أخضعوا أنفسكم لمراقبة الله -عز وجل- (2)

أحمد شريف النعسان

2016-10-05 - 1438/01/04
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/ أثر عدم مراقبة الله على الأسرة 2/ بعض صور الخيانة 3/ حث العصاة على مراقبة الله وتحذيرهم من الغفلة 4/ انتفاع التائب بالتوبة في الدنيا 5/ ثمرات مراقبة الله

اقتباس

إن عدم مراقبتنا لله في أمورنا المالية أدى إلى أكل الحرام -والعياذ بالله-, ومن أكل الحرام وشرب الحرام وغُذِّي بالحرام لن يُوَفَّق للطاعات, بل هذا الفساد سينتقل إلى الأسرة -والعياذ بالله-؛ لأن من أكل الحرام قد يخون زوجته, ومن أكلت الحرام قد تخون زوجها؛ لأن...

 

 

 

الخطبة لأولى:

 

الحمد لله رب العالمين, وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: لقد ذكرت لكم في الأسبوع الماضي بأنه يجب على كل فرد فينا أن يُخضِع نفسه لمراقبة الله -عز وجل-؛ لأن مولانا يقول: (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

 

ولأن سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- يقول: "الإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ, فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" [رواه البخاري ومسلم].

 

وإذا راقب كل واحد منا نفسه وأخضعها لمراقبة الله -عز وجل- صلح الفرد, وإذا صلح الفرد صلحت الأسرة, وإذا صلحت الأسرة صلح المجتمع -بإذن الله تعالى-.

 

وإن الفساد الذي نراه في مجتمعنا على جميع المستويات ما سببه إلا عدم إخضاع أنفسنا لمراقبة الله -عز وجل-, وأقول لكل واحد فينا على جميع مستوياتنا: لنتذكر -أيها الإخوة- قول الله -عز وجل-: (إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1], وقول الله -تعالى-: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ) [الصافات: 24]، وقول الله -تعالى-: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُون) [الحجر: 92 - 93]، وقوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى) [العلق: 14].

 

تكلَّمنا في الأسبوع الماضي عن وجوب مراقبة الله -عز وجل- في الأمور المالية, كيف يجب أن يكون الدائن والمَدين, وضرب لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المثل الرائع عن المدين الذي أرسل الواجب الذي عليه بالخشبة, وعن الدائن الذي قال للمدين: لقد أدى الله عنك الذي بعثت في الخشبة.

 

أيها البائع وأيها المشتري: أخضع نفسك لمراقبة الله -عز وجل-, أيها المؤجر وأيها المستأجر, أيها الشريك, أيها الزوج, أيتها الزوجة, أيها المستأمن على أموال الآخرين, أيها الدائن والمدين: أخضعوا أنفسكم لمراقبة الله -عز وجل- حتى يصلح الله لنا أحوالنا المادية والمعاملات المالية.

 

منشأ الفساد في الأمور المالية كلها سببه غفلتنا عن الله -عز وجل-, وعدم مراقبتنا له تبارك وتعالى, وانظروا إلى الواقع الذي يصدق ذلك.

 

أيها الإخوة: إن عدم مراقبتنا لله -عز وجل- في أمورنا المالية أدى إلى أكل الحرام -والعياذ بالله تعالى-, ومن أكل الحرام وشرب الحرام وغُذِّي بالحرام لن يُوَفَّق للطاعات, بل هذا الفساد سينتقل إلى الأسرة -والعياذ بالله تعالى-؛ لأن من أكل الحرام -والعياذ بالله- قد يخون زوجته, ومن أكلت الحرام قد تخون زوجها؛ لأن الغافل عن الله -عز وجل- ينتقل من معصية إلى معصية, ومن كبيرة إلى كبيرة.

 

أيها الإخوة: القرآن العظيم يحدِّثنا عن امرأة ما أخضعت نفسها لمراقبة الله -عز وجل-, وكانت من الغافلين, يحدِّثنا عنها القرآن الكريم كيف كانت تنتقل من معصية إلى معصية ومن كبيرة إلى كبيرة.

 

أولاً: خانت زوجها: فهذه امرأة العزيز ما كانت تراقب الله -عز وجل-, والمرأة إذا لم تراقب الله -عز وجل- تقع في جريمة الخيانة, وتجرُّ العار لزوجها ولأصولها ولفروعها, هذه المرأة تطلَّعت إلى غير زوجها لغفلتها عن الله -عز وجل-, يقول الله -تعالى-: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ) [يوسف: 23].

 

لقد خانت الجميع, خانت زوجها, وخانت أصولها, وخانت فروع أصولها بسبب غفلتها عن الله -عز وجل-.

 

ما أكثر الخيانة في المجتمع من قبل بعض النساء, ونست بعض النساء شرفها وجرَّت العار على عائلتها, وهذا أدى إلى ارتكاب الجرائم في المجتمع من قتل وتشريد.

 

ثانياً: ووقعت في الظلم: هذه المرأة التي خانت زوجها بسبب عدم مراقبتها لله -عز وجل- وقعت في معصية ثانية أشدَّ من الأولى, ألا وهي ظلم الأبرياء واتهامهم بالباطل, وما أعظمها من جريمة.

 

امرأة العزيز هي التي راودت سيدنا يوسف -عليه السلام-, وهي التي هيأت له الأجواء كلَّها لارتكاب الفاحشة, ولكن كان يراقب الله -عز وجل- فقال لها: (مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [يوسف: 23].

 

عرفها ظالمة ومتعدِّية, والظالم ماذا تتوقع منه؟ يحدِّثنا عنها القرآن العظيم بقوله جلَّت قدرته: (وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [يوسف: 25] يحلفْنَ وهُنَّ الكاذبات, ويظلمْنَ وهُنَّ الظالمات, ما هذا؟

 

نعم الغافل توقَّعْ منه كلَّ مخالفة.

 

قالت بكلِّ جرأة لزوجها: (مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) مع أنها تعرف نفسها بأنها كاذبة وأنها هي الظالمة, ولكن الغفلة أمرها عجيب, وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما حذَّر من الكذب بقوله: "وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ, فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ, وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ, وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا" [رواه مسلم].

 

فبكذبها وصلت إلى ما وصلت إليه, وصلت إلى الخيانة, ووصلت إلى أن تجعل البريء متَّهماً, وتجعله في السجن بدون مبالاة.

 

ثالثاً: وأصرَّت على المعصية: وهذه معصية أشدّ من أخواتها؛ لأنه ليست المشكلة في المعصية, ولكنَّ المشكلة في الإصرار عليها, ومن الذي يصرُّ على المعصية؟ إنه الغافل عن الله -عز وجل-, إنه الذي ما أخضع نفسه لمراقبة الله -عز وجل-, امرأة العزيز وقعت في الخيانة الزوجية, ووقعت في ظلم البريء, وأصرَّت على المعصية جهاراً نهاراً فقالت كما أخبر عنها مولانا -عز وجل-: (فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ) [يوسف: 31 - 32].

 

إصرار على المعصية مع شدَّة الظلم والإصرار على المخالفات الشرعية, سبب ذلك أن هذا العبد ما عرف الله -تعالى-, وما عرف نفسه, فاستكبر وتجبَّر وطغى -والعياذ بالله تعالى-.

 

أيها الإخوة: أنا أقول لكلِّ غافل: يا أيها الغافل من الرجال أو النساء اعلم بأنك مراقَبٌ من قبل الله, أيها الغافل لست بمغفول عنك, أيها الغافل: تذكَّر قول الله -عز وجل-: (وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ) [إبراهيم: 42].

 

وتذكَّر قول الله -عز وجل-: (وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [البقرة: 149]، (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُون * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [القلم: 44 - 45].

 

تذكَّرْ -أيها الغافل- قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) [الأنعام: 44]، وقوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) [الأعراف: 165].

 

أيها الغافل: ربُّك ليس بغافل, ربك يُمْهِل ولا يُهْمِل, ربك رحيم حليم, وإذا أخَذَ أخَذَ أخْذَ عزيز مقتدر, فاحذر أيها الغافلُ الحليمَ إذا غضب.

 

أيها الغافل: الجزاء من جنس العمل, والقصاص عاجلاً أم آجلاً, والحقائق ستنجلي إما في الدنيا وإما في الآخرة, فما أنت قائل إذا انجلت الحقائق؟

 

إذا انجلت الحقائق في الدنيا فأمرها يسير؛ لأنه بإمكانك أن تصلح أحوالك, وأن تتوب إلى الله -عز وجل-, أما إذا خُبِّئت لك إلى يوم القيامة حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم, فما أنت فاعل إذا كانت الحقائق تنجلي على رؤوس الأشهاد في يوم لا تنفع فيه التوبة, ولا ينفع فيه الندم: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون) [آل عمران: 106 - 107].

 

أيها الإخوة: خاطبوا الغافل: ما هو موقفك إذا انجلت الحقائق في الدنيا أو في الآخرة؟ تصور هذا الموقف واعتبر منه, قال تعالى: (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين) [يوسف: 50 - 51].

 

انجلت هذه الحقيقة, وصرَّحت النسوة بقولهنَّ: (مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ) وصرَّحت امرأة العزيز بقولها: (أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِين) ماذا ينفع هذا الكلام بعد أن لبث في السجن بضع سنين؟

 

يا من أودع الآخرين بالسجن ظلماً وعدواناً: ما أنت قائل لربك -عز وجل- يوم القيامة؟ وما أنت قائل للمظلوم إذا وقفت أمامه ووقعت عينك على عينه؟ اتَّهمت الآخرين ببعض الأمور ظلماً وعدواناً فأدخلتهم السجن, فما هو موقفك إذا انجلت الحقائق؟

 

أيها الإخوة: التوبة في الدنيا تنفع, والاستحلال في الدنيا يبرئ الذمة -بإذن الله تعالى-, فأسرع بالتوبة قبل الموت, واستحلَّ ممن ظلمتَه قبل أن يدركك الموت, فالله -تعالى- فتح لك باب التوبة, ومهما عظمت التوبة فالله يقبلها إذا حقَّقْت شروطها, وذلك بالإقلاع عن المعصية, وبالندم على ما فعلت, وبالجزم على أن لا تعود, وبإعادة الحقوق إلى أصحابها, فإذا تبت توبة صادقة فأبشر بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) [الفرقان: 68 - 70].

 

أيها الإخوة: لقد عرفتم ثمرة الغافل إن صحَّ التعبير, وتعالوا -أيها الإخوة- لنعرف ثمرة العبد الذي راقب مولاه, فهذا سيدنا يوسف -عليه السلام-, الذي اعتصم بالله -عز وجل-, وقال: (مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [يوسف: 23]؛ لأنه كان يراقب الله -عز وجل-, فما كانت نتيجته؟

 

النتيجة هي الرفعة والمكانة والسيادة والريادة, قال تعالى مخبراً عن سيدنا يوسف -عليه السلام- وهو يخاطب الملك: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِين) [يوسف: 55 - 56].

 

وهذا الذي نحتاجه لصلاح المجتمع لصلاح الأمة, نحتاج إلى رجل أخضع نفسه لمراقبة الله -عز وجل-, نحتاج إلى رجل ليس بغافل عن الله, نحتاج إلى رجل يحاسب نفسه قبل أن يُحاسَب.

 

أيها الإخوة: أخاطب كلَّ شاب وشابة, وأقول: أيها الشاب أخضع نفسك لمراقبة الله -عز وجل-, واتَّق الله في أعراض الآخرين, واجعل شعارك: (إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ) [يوسف: 23]، فإن النتيجة مشرِّفة ومشرقة عاجلاً وآجلاً, والمجتمع كلُّه بحاجة إليك -أيها الشاب- عندما تراقب الله -عز وجل-؛ لأن صلاح المجتمع لا يكون إلا بأمثالك عندما تراقب الله -عز وجل-.

 

أما أنت أيتها الشابة: اتقي الله في شباب المسلمين, واعتبري من قصة امرأة العزيز عندما كانت غافلة عن الله -عز وجل-, واجعلي لنفسك قدوة صالحة من بنات سيدنا شعيب -عليه السلام- في مشيتها وفي حديثها مع الرجال, كما يحدثنا عنها القرآن: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِير * فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) [القصص: 23 - 25].

 

(لاَ نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء) حتى لا نختلط بالرجال (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِير) أي ما خرجنا من البيت إلا لعدم وجود من يقوم بشؤوننا لأن أبانا شيخ كبير, ومشيتها على استحياء لأنها تراقب الله -تعالى-, ولا تضرب الأرض برجلها ليعلم ما تخفي من زينتها وتميل إليها قلوب الرجال, وحديثها مع الرجال على استحياء حتى لا يطمع الذي في قلبه مرض.

 

أسأل الله -تعالى- أن يحفظنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن, وأن يحفظ شبابنا وشاباتنا من جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

أقول هذا القول، وكلٌّ منا يستغفر الله, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

المرفقات

أنفسكم لمراقبة الله -عز وجل- (2)

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات