أتقن فن التلميح (3/1)

محمود الفقي - عضو الفريق العلمي

2021-07-14 - 1442/12/04
التصنيفات: تدريب

اقتباس

فما عليك إلا أن تُلقي إليهم الأصول والقواعد والمبادئ، ثم تترك لعقولهم الاسقاط والاستنباط والاستنتاج، ما دمت لم تستطع غير ذلك... أما إذا رأيت ما يستوجب الإنكار ثم لم تصرِّح ولم تلمِّح فأخشى -أخي الخطيب- أن تكون من الموقوفين يوم القيامة...

هل جربت مرة -أخي الخطيب- وأنت تُـحَضِّر خطبة حول واقعة ما حدثت في بلدك؛ فاحترت كيف تبدأ وبم تبدأ وماذا تقول وكيف توازن، لا عيًا ولا حصرًا؛ ولكن عجزًا وقهرًا؟!... هل وجدت نفسك يومًا ما وكأنك مشدود بالسلاسل إلى سارية، أو كأنك تحمل فوق كاهليك جبلًا كدت تنوء به ولا تستطيع النطق ببنت شفة؟!... هل وجدت نفسك محصورًا في خيارات أحلاها مُر؛ إن قلتَ الحق في وضوح وبدون مواربة خسرتَ دنياك، وإن نطقت بغير الحق خسرتَ آخرتك، وإن سكتَّ كنت كالشيطان الأخرس؟!... هل تملكك صراع يومًا وأنت تصعد المنبر؛ أقول أم لا أقول؟!... هل تكلمت على منبرك بكلام وأنت تخشى ألا تتمكن من صعود ذلك المنبر مرة أخرى؟!... هل وُضعت يومًا في مكان إن قلتَ "يمينًا" أرضيتَ زيدًا وأغضبتَ عمرًا، وإن قلتَ "شمالًا" أرضيتَ عمرًا وأغضبت زيدًا، فآثرت ألا تقول؟!

 

إن كنت تعرضت لشيء من هذه المواقف ذات مرة، فقل لي: ماذا صنعت فيها؟ وما الحل وما المخرج منها؟.. أساعدك في الإجابة اليوم مقدِّمًا مخرجًا أراه مناسبًا ألا وهو: "التلميح بدلًا من التصريح"، وقد قيل: "إن في التلميح ما يغني عن التصريح، وإن في الإشارة ما يغني عن كثير من العبارة"، ورحم الله إبراهيم النخعي إذ يشير إلى ذلك قائلًا: "لهم كلام يتكلمون به إذا خشوا من شيء؛ يدرؤون به عن أنفسهم"([1]).

 

***

 

والتلميح لغة: مصدر "لـمَّحَ إلى" و"لـمَّحَ بـ" يلمِّح تلميحًا، فهو مُلمِّح، والمفعول مُلمَّح إليه، يقال: لـمَّح إلى الموضوع ولـمَّح بالموضوع أي: أشار إليه ولم يُصَرِّح به، والتلميح ضد التصريح، وألمح: لغة في لمح([2]).

 

ونقصد بالتلميح هنا: "أن يضمن المتكلم كلامه بكلمة أو كلمات من آية أو قصة أو بيت من الشعر أو مثل سائر أو معنى مجرد من كلام أو حكمة" دون أن يذكره صريحًا. وقيل: هو أن يشار في فحوى الكلام إلى مثل سائر أو شعر نادر أو قصة مشهورة من غير أن يذكر جميعها([3])، ومن ثَمَّ سماه بعض العلماء: "حسن التضمين" أو: "التلويح"، لأن المتكلم يلوِّح بالمعنى من بعيد ويشير إليه دون أن ينطق به.

 

***

 

ودعونا نجيب سريعًا عن سؤال يقول: "لماذا نستخدم التلميح؟" قبل أن نتعلم سويًا كيفية استخدمه وتوظيفه في خطبنا المنبرية وأيضًا في محاضراتنا ودروسنا.

 

فالسبب الأول للجوئنا إلى التلميح: أنه يُعفي من الإحراج والتشهير والتجريح: "فالتصريح يهتك حجاب الهيبة، ويورث الجرأة على الهجوم، والتبجح بالمخالفة، ويهيج على الإصرار والعناد، أما التعريض فيستميل النفوس الفاضلة، والأذهان الذكية، والبصائر اللماحة"([4])، والتلميح هو امتثال للأمر القرآني القائل: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)[البقرة: 83]، وليس ببعيد عنك ذلك الأسلوب النبوي المشهور: "ما بال أقوام"، والتلميح كذلك أخذ بنصيحة الإمام الشافعي التي تقول:

تغمدني بنصحك في انفرادي *** وجنبني النصيحة في الجماعة

فإن النصح بين الناس نوع *** من التوبيخ لا أرضى استماعه

 

والثاني: أنه ينجيك من عداء المخاطبين وتكذيبهم: فأحيانًا يكون في التصريح باللوم والعتاب والتخطئة نوع من الجفاء واكتساب الأعداء، وهو ما نستطيع تداركه عن طريق التلميح، فلما قيل لإبراهيم بن أدهم: الرجل يرى من الرجل الشيء أو يبلغه عنه، أيقول له؟ قال: "هذا تبكيت، ولكن يعرض به"([5])، وهذا من تأليف قلب المخطئ وقد نُسب إلى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: "القلوب وحشية فمن تألفها أقبلت عليه".

 

والثالث: إعفاف اللسان عن التصريح بما يُكرَه: كتعبير القرآن عن الجماع بألفاظ شتى، وكإشارته بدنو موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد ألمحَ به القرآن إلماحًا في سورة النصر، وما أدركه من الصحابة إلا القليل؛ فقد سأل عمرُ عن هذه الآية: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)[النصر: 1]، جمعًا من الصحابة فما عرفها منهم أحد إلا ابن عباس الذي قال: "أجلُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعلمه إياه" فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم([6]).

 

***

 

ونصل الآن إلى إجابة السؤال الملح الذي طرحناه في بداية المقال؛ كيف نستخدم أسلوب التلميح ونوظفه -نحن معاشر الخطباء- في خطاباتنا؟ وتجتمع لديك الإجابة من خلال هذه الإضاءات؛ إضاءات حول "فن التلميح".

 

الإضاءة الأولى: مظهرك يحدد مسار تلميحك:

فلو أن ثلاثة من الخطباء أحدهم قد أعفى لحيته ولبس ثوبًا أبيضًا فوق الكعبين ولبس العمامة فوق رأسه، فظهر من سمته أنه: "سلفي".. والثاني حليق قد لبس ثيابًا دونًا وأمسك بمسبحة طويلة وأكثر من التمايل يمينًا ويسارًا حتى تبين من مظهره أنه "صوفي".. والثالث يرتدي بذلة ورابطة عنق ونظارة سوداء حتى بدا من مظهره أنه متأثر بالفكر الغربي.. ثم قال كل منهم هذه العبارة بنصها لم يغير منها حرفًا: "لقد ملأوا الأرض جدالًا حول مسألة التوسل بالموتى من الصالحين، فنسأل الله أن يهديهم إلى الحق"، وسكت ولم يخض بأكثر من ذلك.

 

فإن كلمة: "الحق" هنا يختلف المقصود بها، ويختلف المعنى الواصل إلى المستمعين منها تبعًا لاختلاف مظهر قائلها؛ فتُفهم من الخطيب الأول "السلفي" أن الحق هو عدم جواز التوسل بهم مطلقًا.. في حين يُفهم من الخطيب الثاني "الصوفي" أن الحق هو جواز ذلك.. أما الثالث فيُفهم من تلميحه تسفيه الفريقين؛ السلفي والصوفي لأنهما يشغلان الناس بما لا يفيد ولا يسمن ولا يغني من جوع.  

 

وقل مثل ذلك على تلميحات أخرى مثل: "أهل الصلاح"، و"علماؤنا" و"شيوخنا" و"درجة الإحسان" و"الغاية السامية" و"أهل الحل والعقد" و"أوتاد الأرض" و"أهل الظلم والضلال" و"أصحاب الجمود والتخلف"... فإنما يتحدد معنى هذي المصطلحات وغيرها -في أذهان المستمعين- عن طريق مظهر من قالها.

 

فاحرص -أخي الخطيب- أن يكون مظهرك أظهر مُخْبِرٍ عنك وعن معتقدك وعن انتمائك حتى تجري تلميحاتك في المسار الذي تحب.

 

الإضاءة الثانية: أصِّل المسائل ودع الإسقاط لعقولهم:

فلو فرضنا أن متكلما مشهورا في بلد من البلاد قد انتقد من يمتنعون عن مصافحة النساء "الأجنبيات" وعدَّ ذلك رجعية وتخلفًا وقلة ذوق، فإن لم تسطع -أخي الخطيب- أن تصدع بالحق وتتحمل تبعاته، فليس أقل من أن تؤصل للأمر في طيات حديثك دون أن تشير من قريب أو بعيد إلى "تصريحات" ذلك المسئول، فتقص -مثلًا- قصة مبايعة النبي -صلى الله عليه وسلم- لأميمة بنت رقيقة التي قالت: أتيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في نساء نبايعه فأخذ علينا النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ)[الممتحنة: 12]، قال: "فيما استطعتن أطقتن" قلنا: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرحم بنا من أنفسنا، قلنا: يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: "إني لا أصافح النساء، ما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة"([7])، فقُصَّها ولو كان في سياق تأكيدك على مكانة المرأة في الإسلام وأن لها شخصيتها واستقلاليتها.. ولكن أبرز هذا الحديث النبوي وإن استطعت فاقرن به غيره.

 

وإن اتخذت دولة ما قرارًا بـ"التطبيع" الكامل مع عدو معتدٍ غادر، ولم تجرأ أنت أن تجاهر بالإنكار، فعرِّج على الأمر من بعيد وضع القواعد والأصول، وقل: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ..)[الممتحنة: 8] ثم قل: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)[الممتحنة: 9]، وردد مثل هذه الآيات في طيات حديثك ولو عن موضوع آخر: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ)[الممتحنة: 1].. وذلك حتى يتبين للناس أن الجنوح للسلم لا يكون مع معتدٍ قد اغتصب الأرض وانتهك العرض إلا بعد أن يخرج منها ويرحل عنا.

 

فما عليك إلا أن تُلقي إليهم الأصول والقواعد والمبادئ، ثم تترك لعقولهم الاسقاط والاستنباط والاستنتاج، ما دمت لم تستطع غير ذلك، وقد قيل:

تكفي اللبيب إشارة مرموزةٌ *** وسواه يدعى بالنداء العالي

 

للحديث بقية إن شاء الله تعالى

 

([1]) زاد المسير لابن الجوزي (3/197)، ط: دار الكتاب العربي - بيروت.
([2]) ينظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، د أحمد مختار عبد الحميد عمر وفريقه (3/2035)، ط: عالم الكتب، وموسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، للتهانوي (2/1614)، ط: مكتبة لبنان ناشرون - بيروت.
([3]) ينظر: الكليات،  لأبي البقاء الكفوي (ص: 301-302)، ط: مؤسسة الرسالة - بيروت.
([4]) مفهوم الحكمة في الدعوة، د صالح بن حميد (ص: 41-42)، ط: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف بالسعودية.
([5]) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر الخلال (ص: 27)، ط: دار الكتب العلمية، بيروت.
([6]) البخاري (3627)، ومسلم (3024).
([7]) النسائي في الكبرى (7756)، والترمذي (1597)، وصححه الألباني (الصحيحة: 529).

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات