أتدرون ما الكوثر؟

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2013-02-25 - 1434/04/15
التصنيفات: الحياة الآخرة
عناصر الخطبة
1/ من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم 2/ الكوثر لغة وشرعا 3/ نزول سورة الكوثر 4/ أوصاف نهر الكوثر 5/ من هم الذين سيشربون منه؟ 6/ تنبيه على اعتقاد خاطئ
اهداف الخطبة
1/ تعريف الناس بفضل رسولنا -صلى الله عليه وسلم- 2/ التذكير باليوم الآخر 3/ تعريف الناس بالكوثر الحث على طلبه وسلوك السبل المؤدية للشرب منه 4/ التحذير من الحرمان منه

اقتباس

وما أحوجنا جميعاً يوم القيامة إلى القرب من رسولنا، وشفيعنا وحبيبنا -صلى الله عليه وسلم-، والأنس به، والقرب من مجلسه، والشرب من حوضه، فالجنة فيها أنهار كثيرة مختلفة ومتنوعة، إلا أن هذا النهر، نهر الكوثر، نهر خص به رسولنا -صلى الله عليه وسلم-، أعطاه إياه ربه عطاء منه -سبحانه وتعالى-، فالمحروم من أُمَّة الرسول ..

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي أكرم رسوله بالكوثر والحوض المورود، وجعله صاحب اللواء المعقود، والمقام المحمود، وحفظه من كل حاقد وحسود، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة دائمة إلى اليوم الموعود.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نفوز بها يوم الدين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله خاتم النبيين، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

أما بعد:

 

عباد الله: لقد خص الله -سبحانه وتعالى- نبينا -صلى الله عليه وسلم- بخصائص عظيمة، ومزايا كبيرة، حيث جعله أفضل المرسلين، وخاتم النبيين، وأنزل عليه القرآن الكريم، وجعل أمته خير الأمم، وشريعته هي خاتمة الشرائع، وبعثه إلى الثقلين كافة، وغير ذلك من الخصائص والمزايا التي اختص بها رسولنا -صلى الله عليه وسلم- في الدنيا.

 

أما في الآخرة فقد شرفه الله بالشرف الأعلى والمقام العظيم، فأكرمه بالمقام المحمود، واللواء المعقود، والشفاعة العظمى.

 

وهو -صلى الله عليه وسلم- أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة، وأول شافع وأول مُشَفَّع، وأول من يقرع باب الجنة.

 

ومن جملة هذه المزايا التي أعطيت لرسولنا -صلى الله عليه وسلم- وخُصَّ بها أن ربه -سبحانه وتعالى- خصه وأعطاه "نهر الكوثر "، يقول الله -سبحانه وتعالى- في سورة كاملة في القرآن الكريم سماها باسم هذا النهر العظيم، سورة الكوثر، بعد بسم الله الرحمن الرحيم: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ * إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) [سورة الكوثر].

 

إن الكوثر في لغة العرب مأخوذ من الكثرة، بل المفرط في الكثرة، فهو ليس مجرد الكثرة فقط، وإنما الكثرة المبالغ فيها، وكان العرب يسمون الرجل السخي المعطاء بالكوثر.

 

وأما في الشرع؛ فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه: " أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟" فَقُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ" رواه مسلم.

 

وتأملوا قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "عليه خير كثير"، فهذا اللفظ يدل على التطابق بين المعنى اللغوي والشرعي للكوثر، وهذا ما فهمه ترجمان القرآن الصحابي الجليل عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، حيث قال في الكوثر: "هُوَ الخَيْرُ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ".

 

أيها المسلمون: أخرج الإمام مسلم في صحيحه، عَنْ أَنَسٍ بن مالك -رضي الله عنه-، قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَبَسِّمًا، فَقُلْنَا: مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ، فَقَرَأَ: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ* فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ* إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ). ثُمَّ قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ)"، فَقُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: " فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، عَلَيْهِ خَيْرٌ كَثِيرٌ، هُوَ حَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ، فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ، فَأَقُولُ: رَبِّ، إِنَّهُ مِنْ أُمَّتِي! فَيَقُولُ: مَا تَدْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ" رواه مسلم. أي: ما أحدثوا بعدك من المعاصي والمخالفات التي توجب الحرمان من الشرب من هذا النهر.

 

فالكوثر إذاً هو نهر عظيم، وعد الله -سبحانه وتعالى- نبيه -صلى الله عليه وسلم- به يوم القيامة؛ كرامة وتشريفاً له صلوات ربي وسلامه عليه.

 

وهذا النهر يقع في بطنان الجنة، أي في أعلاها وأعدلها وأرفعها قدراً؛ فعن عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: مَا الْكَوْثَرُ؟ قَالَتْ: نَهَرٌ أُعْطِيَهُ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- فِي بُطْنَانِ الْجَنَّةِ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا بُطْنَانُ الْجَنَّةِ؟ قَالَتْ: وَسَطُهَا، حَافَّتَاهُ دُرٌّ مُجَوَّفٌ. رواه أحمد.

 

وأخبر -عليه الصلاة والسلام- أن حوضه العظيم الذي ترد عليه أمته يوم القيامة يأتي ماؤه من هذا النهر، نهر الكوثر؛ ولذا يسمى حوض الكوثر.

 

والدليل على ذلك ما رواه أبو ذر -رضي الله عنه-: إن الحوض يشخب -أي: يصب- فيه ميزابان من الجنة. رواه مسلم.

 

وظاهر الحديث أن الحوض بجانب الجنة لينصب فيه الماء من النهر الذي داخلها، كما قال ذلك ابن حجر -رحمه الله-.

 

وجاء لهذا النهر صفات أُخَر، منها وصف دقيق لحافتيه، وطينته؛ فحافتاه من قباب الدر المجوف، وطينته مسك أذفر، يقول -صلى الله عليه وسلم-: "بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِنَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ، الَّذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ، فَإِذَا طِينُهُ -أَوْ طِيبُهُ- مِسْكٌ أَذْفَرُ " رواه البخاري.

 

وفي رواية أخرى عَنْ أَنَسٍ -رضي الله عنه-، قَالَ: لَمَّا عُرِجَ بِالنَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ: "أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ، حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ مُجَوَّفًا، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ" رواه البخاري.

 

فنبينا -صلى الله عليه وسلم- في ليلة الإسراء والمعراج رأى نهر الكوثر الذي أعطاه ربه إياه، ووصفه بأن حافتيه قباب الدر المجوف، أي: على حافتي النهر قباب مجوفة من اللؤلؤ، الجوهر النفيس المعروف، وطينته أو طيبه أذفر، أي: شديد الرائحة، يفوح بالروائح الجميلة.

 

ومن حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: " الكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الجَنَّةِ، حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ، وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَاليَاقُوتِ، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ العَسَلِ، وَأَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ" رواه الترمذي وصححه الألباني.

 

ولَا تَخَالُفَ بَيْنَ قوله: "حَافَتَاهُ مِنْ ذَهَبٍ"، وبين قوله: "حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ"؛ لِأَنَّ حَافَّتَيْهِ تَكُونَانِ مِنَ الذَّهَبِ، وَأَمَّا الْقِبَابُ مِنَ اللُّؤْلُؤِ فَتَكُونُ مَبْنِيَّةً عَلَيْهِمَا، وَمَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ، أَيْ: جَرَيَانُ مَائِهِ عَلَيْهِمَا، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ الْمِسْكِ، أَيْ: تُرَابُهُ أَطْيَبُ رِيحًا مِنْهُ.

 

فهذا الحديث فيه وصف لحافتي النهر ومجراه، وفيه أيضاً وصف لتربته ومائه؛ فماؤه أحلى من العسل، هذا في الطعم؛ وأما في اللون فلونه أبيض من الثلج، متَّعَنا الله وإياكم بالشرب منه.

 

أما آنيته التي يشرب بها، فقد قَالَ أَنَسٌ: قَالَ نَبِيُّ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "تُرَى فِيهِ أَبَارِيقُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ" رواه مسلم. وفي رواية: "أَوْ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ" رواه مسلم. وهذا يدل على كثرة الواردين عليه من أمته -صلى الله عليه وسلم-، فهل سنكون منهم؟ أم سنحرم هذا الخير مع عظمته، وكثرة آنيته، وكثرة الوافدين عليه؟ فإذا حرمت من الشيء الكثير والوفير فهذا هو أقسى الحرمان، وأعظم الخسران!.

 

عباد الله: ها هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يحدثنا عن الطيور التي حول نهر الكوثر، فيقول: كما في حديث أنَس بْن مَالِكٍ -رضي الله عنه-، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا الْكَوْثَرُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "هُوَ نَهَرٌ أَعْطَانِيهِ اللَّهُ فِي الْجَنَّةِ، أَبْيَضُ مِنْ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنْ الْعَسَلِ، فِيهِ طُيُورٌ أَعْنَاقُهَا كَأَعْنَاقِ الْجُزُرِ"، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّهَا لَنَاعِمَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "آكِلُوهَا أَنْعَمُ مِنْهَا" رواه الترمذي وصححه الألباني.

 

وعن أنس بلفظ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ طَيْرَ الْجَنَّةِ كَأَمْثَالِ الْبُخْتِ تَرْعَى فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هَذِهِ لَطَيْرٌ نَاعِمَةٌ! فَقَالَ: "أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا، أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا، أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا؛ وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَأْكُلُ مِنْهَا يَا أَبَا بَكْرٍ" رواه أحمد.

 

ومعنى هذا أن في أطراف النهر طيورا كبيرة، طويلة الأعناق، حتى إن أعناقها كأعناق الإبل، أُعِدَّت لِلنَّحْرِ لِيَأْكُلَ مِنْهُا الشاربون من ذَلِكَ النَّهْرِ، فلما سمع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وصف هذه الطيور وضخامتها، قال يا رسول الله إنها لناعمة، أي لمتنعمة مترفة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أَكَلَتُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا".

 

ومن الصفات التي أخبر بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن نهر الكوثر: أخبر أنه يجري على وجه الأرض من غير أن يحدث شقا فيها؛ فعن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: "أُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ؛ فَإِذَا هُوَ نَهَرٌ يَجْرِي وَلَمْ يُشَقَّ شَقًّا، فَإِذَا حَافَتَاهُ قِبَابُ اللُّؤْلُؤ، فَضَرَبْتُ بِيَدِي إِلَى تُرْبَتِهِ فَإِذَا هُوَ مِسْكَةٌ ذَفِرَةٌ، وَإِذَا حَصَاهُ اللُّؤْلُؤُ" رواه أحمد.

 

وسأل سماك ابْن عَبَّاسٍ عن أنهار الجنة: "فَمَا أَنْهَارُهَا، أَوَفِي خَدِّهِ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهَا تَجْرِي عَلَى الْأَرْضِ مُسْتَكِفَّةً، لَا يَسْتَفِيضُ مَاؤُهَا هَا هُنَا، وَلَا هَا هُنَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا: كُونِي فَكَانَتْ". رواه أبو نعيم الأصبهاني في صفة الجنة.

 

وعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "لَعَلَّكُمْ تَظُنُّونَ أَنَّ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ أُخْدُودٌ فِي الْأَرْضِ؟! لَا وَاللهِ! إِنَّهَا لَسَائِحَةٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، حَافَتَاهَا خِيَامُ اللُّؤْلُؤِ، وَطِينُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الْأَذْفَرُ؟ قَالَ: "الَّذِي لَا خَلْطَ مَعَهُ" صححه الألباني.

 

يقول ابن القيم -رحمه الله- في نونيته المشهورة: فصل: في أنهار الجنة:

أنهارُها في غيرِ أخدودٍ جَرَتْ *** سبحانَ مُمْسِكِها عن الفيضانِ!

مِن تحتهم تجري كما شاؤوا مُفَجَّرَةً وما للنهر من نقصان

عسَلٌ مُصَفَّى ثُمَّ ماءٌ ثُمَّ خَمْرٌ ثم أنهارٌ من الألبان

والله ما تلك المواد كهذه *** لكنْ هما في اللفظ مجتمعان

هذا وبينهما يسيرُ تَشَابُهٍ *** وهُوَ اشتراكٌ قام بالأذْهَان

 

أيها الناس: يقول الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ) [محمد:15].

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والعظات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، وتوبوا إليه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين؛ والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم النبيين، وقائد الغر المحجلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين.

 

أما بعد:

 

عباد الله: عشنا وإياكم مع كوثر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتمتعنا بسماع عدد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية عن هذا النهر العظيم، ولكن -يا عباد الله- هل اشتقنا إلى هذا المعين العذب، والنهر الصافي؟ هل تاقت نفوسنا إلى الشرب من هذا النهر الجاري؟.

 

إذا أردنا أن يكرمنا الله بهذه الكرامة العظيمة، ويسقينا من نهر الكوثر شربة بيد الرسول -صلى الله عليه وسلم- الشريفة لا نظمأ بعدها أبداً، فلنستن بسنته، ولنتمسك بهديه، ولنتبع أثره، ولنقتدي بمنهجه، فهذا أعظم سبيل لنيل هذه الكرامة، وبلوغ هذا المقام السامي.

 

وأما من خالف سنته -صلى الله عليه وسلم-، واتبع سبيلاً غير سبيله، وسلك طريقاً مخالفاً لطريقه فهذا أبعد الناس عن الشرب من الكوثر.

 

فلنحذر من البدع والمحدثات المستحدثة في الدين؛ فكم من أناس يتعبدون الله بعبادات لم يشرعها الله، ولم يفعلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويقومون بهذه البدع وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ويظنون أنهم سيؤجرون على قيامهم بهذه المستحدثات، وما علموا أنهم كالعامل الذي ليس له من عمله إلا التعب والنصب.

 

ويوم القيامة تكون الصدمة الكبرى، عندما يأتون ليشربوا من نهر الكوثر، فيتفاجؤوا بردهم وطردهم، فيقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "إنهم من أمتي"، فيُقال له -صلى الله عليه وسلم-: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك.

 

كما أن علينا أن نحذر من كل المعاصي والمخالفات، بكل أشكالها وألوانها وصورها، فكل هذا مما يبعد العبد عن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ويعرضه لعدم اللقاء به -بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام-.

 

وما أحوجنا جميعاً يوم القيامة إلى القرب من رسولنا، وشفيعنا وحبيبنا -صلى الله عليه وسلم-، والأنس به، والقرب من مجلسه، والشرب من حوضه، فالجنة فيها أنهار كثيرة مختلفة ومتنوعة، إلا أن هذا النهر، نهر الكوثر، نهر خص به رسولنا -صلى الله عليه وسلم-، أعطاه إياه ربه عطاء منه -سبحانه وتعالى-، فالمحروم من أُمَّة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من حرم من الشرب منه، والمطرود الحقيقي من طرد عنه.

 

كما أود في الأخير أن أنبه على اعتقاد خاطئ يعتقده بعض الناس، حيث اشتهر بين بعض العوام وكبار السن، أن من أحب أن يسمع خرير الكوثر، أي: صوت سير مياهه، فليجعل أصبعيه في أذنيه، ويروون في ذلك رواية يظنونها حديثاً، تقول: "إذا جعلت إصبعيك في أذنك سمعت خرير الكوثر". ورواية أخرى تقول: "إن الله أعطاني نهرا يقال له الكوثر في الجنة، لا يدخل أحد أصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر"، وهذا الحديث، كما يقول الإمام العقيلي -رحمه الله- ليس له أصل، ويقول عنه الشيخ الألباني -رحمه الله- في ضعيف الجامع إنه موضوع.

 

فلنجافي هذه الاعتقادات التي لا أصل لها، وليعلم كبار السن أن هذه تصورات خاطئة ليس لها دليل معتمد، أو نص صحيح في الشريعة الإسلامية، وإنما هي أوهام وخرافات قد يحرم العبد بها فضل الشرب من ذلك النهر.

 

اللهم إنّا نسألك شربة هنيئة من نهر الكوثر لا نظمأ بعدها أبداً.

 

اللهم إنا نسألك برحمتك وفضلك ومنك وكرمك يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين أن تجعلنا لكوثر نبيك -صلى الله عليه وسلم- من الواردين الشاربين؛ ونعوذ برحمتك من الحرمان من وروده، ومن أن نُطرد عنه وعن صاحب اللواء المعقود، والمقام المحمود، والحوض المورود -صلى الله عليه وسلم-.

 

اللهم اجعلنا من المستمسكين بسنته، المقتفين أثره، المتبعين لمنهجه؛ ولا تحرمنا السقيا من نهجه المعين، ومنهجه العذب، فنحرم من الشرب ونبعد عن الكوثر والحوض.

 

اللهم إنا نسألك من الخير كله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله، ما علمنا منه وما لم نعلم.

 

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف:23]. (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة:201].

 

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

 

 

 

 

المرفقات

ما الكوثر؟

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات