أثر المعاصي في الأفراد والمجتمعات

عبدالله بن حسن القعود

2010-11-29 - 1431/12/23
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/ مواعظ القرآن 2/ المعاصي سبب لجلب المصائب 3/ المعاصي سبب الهلاك في الدارين 4/ أثر المعاصي على الفرد

اقتباس

احذروا المعاصي! فإن ضررها على الأفراد والمجتمعات لأشد وأنكى من ضرر السموم على الأجسام؛ إنها لتخلق في نفوس أهلها التباغض والعداء، وتنزل في قلوبهم وحشة وقلقاً لا يجتمع معهما أُنْس أو راحة، وظلمة وجهلاً لا يجتمع معهما نور أو علم روحي. قال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)

 

 

 

 

الحمد لله الذي حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان. نحمده ونشكره ونثني عليه الخير كله.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله -صلى الله وبارك عليه- وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذرياته وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: أيه الأخوة المؤمنون: لقد أنزل الله القرآن الكريم على أشرف رسول وأكرم إنسان هدى ونوراً وبينات من الهدى والفرقان. من اتخذه إماماً وقائداً؛ سعد في دنياه وفاز في أخراه، ومن أعرض عنه؛ ضل في دنياه وشقي في أخراه.

قال تعالى: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً * وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طـه:122-124]

ولقد وعظتنا مواعظ هذا القرآن وأنذرتنا نذره. وعظتنا وأنذرتنا عظات ونذر من يعرض الأمور وكأنها وقعت وشوهدت رأي العين.

أنذرتنا بأسلوب يلامس مشاعر وعقول ذوي النفوس الواعية الحريصة على مصالح دنياها وأخراها، بل ويقرع الآذان ويخاطب النفوس بواقع من واقع حال جنسها سلفاً.

فلقد تضمنت إخباراته الصادقة -وكله صدق وحق- أن ما أصيبت به أية أمة أو فرد؛ من تبديل نعمة بنقمة، أو عافية ببلاء، أو أمن بخوف، أو عز بذل، أو سرور بحزن، أو غنى بفقر، أو غير ذلكم؛ إلا بجراء عصيانها لله وكفرانها لنعمه. قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) [الشورى:30] وقال: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الأنفال:53]

ولا جرم -أيها الأخوة-؛ فلطالما كثر ما تسبب كفران النعم، وعصيان ذي الفضل والكرم في إخراج ذي النعمة من نعمته، وذي العزة والعلياء من عزته وعليائه.

روى الإمام أحمد -رحمه الله- قال: "حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا صفوان بن عمرو حدثني عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: "لما فتحت قبرص فرق بين أهلها؛ فبكى بعضهم إلى بعض؛ فرأيت أبا الدرداء جالساً وحده يبكي، فقلت: يا أبا الدرداء، ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله؟ فقال: ويحك يا جبير، ما أهون الخلق على الله عز وجل إذا أضاعوا أمره، بينما هي أمة قاهرة ظاهرة لهم الملك تركوا أمر الله؛ فصاروا إلى ما ترى".


ولا جرم مرة ثانية؛ فما الذي سبَّب إخراج الأبوين عليهما الصلاة والسلام من الجنة دار اللذة والنعيم إلى هذه الدنيا دار الآلام والأحزان؟ إلا جرم أكلة واحدة.

وسبَّب إخراج إبليس من ملكوت السماء وصيره طريداً لعيناً مصدراً لكل بلاء في الإنسانية وشقاء؟ إلا جرم الامتناع من الإتيان بسجدة واحدة.

وسبَّب إغراق أهل الأرض، حتى علا الماء رؤوس الجبال؟!، وسلَّط الريح على قوم عاد حتى ألقتهم كأنهم أعجاز نخل خاوية، وأرسل على ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم، وقلب قرى قوم لوط بهم فجعل عاليها سافلها وأتبعهم بحجارة من سجيل، وأغرق فرعون وقومه، وخسف بقارون الأرض.

ما الذي هد عروشاً في ماضي هذه الأمة وحاضرها طالما حميت؟، وأذل أعناقاً طالماً ارتفعت؟، وأخرس ألسناً طالما نطقت؟، وأصم آذاناً طالما استمعت؟، وفرَّق أسراً ومزق جموعاً طالما اجتمعت؟.

ما الذي وما الذي؟ إلا شؤم الكفران، وتتابع العصيان، ومجانبة تعاليم ونذر ومواعظ هذا القرآن، قال تعالى -منذراً الناس حال من وقع بسبب عصيانه-: (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) [العنكبوت:40]

فاتقوا الله -عباد الله- واحذروا معاصي الله، فإن لها حامياً غيوراً يراقب السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

احذروا المعاصي! فإن ضررها على الأفراد والمجتمعات لأشد وأنكى من ضرر السموم على الأجسام؛ إنها لتخلق في نفوس أهلها التباغض والعداء، وتنزل في قلوبهم وحشة وقلقاً لا يجتمع معهما أُنْس أو راحة، وظلمة وجهلاً لا يجتمع معهما نور أو علم روحي. قال تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) [الصف:5]

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعة في الرزق، وقوة في البدن، ومحبة في قلوب الناس، وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القبر والقلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق".

يؤثر عن الإمام الشافعي -رحمه الله- أنه قال:

شكوت إلى وكيع سوء حفظي *** فأرشدني إلى تـرك المعاصــي
وأخـــبرني بـأن العلم نـور*** ونور الله لا يؤتـاه عـاصي

ويؤثر عن عبد الله بن المبارك -رحمه الله- أنه قال:

رأيت الذنوب تميت القلوب *** وقد يورث الذل إدمانـها
فترك الذنوب حياة القلوب *** وخيـر لنفسك عصيـانها

ومما سلف من آيات وآثار وحكم؛ يدرك العاقل ومريد النجاة وسعادة نفسه في العاجل والآجل، يدرك ذو الصدارة والقيادة والوجاهة والولاية؛ أن للمعاصي خطراً كبيراً على قلب الإنسان وعلمه وأمنه ومكانته في نفوس البشر، وأنها من أقوى الأسباب في نفرة الناس من صاحبها؛ بل وانتزاع حبه من نفوسهم وهوانه عليهم (وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ) [الحج:18] (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) [النور:40]

وسبحانك اللهم وبحمدك؛ نستغفرك اللهم ونتوب إليك.

 

 

 

 

 

 

المرفقات

المعاصي في الأفراد والمجتمعات

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات