أجب النداء

الشيخ هلال الهاجري

2022-10-09 - 1444/03/13
التصنيفات: الصلاة
عناصر الخطبة
1/ تأملات في نداء الصلاة 2/ فضل ترديد النداء خلف المؤذن والدعاء بعده 3/ فضل الوضوء والمشي للصلاة والتبكير لها 4/ فضل المكوث في المصلَّى والدعاء وقراءة القرآن عنده 5/ المنافقون وصلاة الجماعة

اقتباس

فإذا سمعت ذلكَ النِّداءَ، فاترك أشغالَكَ وتعالَ، اتركَ عملَكَ وتعالَ، اتركْ مواعيدَكَ وتعالَ، اتركَ زوجتَك وأولادَك وتعالَ، اتركْ فِراشَك الدافئ وتعالَ، اتركْ تجارتَك وتعالَ، ولكن.. هلْ يستطيعُ ذلكَ إلا الرِّجالُ؟ وصدقَ -سبحانه-: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)، فمن هؤلاءِ الذين يُسبِّحُونَ في المساجدِ في اللِّيلِ والنَّهارِ؟ إنَّهم: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) [النور:37].

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لله نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِيْنُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوْذُ باللهِ مِنْ شُرُوْرِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وأَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُهُ.

 

(يَا أَيُّهاَ الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:1-2]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَآءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَاْلأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]. (يَا أيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أَمَّا بَعْدُ: فما الذي جعلَ أعظمَ عبادةٍ، تُصبحُ في حياتِنا اليوميةِ عادةً؟ تُلهينا الأعمالُ، وتأخذُنا الأشغالُ، وإذا بنا ونحنُ في قمَّةِ الانهماكِ مع الدُّنيا والأملِ والأماني في عِراكٍ، يأتي ذلكَ الصَّوتُ منادياً عبادَ الرَّحمنِ: هَلُمُّوا إلى الرَّاحةِ والطُّمأنينةِ والأمانِ! اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ! أكبرُ من كلِّ شيءٍ، وأعظمُ من كلِّ شيءٍ، وأهمُّ من كلِّ شيءٍ، وأولى من كلِّ شيءٍ؛ فإذا سمعت ذلكَ النِّداءَ، فاترك أشغالَكَ وتعالَ، اتركَ عملَكَ وتعالَ، اتركْ مواعيدَكَ وتعالَ، اتركَ زوجتَك وأولادَك وتعالَ، اتركْ فِراشَك الدافئ وتعالَ، اتركْ تجارتَك وتعالَ، ولكن.. هلْ يستطيعُ ذلكَ إلا الرِّجالُ؟ وصدقَ -سبحانه-: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ)، فمن هؤلاءِ الذين يُسبِّحُونَ في المساجدِ في اللِّيلِ والنَّهارِ؟ إنَّهم: (رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ) [النور:37].

 

منادٍ يُنادي بكلمةِ التَّوحيدِ، وبحقِّ اللهِ على العبيدِ: أشهدُ لا إلهَ إلا اللهُ وأشهدُ أنَّ محمداً رسولُ اللهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ نُوحًا -صلى الله عليه وسلم-، لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ لِابْنِهِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ لَوْ وُضِعَتْ فِي كِفَّةٍ وَوُضِعَتْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فِي كِفَّةٍ رَجَحَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرْضِينَ السَّبْعَ كُنَّ حَلْقَةً مُبْهَمَةً قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ".

 

هذه الكلمةُ التي لو وُجدتْ في صحيفةِ عبدٍ، عالماً بمعناها، مُستيقناً بها، قابلاً لها، مُصدِّقاً بها، مُخلصاً فيها، مُحباً لها، منقاداً لها، فلا يوازيها في الميزانِ شيءٌ أبداً، قَالَ -عليه الصلاة والسلام-: "إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُؤوسِ الْخَلَائِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلًّا، كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلَ مَدِّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَقُولُ: أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا؟ أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ؟ فَيَقُولُ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: أَفَلَكَ عُذْرٌ؟ قَالَ: لَا يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: بَلَى؛ إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً، وَإِنَّهُ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ، فَتُخْرَجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَيَقُولُ: احْضُرْ وَزْنَكَ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ، مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلَّاتِ؟ فَيَقُولُ: إِنَّكَ لَا تُظْلَمُ، قَالَ: فَتُوضَعُ السِّجِلَّاتُ فِي كِفَّةٍ، وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ، فَطَاشَتِ السِّجِلَّاتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ؛ فَلَا يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ"، فأشهدُ أن لا إلهَ اللهُ وأنّ محمدا رسولُ اللهِ!.

 

يا أهلَ الإيمانِ: في كلِّ يومٍ يعظُنا المؤذنُ وينصحُنا خمسَ مراتٍ: حَيَّ عَلَى الصَّلاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلاحِ! ولقد صدقَ ونصحَ؛ فجزاهُ اللهُ خيراً. وهل الفلاحُ والنَّجاحُ إلا في الصَّلاةِ؟ وهل الخيرُ والبركةُ إلا في الصَّلاةِ؟ وهل النَّعيمُ والسَّعادةُ إلا في الصَّلاةِ؟.

 

وقد ننشغلُ عن التَّرديدِ خلفَه وننسى ذلكَ الفضلَ العظيمَ والطَّريقَ السَّهلَ لجناتِ النَّعيمِ، قالَ -صلى الله عليه وسلم-: "إذَا قالَ المُؤَذّنُ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، فَقالَ أحَدُكُمْ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، ثُمَّ قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، قَالَ: أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ؛ ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الصَّلاةِ، قالَ: لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللّه؛ ثُمَّ قالَ: حَيَّ عَلى الفَلاح، قالَ: لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ؛ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، قالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبرُ، ثمَّ قالَ: لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ، قالَ: لا إلهَ إِلاَّ اللّه، مِنْ قَلْبه، دَخَلَ الجنَّة"، فأينَ القلوبُ التي تتفرغُ من كلِّ شيءٍ إذا سمعتْ الأذان، ولا تنشغلُ إلا بترديدِ كلماتِ الإيمانِ، طمعاً في جنَّةِ الرَّحيمِ الرحمانِ؟.

 

منْ منكم يريدُ شفاعةَ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- يومَ القيامةِ؟ في اليومِ الذي لا يسألُ فيه أحدٌ عن أحدٍ، ويفرُّ فيه المرءُ عن أمِّه وأبيه وعن أخيهِ وعن الزَّوجةِ والولدِ، في يومِ تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ، يَوْم يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا، يوم فيه أهوالٌ وأحداثٌ وأحوالٌ ومواقفُ ومناظرُ، (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج:1]، وأنتَ معكَ أحبُّ البشرِ إلى اللهِ -تعالى- يشفعُ لك عندَ ربِّه الذي سيقولُ له في ذلكَ المقامِ المهيبِ: "يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ".

 

إنَّها -واللهِ- يسيرةٌ على من يسَّرها اللهُ عليه! قالَ -عليه الصلاة والسلام-: "إِذا سمِعْتُمُ النِّداءَ فَقُولُوا مِثْلَ ما يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا علَيَّ، ثُمَّ يقولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذِهِ الدَّعوةِ التَّامَّةِ، والصَّلاةِ الْقَائِمةِ، آتِ مُحَمَّداً الْوسِيلَةَ والْفَضَيِلَةَ، وابْعثْهُ مقَامًا محْمُوداً الَّذي وعَدْتَه، حلَّتْ لَهُ شَفَاعتي يوْمَ الْقِيامِةِ"، ففي الوقتِ الذي كلٌّ مشغولٌ بنفسِه ليُنجيها، هو مشغولٌ بأمتِه ليُنجيها.

 

صلى عليكَ اللهُ يا نورَ الهـدى *** ما دارتِ الأفلاكُ والأجرامُ

صلى عليكَ اللهُ يا خيرَ الورى *** مـا مرَّتْ السَّاعاتُ والأيـامُ

 

 ثُمَّ توضأْ في بيتِكَ قبلَ الخروجِ إلى الصلواتِ المفروضاتِ، تحطُّ عنكَ خطايا وترفعُ درجاتٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ، ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ، كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً، وَالأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً".

 

وكذلكَ في الرُّجوعُ من المسجدِ، كما قالَ الصَّحابيُّ -رضيَ اللهُ عنه-: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ".

 

وأما في الآخرةِ،  فيا من مشى إلى المسجدِ لصلاةِ العشاءِ والصُّبحِ، أبشرْ ببُشرى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- لكَ: "بَشِّرْ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

 

واعلمْ أنكَ كلما ذهبتَ إلى بيتِ اللهِ -تعالى-، فإنكَ ضيفُه وفي ضيافتِه، وقد أعدَّ لكَ ضيافتَكَ من الجنَّةِ في كلِّ صلاةٍ صباحاً ومساءً، قالَ -عليه الصلاة والسلام-: "مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ وَرَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ نُزُلَهُ مِنْ الْجَنَّةِ كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ".

 

وأنتَ في صلاةٍ وأجرُها مستمرٌ، ما دمتَ في المسجدِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا الصَّلَاةُ"، فمن استشعرَ هذا المعنى؛ فأيُّ عجلةٍ هو فيها؟ وأيُّ صلاةٍ يريدُ أن يقضيها؟ بل ستجدْه يتلذَّذُ في انتظارِ الصَّلاةِ، كما يتلذَّذُ في الصَّلاةِ إذا جُعلتْ قرَّةُ عينِه في الصَّلاةِ.

 

عبادَ اللهِ: منْ منَّا يُريدُ الملائكةَ أن تدعو له؟ وهم عبادُ اللهِ المُكرمونَ الذينَ أكرمَهم، ومن كرمِه لهم أنَّه يُجيبُ دعاءَهم، قالَ -صلى الله عليه وسلم-: "وَالْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ"، فكم تُريدُ من هذا الدُّعاءِ؟ عشرينَ دقيقة أو خمس دقائقَ أو دقيقة؟، أنتَ بتبكيرِك للصَّلاةِ تستكثرُ منها، وبتأخرِكَ عنها تستقلُّ منها، فلا يفوتُك دعاءُ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ.

 

وأنتَ تنتظرُ الصَّلاةَ، لا تنسَ نفسَك بالدُّعاءِ لكَ ولمن تُحبُّ وللمسلمينَ، فإنها من أوقاتِ الإجابةِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "الدُّعَاءُ لَا يُرَدُّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ"، فاجتمعَ لكَ أنكَ في بيتِ اللهِ -عزَّ وجلَّ-، وفي ضيافتِه، وتنتظرُ فريضتَه، وقدُ غُفرتْ لكَ الذُّنوبُ، ورُفعتْ لك الدَّرجاتُ، وحُطَّتْ عنكَ الخطيئاتُ، والملائكةُ تدعو وتستغفرُ لكَ، والدَّعاءُ لا يُردُّ، فارفعْ يديكَ، وحرِّكْ شفتيكَ، واستحضرْ قلبَك، وادعُ ربَّكَ؛ وانتظرْ الإجابةَ.

 

وإذا قرأتَ آيةً من كتابِ اللهِ -تعالى- فقد حُزتَ من الأجورِ العظيمةِ ما يُساوي النَّاقة السَّمينة، وهو ما كانَ يُضربُ به المثلُ قديماً بأحبِّ أموالِ العربِ، يقولُ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ -رضيَ اللهُ عنه-: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ وَنَحْنُ فِي الصُّفَّةِ، فَقَالَ: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بُطْحَانَ أَوْ إِلَى الْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كَوْمَاوَيْنِ -أيْ: سَمِينَتِينِ-، فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطْعِ رَحِمٍ؟"، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نُحِبُّ ذَلِكَ، قَالَ: "أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ، وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنْ الْإِبِلِ"، فترجعُ بخيرِ الدُّنيا والآخرةِ.

 

ومن كانتْ عادتُه المحافظة على التَّبكيرِ إلى صلاةِ الجماعةِ، فإنَّه حتما سيدركُ ذلكَ الفضلَ الكبيرَ، كما جاءَ في الحديثِ: "مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الْأُولَى كُتِبَتْ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنْ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ النِّفَاقِ"، فتُصرفُ له شهادةُ براءةٍ من النِّفاقِ في الدُّنيا بثناءِ المؤمنينَ، وشهادةُ براءةٍ من النَّارِ من ربِّ العالمينَ، فاللهمَّ لا تحرمنا فضلَكَ!.

 

باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ، ونفعنا وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيمِ، ونفعنا بهديِ سيدِ المرسلينِ، أقولُ قولي هذا وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولسائرِ المسلمينَ من كل ِّذنبٍ، فاستغفروه؛ إنه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ الذي فرضَ الصَّلاةَ على العبادِ رحمةً بهم وإحساناً، وجعلها صِلَّةً بينَه وبينهم ليزدادوا بذلكَ إيماناً، وكرَّرَها كلَّ يومٍ حتى لا يحصلَ الجفاءُ، ويسَّرَها عليهم حتى لا يحصلَ التَّعب والعَناء، وأجزلَ لهم ثوابَها؛ فهيَ بالفعلِ خمس، وبالثَّوابِ خمسون، فضلاً منه وامتناناً.

 

وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له خالقنا ومولانا، وأشهدُ أن محمداً عبدُه ورسولُه أخشى النَّاسِ لربِّه سِرَّاً وإعلاناً، الذي جعلَ اللهُ قرَّةَ عينِه في الصَّلاةِ، فنِعمَ العملُ لمن أرادَ من ربِّه فضلاً ورضواناً! صلى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه ومن تبعَهم بإحسانٍ وسلَّمَ تسليماً.

 

أما بعد: فيا أهلَ الإيمانِ، إذا كانَ المحافظةُ على صلاةِ الجماعةِ هي صفة من صفاتِ المؤمنينَ، فإن التَّفريطَ فيها سمةٌ من سِماتِ المنافقينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضيَ اللهُ عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ"، فلا إلهَ إلا اللهُ! الأمرُ عظيمٌ! الأمرُ عظيمٌ! الأمرُ عظيمٌ! فمنْ وصفَه اللهُ -تعالى- أنَّه (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ)، همَّ أن يُحرِّقَ على المتخلفينَ عن الصَّلاةِ في المسجدِ بيوتَهم! فما هو عُذركَ بعدَ اليومِ؟.

 

حتى إن بعضَ المنافقينَ كانَ يُحافظُ على صلاةِ الجماعةِ، كما وصفَهم اللهُ -تعالى- بقولِه: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء:142]، ولكن يتخلَّفُ عنها معلومُ النِّفاقِ، كما قالَ ابنُ مسعودٍ -رضيَ اللهُ عنه-: "وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وما يَتَخَلَّفُ عنها إلا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَلَقَدْ كان الرَّجُلُ يؤتي بِهِ يُهَادَى بين الرَّجُلَيْنِ حتى يُقَامَ في الصَّفِّ". فماذا عسى أن يَقولَ من يتخلَّفُ عن صلاةِ الجماعةِ؟.

 

وواللهِ -يا أخي- إني ناصحٌ لك! لا تتركْ هذا الخيرَ العظيمَ في صلاةِ الجماعةِ، وكما أنَّكَ لا ترضى أن يقولَ لكَ أحدُنا: يا مُنافقُ، فكيفَ ترضى أن تكونَ عندَ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وعندَ خالقِك ورازقِكَ منافقاً بتخلُّفِك عن صلاةِ الجماعةِ؟ فكنْ من المصلينَ، واركعْ مع الرَّاكعينَ، تفزْ برحمةِ أرحمِ الرَّاحمينَ.

 

اللهم اجعلنا مقيمي الصلاةَ، ومُنَّ علينا بالتوفيقِ لما تحبُّ وترضى يا جزيلَ الهباتِ، واغفر لنا ولوالدينا ولجميعِ المسلمينَ؛ إنك أنت الغفورُ الرحيمُ.

 

الـلهمَّ منزلَ الكتابِ، ومجري السحابِ، وهـازم الأحـزابِ، اللهم أنت ربُّنا وأنت وليُّنا ومولانا، أمرتَنا بالدعاءِ ووعدتَنا بالإجابةِ، فنسألُك باسمِك الأعظمِ الذي إذا دُعيتَ به أجبتَ، وإذا سُئلتَ به أعطيتَ، اللهم انصرْ إخوانَنا المستضعفينَ في دينِهم في سائر ِالأوطانِ، اللهم لنا إخوةٌ في العقيدةِ مسَّهم الضُّرُّ وأنتَ أرحمُ الرَّاحمينَ، إلهنا عَظمَ الكربُ واشتدَّ الخطبُ وتفاقمَ الأمرُ على إخوانِنا المسلمينَ في بلادِ الشامِ وفي العراقِ وفي بورما، اللهم عجلْ بنصرِهم يا قويُّ يا عزيزُ، اللهمَّ إنهم ضِعاف فقوِّهم، ومَظلومونَ فانصرْهم يا نَاصرَ المستضعفينَ.

 

اللهم عجِّلْ بالنَّصرِ والعِزِّ للمُرابطينَ المُجاهدينَ في الجَنوبِ، وردَّ اليمنَ السَّعيدَ إلى أهلِه؛ إنَّك سميعُ الدَّعاءِ.

 

 

المرفقات

النداء

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات