة التي تستعمل في الحياة اليومية وفى المحادثات في المنزل والشارع، وجهلهم بأحكام التجويد، فقد يجهل البعض منهم صفات الحروف، تلك التي توضح طريقة نطق الحرف من مخرجه، ودرجة شدته ولينه، وجهره وهمسه، وجهلهم بمخارج الحروف، فمعرفة مخرج الحرف ليس الهدف منه فقط، وإنما التعرف على صفاته أيضًا.

 

عاشرًا: الجفاء والغلظة والقسوة على المخاطبين:

وذلك بتوجيه الألفاظ النابية وأصناف الشتائم وألوان السباب إليهم، وتنزيل نصوص الوعيد عليهم، واحتقارهم والتكبر والتعالي عليهم، وجرح مشاعرهم، من ذلك مثلًا أن يقول: إن أبناءكم قد بلغوا منتهى سوء التربية والخلق، وإن أزواجكم قد خرجن عن حدود الأدب...، وكان ينبغي له إذا اضطر إلى مثل هذا الكلام أن يدخل نفسه في جماعتهم، وأن يشعرهم بأنه فرد من أفرادهم، فيقول: إن أبناءنا...، وإن نساءنا.

 

ومن مساوئ هذه الآفة أن يمقت الناس الخطيب فلا يُصغُون إلى كلامه، ولا يستفيدون من وعظه، بالإضافة إلى ما يلزم من ذلك من تزكية الخطيب لنفسه وإعجابه بها، واغتراره وكبره.

 

ولتجنب ذلك ينبغي للخطيب أن يكون حكيمًا، وأن يستعمل التواضع والتودد والرفق واللين، وأن يشعر المخاطبين بأنه يريد نفعهم، وأنه حريص على نجاتهم في الدنيا والآخرة، قال الحافظ ابن حجر: "من آداب الخطيب في حال وعظه ألَّا يأتي بكلام فيه تفخيم لنفسه؛ بل يبالغ في التواضع؛ لأنه أقرب إلى انتفاع من يسمعه"(7).

 

حادي عشر: عدم الاعتناء بالهيئة:

وهذا خلاف السنة، فإذا كان من السنة لعموم الناس يوم الجمعة أن يغتسلوا، وأن يستنّوا، وأن يتطيبّوا، وأن يلبسوا من جميل الثياب، فكيف بالخطيب الذي ترمقه الأبصار وتتجه إليه الأنظار؟!

 

وإن الخطيب إذا ابتذل في مظهره احتقره الناس، وربما أهانوه، وصُرفوا عن الاشتغال بالإنصات إليه إلى الاشتغال بالنظر إلى هيئته.

 

وكما أن الابتذال في الهيئة عيب ومذموم، فكذلك الاعتناء الزائد على المشروع والخارج عن العرف، والذي ينبغي للخطيب الاعتدال في ذلك، وألا يخرج عن المعروف المألوف.

 

ثاني عشر: الصوت النمطي المطرد على وتيرة واحدة:

وذلك كأن يستوي عنده الاستفهام والتعجب والإنكار والإخبار والأمر وغير ذلك، ويستوي عنده أيضًا مقام الغضب ومقام الرضا، ومقام الفرح ومقام الحزن، ومن أسباب هذا العيب عدم تفاعله مع الموضوع أو عدم استيعابه له.

 

ومن أضراره أنه يصعب بسببه فهم كلامه، ويبعث الملل في نفوس السامعين، ويقذف فيهم النعاس، وتشرد أذهانهم؛ لأنه ليس في طريقة الإلقاء ما يشدهم ويلفت انتباههم.

 

ثالث عشر: مناقضة لسانه لحاله:

وهذا من أعظم العيوب وأخطرها، وأشدها ضررًا على الخطيب وعلى الدعوة، وما أكثر الآيات والأحاديث التي تذم الذي يقول ما لا يفعل، وتبين ما له من الوعيد يوم القيامة.

 

ثم إن ضررها على الدعوة محقق؛ لأن الناس ينظرون إلى الأفعال أكثر من نظرهم إلى الأقـوال، فإذا وجدوا تنافرًا بينهما كان ذلك فتنة لهم.

 

رابع عشر: اشتمالها على ألفاظ منكرة شرعًا أو عرفًا:

مثال الألفاظ المنكرة شرعًا أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان، أو يقول: من أطاع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما، أو يقسم بغير الله -تعالى- أو غير ذلك من الألفاظ المنهية.

 

عن عدي بن حاتم أن رجلًا خطب عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بئس الخطيب أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله فقد غوى"(8).

 

والمراد بالألفاظ المنكرة عرفًا ما اتفقت طباع القوم على استقباحه واستهجانه، فعلى الخطيب أن يتجنبه وأن يعدل عنه إلى بديل يعرفه القوم ولا ينكرونه، وهذا يختلف باختلاف البقاع والأصقاع، فربّ لفظ حسن شريف عند قوم قبيح هجين عند آخرين، وعليه يلزم من أراد أن يخطب في قوم أن يعرف لسانهم وعاداتهم وأعرافهم؛ حتى لا يقع فيما يصدهم عنه ويسقط في أعينهم.

 

خامس عشر: عدم مناسبة الخطبة للمخاطبين:

وسبب هذا العيب، في الغالب، هو الجهل بواقع المخاطبين وأحوالهم ومستوياتهم وأعرافهم، فلا يراعي في خطبته المستوى العلمي واللغوي لدى المخاطبين، فيتناول موضوعًا يفوق أفهامهم، ويستعمل ألفاظًا لا يدركها أكثرهم، ولتحاشي هذه الآفة على الخطيب أن ينوع في استعمال المرادفات حتى يقع على اللفظ الذي يفهمه السامع، ويصل به إلى المعنى الذي يريد أن يبلغه.

 

وعن بعض الأدباء: وليس يشرف المعنى بأن يكون من معاني الخاصة، وكذلك ليس يتصنع بأن يكون من معاني العامة، وإنما مدار الشرف على الصواب، وإحراز المنفعة من الخطاب، مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقام من المقال، فمن تمكن من البلاغة في البيان على أن يفهم العامة معاني الخاصة، ويكسو الخطبة بالألفاظ المتوسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفاء فهو البليغ التام والخطيب المصقع(9).

 

وقال بشر بن المعتمر: "ينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني، ويوازن بينها وبين أقدار المستمعين وبين أقدار الحالات، فيجعل لكل طبقة من ذلك كلامًا، ولكل حالة من ذلك مقامًا، حتى يقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني، ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات"(10).

 

نصائح للخطيب:

وبعد: ننصحك، أخي الخطيب، ببعض النصائح المفيدة، التي تعينك على النجاح في خطابتك، وهي:

1- اغتنام فرصة نشاط النفس، وفراغ البال لإعداد الخطبة، فإن قليل تلك الساعة أكرم جوهرًا، وأشرف حسبًا، وأحسن في الأسماع، وأحلى في الصدور، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين وغرة من لفظ شريف، ومعنى بديع.

 

2- الحذر من التوعر، فإنه سبيل التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك المعاني، ويشين الألفاظ.

 

3- التماس الألفاظ الكريمة للمعاني الكريمة، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف.

 

4- صون اللفظ والمعنى عما يفسدهما ويهجنهما.

 

5- الحرص على أن يكون اللفظ رشيقًا عذبًا، وفخمًا سهلًا، وأن يكون المعنى ظاهرًا مكشوفًا، وقريبًا معروفًا، سواء عند الخاصة إن كانت الخطبة للخاصة، أو عند العامة إن كانت الخطبة للعامة(11).

 

لقد حقَّقت دعوة الرسول الكريم انقلابًا عجيبًا في كيان الإنسان؛ بفضل ما كان يمتلكه من وسائلَ فعَّالةٍ ناجحة في الدعوة إلى الله، فقد تحوَّل ذلك الإنسان من محبٍّ عاشق للدنيا، يموت ويحيا من أجلها، لا يُفكِّر أبعد من شهوته وبطنه، إلى إنسان يفكر، ويجول نظره في الكون الفسيح، إلى ما وراء ذلك من الشوق إلى نعيم الآخرة ولذَّتها، يحمل همَّ الدعوة والجهاد في سبيل الله، وإخراج من حوله من البشر من ظلم العباد إلى عدل الإسلام ومساواته، ومن عبادة الحجر والبشر إلى عبادة الديان الذي لا يموت(12).

 

______________

(1) سبعة أسباب لخطبة منفرة، إسلام أون لاين.

 

(2) أخرجه مسلم (867).

 

(3) فتح الباري (2/ 217).

 

(4) أخرجه مسلم (870).

 

(5) مستفاد من العقد الفريد (4/ 55-56).

 

(6) البيان والتبيين (1/ 138-139).

 

(7) المصدر السابق (1/ 135-136).

 

(8) اختيار الوقت في الموعظة، موقع: الألوكة.

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات