أتقن فن التلميح (3/3)

محمود الفقي - عضو الفريق العلمي

2021-10-04 - 1443/02/27
التصنيفات: تدريب
الكتابة
26

اقتباس

فلا تتوسع في التلميح وتغالي فيه فيكون كلامك عبارة عن ألغاز تحتاج إلى من يشرحها ويفصلها ويعيد صياغتها! بل احرص أن تكون تلميحاتك في متناول روادك وفي مستواهم العقلي والثقافي والتعليمي...

كم من كلمة خرجت من لسان غير مكترث فجرحت قلبًا وآذت مشاعرًا وأدمت فؤادًا وصدت إنسانًا عن اتباع الهدى، وكم من خطيب استعمل التصريح في موضع التلميح فجاء ليصلح فأفسد، وأساء من حيث ظن أنه يحسن، و"كم من قاصد خير لا يدركه"، وصدق من قال:

جراحات السنان لها التئام *** ولا يلتئم ما جرح اللسان

 

لذا فإن التلميح -في موضعه- يضفي على الكلام رونقًا وبهاءً ويزيده حسنًا وجمالًا ويفتح له باب القبول عند السامعين، وهو أرفق بالقلوب وأخف على الآذان، لذا فقد سماه بعض العلماء بـ"التمليح"([1])، أي: جَعْلُ الشيء مليحًا، يقول أبو البقاء الكفوي: التمليح "بتقديم الميم، هو إتيان بما فيه ملاحة وظرافة، يقال: ملح الشاعر، إذا أتى بشعر مليح"([2])، ولقد استخدام أنبياء الله التلميح والتعريض في دعوة أقوامهم، وفي التخلص من المواقف الحرجة وفي تأليف القلوب، ولا تكاد تجد نبيًا إلا استخدمهما في الدعوة إلى الله -تعالى-، فهذا الخليل إبراهيم -عليه السلام- يقول: (بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ)[الأنبياء: 63]، وقال نبينا -صلى الله عليه وسلم- يؤلف قلب العجوز مداعبًا: "إن الجنة لا يدخلها عجوز"([3])، وهذا الصحابي الجليل عمران بن حصين يقول: "إن في معاريض الكلام لمندوحة عن الكذب"([4]).

 

ولقد بدأنا في الجزءين الأولين من هذا المقال وضع بعض الأطر والمعالم لأسلوبي التلميح والتعريض والتي تُرَشِّد استخدامهما، وذلك في شكل "إضاءات"، مر منها هناك ما يلي:

الإضاءة الأولى: مظهرك يحدد مسار تلميحك.

الإضاءة الثانية: أصِّل المسائل ودع الإسقاط لعقولهم.

الإضاءة الثالثة: اسرد القصص المشابه للواقع.

الإضاءة الرابعة: لا تستخدم التصريح هنا، فتؤاخَذ

الإضاءة الخامسة: لمِّح بأفعالك وتعابير وجهك كما تلمح بكلماتك... ومع باقي تلك الإضاءات:

 

الإضاءة السادسة: لا تحلق بتلميحاتك بعيدًا فوق مستوى سامعيك:

فإنهم لن يفهوا تلميحاتك، وتكون حينئذ قد فشلت في إنجاز مهمتك، بل لربما فهموا منه عكس مرادك ونقيضه، ورحم الله عبد الله بن مسعود الذي قال: "ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة"([5]).

 

فلا تتوسع في التلميح وتغالي فيه فيكون كلامك عبارة عن ألغاز تحتاج إلى من يشرحها ويفصلها ويعيد صياغتها! بل احرص أن تكون تلميحاتك في متناول روادك وفي مستواهم العقلي والثقافي والتعليمي، وقد قال علي بن أبي طالب: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذَّب الله ورسوله؟!"([6])، فخير التلميح ما كان قريب المأخذ، غير غامض ولا موهم ولا معقد ولا خفي.

 

فإن أردت التلميح بأن كثرة المهر لا تحمل الزوج على صيانة الزوجة بل قد تدفعه إلى بغضها، فلا تقل: "العدس في الوعاء خير من التفاح في الخزانة" -مثلًا- فإن هذا غامض لا يُفهم منه المراد إلا بتكلف، وإنما يكفي أن تقول: "وكم كان مهر فاطمة بنت النبي -صلى الله عليه وسلم-؟!"، أو تقول: "إن التاجر إذا بالغ في ثمن بضاعته انصرف الناس عنها وزهدوا في شرائها"، وأنت -أيها اللبيب- أدرى بذلك.

 

الإضاءة السابعة: انج بالتعريض والتلميح من شر التصريح:

وقد رويت كثير من النوادر في التخلص بالتلميح والتعريض مما يوقع فيه التصريح، فيروي محمد بن سيرين قائلًا: "كان رجل من باهلة عيونًا -أي: كثير الإصابة بالعين- فرأى بغلة لشريح فأعجب بها، فخشي شريح عليها فقال: إنها إذا ربضت لا تقوم حتى تقام، فقال: أف أف، فسلمت منه"، وإنما أراد شريح بقوله: حتى تقام، أي: حتى يقيمها الله -تعالى-"([7]).

 

وخطب رجل امرأة وتحته أخرى، فقالوا: لا نزوجك حتى تطلق امرأتك! فقال: اشهدوا أني قد طلقت ثلاثًا، فزوجوه، فأقام مع المرأة الأولى، فادعوا أنه قد طلق، فقال: أما تعلمون أنه كان تحتي فلانة فطلقتها، ثم فلانة فطلقتها، ثم فلانة فطلقتها؟ قالوا: بلى، قال: فقد طلقت ثلاثًا([8]).

 

ويحكي أن رجلًا أمسك به العسس ليلًا، فقيل له: من أنت؟ فقال:

أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره *** وإن نزلت يومًا فسوف تعود

ترى الناس أفواجًا إلى ضوء ناره *** فمنهم قيام حولها وقعود

 

فظنوا أنه ابن بعض أشراف البصرة، فلما أصبح سأل عنه، فإذا هو ابن باقلائي([9])،([10]).

 

وأجمل من ذلك ما رواه أنس بن مالك قائلًا: أقبل نبي الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يُعْرَف، ونبي الله -صلى الله عليه وسلم- شاب لا يُعْرَف، قال: فيلقى الرجل أبا بكر فيقول يا أبا بكر من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني السبيل، قال: فيحسب الحاسب أنه إنما يعني الطريق، وإنما يعني سبيل الخير([11]).

 

فتخلص بالتعريض الذكي وبالتلميح المتقن من كل موقف محرج، فإن أتاك من يستشيرك في جانب اقتصادي أو تجاري محض ليس له جانب شرعي، ولا خبرة لك فيه، فقل له: "هلا انتظرتني قليلًا حتي أتخرج من دراستي الهندسية!"، أو تخلص قائلًا: "هيا بنا إلى عالم فلك يجيبنا"، فإن ذلك أقرب إلى المزاح اللطيف، وفيه إعفاء من الإحراج.

 

الإضاءة الثامنة: استخدم التلميح تأدبًا مع الكبراء:

فهذا نوح -عليه السلام- لما أُغرِق ولده يُلَمِّح في أدب جم بوعد الله -تعالى- له بإنجاء أهله قائلًا: (رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ)[هود: 45]، لكن الله -تعالى- كان قد وعده بنجاة من آمن من أهله فقط دون من كفر، قائلًا: (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ)[هود: 40]، فوضح له الجليل -سبحانه-: (يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ)[هود: 46]، "وقد راعى مع ذلك أدب الحضرة وحسن السؤال فقال: وإن وعدك الحق، ولم يقل: لا تخلف وعدك بإنجاء أهلي"([12]).

 

ويلمِّح أيوب -عليه السلام- بطلب الشفاء من الله فيقول: (مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)[الأنبياء: 83]، وقال مرة: (مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ)[ص: 41]، فقد لـمَّح أيوب مرتين وما صرَّح، لـمَّح الأولى بطلب الشفاء؛ فلم يقل: "عافني أو اشفني" بل اكتفى بقوله: (مسني الضر)، وأما الثانية "فلم يقل: ارحمني، بل حفظ أدب الخطاب فقال: وأنت أرحم الراحمين"([13]).

 

ولن يخلو مسجدك -أخي الخطيب- من كبير سن أو منصب أو مقام، فليكن تلميحك حفظًا لمقامهم وإكرامًا لسنهم وإنزالًا لهم في مكانتهم، فإن تجاوز كبير السن فوضع كرسيًا يصلي عليه في وسط المسجد -مثلًا- بحيث يؤذي غيره، فلا تأمره بتنحيته بعيدًا، بل إن أردت أن يتقدم به إلى أول المسجد فقل له: "مقامك أن تتقدم الصفوف لا أن تتأخر"، وإن أردت منه التأخر إلى آخر المسجد فاطلبه في كلمة على انفراد، وعندها سيقوم بكرسيه ويذهب معك حيث شئت.

 

الإضاءة التاسعة: لا تلمح دون ضرورة أو حاجة أو فائدة:

إن المبالغة في كل شيء غير محمود ولو كان في طاعة، وكذا فإن المبالغة في استخدام أسلوب التلميح دون ضرورة ولا فائدة هو كذلك خطأ وشر، فقد يؤول إلى كتمان العلم الذي أمر الله -تعالى- بتبليغه: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ)[آل عمران: 187]، فإن "أي غموض في الدعوة أو إسرار فيها دون الحاجة إلى ذلك؛ يعد مخالفة صريحة لذلك العهد والميثاق"([14]).

 

وفي بعض الأحوال لا يصلح التلميح بحال، بل لا بد من التصريح الذي قد يتوجب أن يصل إلى الخشونة أو الهز العنيف، يقول ابن تيمية: "المؤمن للمؤمن كاليدين تغسل إحداهما الأخرى، وقد لا ينقلع الوسخ إلا بنوع من الخشونة؛ لكن ذلك يوجب من النظافة والنعومة ما نحمد معه ذلك التخشين"([15]).

 

ولو كان التلميح والتعريض يجديان في كل المواقف إذًا لما صبر أحمد بن حنبل على الإيذاء في محنة خلق القرآن، لذا نقل ابن القيم قائلًا: "والضابط أن كل ما وجب بيانه فالتعريض فيه حرام؛ لأنه كتمان وتدليس، ويدخل في هذا الإقرار بالحق، والتعريض في الحلف عليه، والشهادة على العقود، ووصف المعقود عليه، والفتيا والحديث والقضاء"([16]).

 

وقد تزداد الحاجة إلى المزيد من التصريح والتوضيح والتأكيد، وذلك إن كان سيترتب عليه أمر عظيم، كما صنع النبي -صلى الله عليه وسلم- مع ماعز بن مالك قبل إقامة الحد عليه، فقد بدأ -صلى الله عليه وسلم- برده والإعراض عنه مرارًا، فلما أصر ماعز على تطهيره بالحد أبان له النبي -صلى الله عليه وسلم- ووضح وصرَّح تصريحًا لا أظهر منه؛ فسأله في غير مواربة: "أنكتها؟" لا يكني، -أي: أجامعتها-، فلما أقر وقال: نعم، فعند ذلك أمر برجمه([17]).

 

وعند النسائي أنه -صلى الله عليه وسلم- استوضحه أكثر من ذلك قائلًا: "أنكحتها حتى غاب ذلك منك في ذلك منها" قال: نعم، قال: "كما يغيب المرود في المكحلة، أو كما يغيب الرشاء في البئر" قال: نعم، قال: "تدري ما الزنا" قال: أتيت منها أمرًا حرامًا كما يأتي الرجل امرأته حلالًا".

 

فوازن بين المصالح والمفاسد، وتدبر في كل أمر؛ أيصلحه التلميح أم أن الأفضل فيه هو التصريح.

([1]) معجم مقاليد العلوم للسيوطي (ص: 109)، ط: مكتبة الآداب - القاهرة مصر، ودستور العلماء، للأحمد نكري (1/237)، ط: دار الكتب العلمية - لبنان / بيروت.
([2]) الكليات،  لأبي البقاء الكفوي (ص: 301)، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت.
([3]) الطبراني في الأوسط (5545)، وأبو نعيم في صفة الجنة (391)، وأورده الألباني في الصحيحة (2987).
([4]) البخاري في الأدب المفرد (885)، والطبراني في الكبير (201)، وصححه الألباني في: (صحيح الأدب المفرد).
([5]) مسلم (تحت حديث رقم: 5).
([6]) البخاري (127).
([7]) فتح الباري لابن حجر العسقلاني (10/595)، ط: دار المعرفة - بيروت.
([8]) زاد المسير لابن الجوزي (3/198)، ط: دار الكتاب العربي - بيروت.
([9]) الباقلائي: هو بائع الفول.
([10]) زاد المسير لابن الجوزي (3/198-199)، ط: دار الكتاب العربي - بيروت.
([11]) البخاري (3911).
([12]) تفسير القاسمي (6/102)، ط: دار الكتب العلمية - بيروت.
([13]) تفسير القشيري (2/514)، ط: الهيئة المصرية العامة للكتاب - مصر.
([14]) أسلوب التعريض في الدعوة إلى الله، لسعود بن ناصر المسعود (ص: 83)، بحث ماجستير بجامعة الإمام محمد بن سعود.
([15]) مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/53-54)، ط: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية.
([16]) إعلام الموقعين، لابن القيم (3/184)، ط: دار الكتب العلمية - ييروت.
([17]) ينظر: البخاري (6824)، ومسلم (1693).

 

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات