أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه

عبدالله عوض الأسمري

2020-12-16 - 1442/05/01
عناصر الخطبة
1/فضائل أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه 2/جهاده وبطولاته 3/استشهاده ووفاته.

اقتباس

يا له من مقام عظيم! يظهر فيه الإيمان الصادق والولاء لله وما يرضي الله، والبراء من الكفر والمنافقين أعداء الله وإن كانوا من الآباء والأمهات .

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب:70-71].

 

عباد الله: نتحدث اليوم عن صحابي جليل أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم مبكرًا على يد أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- كان ممن هاجر إلى الحبشة، وصبر على أذى قريش لقَّبه النبي -صلى الله عليه وسلم- "أمين هذه الأمة"؛ إنه أبو عبيدة عامر بن الجراح –رضي الله عنه وأرضاه- شارك في غزوة بدر، وله موقف بطولي فيها نزل فيه؛ حيث كان أبوه مع جيش الكفار، فما الذي جرى؟

 

فقد روي أن "والد أبي عبيدة جعل يتصدَّى لابنه أبي عبيدة يوم بدر يريد قتله، فيحيد عنه الابن إلا أنه أكثر والده من محاولة قتله فتقاتلا فقتل الابن والده الكافر، فنزلت آيات تُتْلَى إلى يوم القيامة؛ (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[المجادلة:22]، قال ابن حجر: إسناده جيد .

 

يا له من مقام عظيم! يظهر فيه الإيمان الصادق والولاء لله وما يرضي الله، والبراء من الكفر والمنافقين أعداء الله وإن كانوا من الآباء والأمهات .

 

ومن مواقف أبي عبيدة -رضي الله عنه- في غزوة أُحُد أنه دخلت في وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- حلقتان من حديد المغفر والخوذة التي كانت على رأس النبي -صلى الله عليه وسلم-، فأقبل أبو بكر الصديق يريد أن ينزعها فأقسم عليه أبو عبيدة أن يتركها.

 

وخشي أبو عبيدة أن يؤذي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إن نزعها بيده فعض على الحديدة الأولى بأحد أسنانه "ثنيته"؛ فنزعها، فوقعت ثنيته، ثم عضَّ الحديدة الأخرى التي في وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- فنزعها، وانقلعت معها الثنية الثانية، فأصبح بأفضل ابتسامة إذا تبسم .

 

حتى قيل: "ما رُوِيَ هتم قط أحسن من هتم أبي عبيدة"(سير أعلام النبلاء).

فانظر إلى تضحيته بأسنانه من أجل سلامة النبي -صلى الله عليه وسلم- .

 

لم يكن أبو عبيدة -رضي الله عنه- يميل إلى المناصب والرئاسة؛ فقد بعثه النبي -صلى الله عليه وسلم- لمساعدة عمرو بن العاص، وقال له: "لا تختلفا"، أي: مع عمرو بن العاص فخرج أبو عبيدة حتى قدم على  جيش عمرو بن العاص، فقال له عمرو بن العاص: "إنما جئت مددًا لي"، فقال أبو عبيدة: "يا عمرو أن رسول الله قال لي: "لا تختلفا"، وأنت إن عصيتني أطعتك"، فقال عمرو: "فأنا أمير عليك، وإنما أنت مددٌ لي"؛ فاستجاب أبو عبيدة له وأطاعه .

 

هو أمين هذه الأمة؛ حيث لما جاء للنبي -صلى الله عليه وسلم- أهل نجران، فقالوا له "ابعث معنا رجلاً أمينًا"، فبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- أبو عبيدة، وقال: "هذا أمين  هذه الأمة"(رواه البخاري) .

 

ونظرًا لمكانة أبي عبيدة وصِدْق إيمانه رشَّحه أبو بكر -رضي الله عنه- للخلافة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقال في سقيفة بني ساعدة: "قد رضيتُ لكم أحد هذين الرجلين عمر بن الخطاب أو أبي عبيدة عامر بن الجراح"؛ فجزى الله  أبا عبيدة على ما قدم  للإسلام والمسلمين، وجمعنا به  في الفردوس الأعلى يا رب العالمين.

 

نسأل الله أن يجعلنا ممن يسمع القول فيتبع أحسنه؛ إنه وليّ ذلك والقادر عليه، أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم .

 

 

الخطبة الثانية:

 

 الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه وسلم.

 

خرج المجاهد أبو عبيدة إلى الشام مجاهدًا، وقدَّر الله أن يُصَاب بمرض الطاعون، فمات شهيداً في سبيل الله؛ فقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما تَعدّون الشهيد فيكم"؟، قالوا يا رسول الله: مَن قُتِلَ في سبيل الله فهو شهيد. قال: "إنَّ شهداء أمتي إذاً لقليلٌ"، قالوا: فمن هم يا رسول الله؟ قال: "مَن قُتِلَ في سبيل الله فهو شهيد، ومَن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد"(رواه مسلم).

 

فغفر الله له وتقبَّله في الشهداء، ولنتعلم من سيرته الإخلاص لله -عز وجل-، وصدق إيمانه، وما قدَّمه للإسلام من جهادٍ في سبيل الله ودفاعٍ وتضحية عن دين الله ورسوله، وعدم حبّه للدنيا والرئاسة وتعلّقه بالآخرة؛ فرضي الله عنه وأرضاه وجميع الصحابة.

 

ونسأل الله أن يرزقنا الاقتداء بهم في خدمة الدين، ونسأله -سبحانه- أن يرزقنا شكر نعمه، وأن يجعلنا من السعداء في الدنيا والآخرة، ألا وصلوا على سيدنا محمد كما أمركم الله -عز وجل-: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

اللهم أَعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، اللهم أَعِزَّ الإسلامَ والمسلمينَ، وأَذِلَّ الشركَ والمشركينَ، ودَمِّر أعداءَ الدِّينِ، واجعَلْ هذا البلدَ آمِنًا مطمئنًّا، رخاءً سخاءً، وسائرَ بلاد المسلمين، اللهم بفضلك عمنا، وبلطفك حفنا، وعلى الإسلام والسنة والجماعة جمعا توفنا، توفنا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين ولا مبدلين ولا مغيرين، يا رب العالمين.

 

اللهم ما سألناكَ من خير فأَعْطِنا، وما لم نسألك فابتَدِئْنا، وما قَصُرَتْ عنه آمالُنا وأعمالُنا من خيرَيِ الدنيا والآخرة فبَلِّغْنا، اللهم إنَّا نسألكَ الهدى والتقى، والعفاف والغنى، اللهم إنَّا نسألكَ العفو والعافية في ديننا ودنيانا وأهلينا وأموالنا، اللهم استر عوراتنا، وآمِنْ روعاتنا، واحفظنا من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن أيماننا وعن شمائلنا، ومن فوقنا، ونعوذ بعظمتك أن نغتال من تحتنا.

 

اللهم ارحم في هذه الدنيا غربتَنا، وفي القبور وحشتَنا، ويومَ القيامة بين يديك ذُلَّ وقوفنا، يمِّمْ كتابَنا، ويَسِّر حسابَنا، وثبِّتْ على الصراطِ أقدامَنا، يا أرحم الراحمين، يا رب العالمين.

 

المرفقات

أبو عبيدة عامر بن الجراح رضي الله عنه

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات