أبو ذر الزاهد

د. محمود بن أحمد الدوسري

2026-02-20 - 1447/09/03 2026-02-24 - 1447/09/07
عناصر الخطبة
1/شيء يسير من فضائل وسيرة الصحابي الجليل "أبو ذر الغفاري رضي الله عنه 2/دعوة الأنام إلى الدعوة إلى دين الإسلام وتعاليمه العظام.

اقتباس

أن ترشد الناس للحق أن تبذل النصيحة لكل مسلم، أن تغار لدين الله، أن تأمر بالمعروف وتنهى عن منكر بلسانك أو قلمك أو جاهك؛ هذا وربي ثمرات الصدق مع الله؛ يأتي أبو ذرٍ يوم القيامة وفي...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي كان بعباده خبيرا بصيرا، وتبار الذي جعل في السماء بروجا وجعل سراجا وقمرا منيرا، والصلاة والسلام على من بعثه ربه هاديا ومبشرا ونذيرا، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، أما بعد:

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)[التوبة: 119].

 

لغبـارُ أقدام الصحابة في الـردى *** أغلى وأعلى من جبـين الأبعــدِ

من غيرهم شـهد المشاهد كلهــا *** بـل من يشابهـهم بحُـسن تعبـدِ

 

أبو ذر وما أبو ذر؟ صاحب المكرمات والفضائل، إمامٌ العلمِ ورائدٌ الزهد، الصادع بالحق الصادق بالقول؛ أمّاراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، لا يخاف في الله لومة لائم، ما قال كلمة ليربح ودًّا، ولا سكت عن باطلٍ ليحفظ مقاماً؛ ضُرب في ذات الله حتى سال منه الدم فأصبح كأنه نصب أحمر؛ ترجم له الإمام الذهبي في السير فمجّده وأعلى من شأنه، وذكر أنه خامس خمسة في الإسلام.

 

ما أن سمع أبو ذرٍ بالإسلام حتى امتطى راحلته، وقطع الفيافي والقفار يبحث عن الحق، ذكر ذلك البخاري في صحيحه في قصةٍ طويلةٍ عجيبةٍ فريدة.. تنبؤك كيف تهون الدنيا عند العظماء، وكيف ترخص مُهج الأكابر أمام الحق، قَالَ أبو ذر -رضي الله عنه-: "فلما سمعت بالإسلام قدمت مكة فلَبِثْتُ ثَلَاثِينَ لَيْلَة، مَا كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ؛ فَسَمِنْتُ حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ بَطْنِي، وَمَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سُخْفَةَ جُوعٍ: فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ فَقَالَ: كَأَنَّ الرَّجُلَ غَرِيبٌ؟، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ غَدَوْتُ إِلَى المَسْجِدِ، فَمَرَّ بِي عَلِيٌّ، فَقَالَ: أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ يَعْرِفُ مَنْزِلَهُ بَعْدُ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: انْطَلِقْ مَعِي، فَقَالَ مَا أَمْرُكَ، قُلْتُ لَهُ: بَلَغَنَا أَنَّهُ قَدْ خَرَجَ هَا هُنَا رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَمَا إِنَّكَ قَدْ رَشَدْتَ، هَذَا وَجْهِي إِلَيْهِ فَاتَّبِعْنِي، فَمَضَى وَمَضَيْتُ مَعَهُ، حَتَّى دَخَلَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَقُلْتُ لَهُ: اعْرِضْ عَلَيَّ الإِسْلاَمَ، فَعَرَضَهُ فَأَسْلَمْتُ مَكَانِي، فَقَالَ لِي: "يَا أَبَا ذَرٍّ، اكْتُمْ هَذَا الأَمْرَ، وَارْجِعْ إِلَى بَلَدِكَ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورُنَا فَأَقْبِلْ" فَقُلْتُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَجَاءَ إِلَى المَسْجِدِ وَقُرَيْشٌ فِيهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَمَالَ عَلَيَّ أَهْلُ الْوَادِي بِكُلٍّ مَدَرَةٍ وَعَظْمٍ، حَتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، قَالَ: فَارْتَفَعْتُ حِينَ ارْتَفَعْتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أَحْمَرُ، فَكَانَ هَذَا أَوَّلَ إِسْلاَمِ أَبِي ذَرٍّ-رَحِمَهُ اللَّهُ-"(رواه البخاري)

 

ولما تحمل أبو ذر حمالة الإسلام مضى إلى قومه يدعوهم للإسلام، ولما قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة أتى أبو ذر بقبيلة غفار يقودها وقد دخلوا في دين الله؛ (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)[النصر: 1–3].

 

هذا هو الفتح للإنسان، هذا هو المشروع العظيم أن تحمل الهداية لغيرك، أن لاتكن أنانياً، وأن يبلغ دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة، أن تسعى لإنقاذ الناس من الضلالة؛ "بلغوا عني ولو آية".

  

أن ترشد الناس للحق أن تبذل النصيحة لكل مسلم، أن تغار لدين الله، أن تأمر بالمعروف وتنهى عن منكر بلسانك أو قلمك أو جاهك؛ هذا وربي ثمرات الصدق مع الله؛ يأتي أبو ذرٍ يوم القيامة وفي ميزان حسناته قبيلة غفار؛ أرأيتم عطاءً للإسلام كهذا العطاء؛ "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من حمر النعم"؛ فكيف لو هدى الله على يديك فئام من الناس.

 

هذي المكارم والعلياء تفتخرُ *** بيومِ مأثرة ساعاتهُ غررُ

 

ومن الناس من يتحمل أوزار الأمة ببدعة نشرها أو بمنكر أشاعة، أو بباطلٍ نشره بالتضحية والبذل نال أبو ذر حضوة عند المصطفى -صلى الله عليه وسلم-؛ قال الدرداء -رضي الله عنه-: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَبْتَدِئُ أَبَا ذَرٍّ إِذَا حَضَرَ، وَيَتَفَقَّدُهُ إِذَا غَابَ".

 

تلك منزلة لأهل الفضل والمكرمات تفتقد مجالسهم، وتحيي الأرض بهم، وقيمة الإنسان بما يحمل؛ سُئل عليٌ عن أبي ذر؛ فقال: "وَعَى عِلْماً عَجِزَ عَنْهُ، وَكَانَ شَحِيْحاً عَلَى دِيْنِهِ"، وفي صحيح مسلم قال الأحنف فقلت لأبي ذر: "مَا تَقُولُ فِي هَذَا الْعَطَاءِ؟ قَالَ: خُذْهُ فَإِنَّ فِيهِ الْيَوْمَ مَعُونَةً؛ فَإِذَا كَانَ ثَمَنًا لِدِينِكَ فَدَعْهُ".

 

وفي المسند الإمام أحمد: قال أبو ذر: "بَايَعَنِي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وَوَاثَقَنِي أَنْ لاَ أَخَافَ فِي اللهِ لَوْمَةَ لاَئِمٍ".

 

قال الإمام الأوزاعي: حدثني أبو كثير، عن أبيه، قال: أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه؛ فأتاه رجل، فوقف عليه، فقال: ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا؛ فرفع رأسه، ثم قال: أرقيب أنت علي! لو وضعتم الصمصامة على هذه - وأشار بيده إلى قفاه - ثم ظننت أني أنفذ كلمة سمعتها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل أن تجيزوا علي، لأنفذتها".

 

قال علي -رضي الله عنه-: "لم يبق أحد لا يبالي في الله لومة لائم، غيرُ أبي ذر"؛ كان أبو ذر يهب لنصرة الإسلام ولو مشيا على قدميه، قال أهل السير "لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلَى تَبُوكَ..."(رواه البيهقي وغيره).

 

قال الذهبي: "وخلف أبا ذر بنتا له، فضمها عثمان إلى عياله".

 

-رضي الله عنهم وأرضاهم- وسلام على أبي ذر يوم أسلم ولم ينافق، ويوم قال ولم يجامل، ويوم مات فترك علماً وأثرا.

 

وأستغفر الله لي ولكم وللمسلمين والمسلمات؛ فاستغفروه إن ربي رحيم ودود.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد:

 

عبدالله: اعمل لدينك ولو بالقليل؛ فلا قليل مع الإخلاص، ولا بركة ولا قبول بالمرآة وحب الظهور؛ كل من تحمل الإسلام فعليه تبليغه ونشره، تعليم وتوجيه، دعوة ونصيحة، في الطريق والمدرسة وفي المسجد والعمل، تَحَمّل ضمام بن ثعلبة من النبي -صلى الله عليه وسلم- خمس أحكام تحْمِلُ مباني الإسلام العظام؛ فقال "آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي"؛ فأصبح داعية وموجه ومربي؛ فخرج وهو يردد: والله لَا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ"(رواه البخاري ومسلم).

 

فكم تحملنا وعلمنا وتعلمنا وعلمنا من احكام الإسلام، فالحملُ كبير والواجب عظيم؛ يعلمنا أبو ذر بسيرته أن المرء بقدر ما يحمل بقدر ما يرتفع اسمه ويبقى ذكره، وأن من يبحث عن إشهار أعماله أو تزكيات لأفعاله ومنجزاته؛ فإنما حضّه منها معرفة الناس بها واطلاعهم عليها؛ فما يبقى إلا ما كان خالصاً لله، ولا ينتفع الناس إلا بما اريد به وجه الله.

 

يجب أن يُعلم أن ما يصنعه الإعلام الساقط من محتوى هابط، وإبراز لقدواتٍ واعلام في الفنِ والرياضة، إنما هم مجرد رقم بشري لا قيمة لهم في عالم المعارف والمنجزات.. وما حضهم من الإنتاج والمخرجات، إلا أصوات تنهق، وقفزات وركلات.

 

ومن أراد الأعلام والقدوات؛ فهي من خلد التاريخ اسمهم، وسطرت المحابر منجزاتهم ورددت الأجيال الدعاء لهم، وانارت البشرية بنفعهم وعطائهم.

 

أَولَئِكَ آبَائِي فَجِئنِي بِمِثْلِهمْ *** إِذَا جَمَعتنا يَا جَريرُ المجَامعُ

 

اللهم اهد قلوبنا وأصلح اعمالنا، وأخلص نياتنا واحفظنا وازواجنا وذريتنا من مضلات الفتن،

اللهم آمنا في دورنا وأصلح ولاة أمورنا.

 

وصلوا على صاحب المقام المحمود والحوض المورود؛ فقد أمركم الله بالصلاة عليه، فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب:56].

 

 

 

المرفقات

أبو ذر الزاهد.doc

أبو ذر الزاهد.pdf

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات