آية محكمة ودلالتها

سليمان بن حمد العودة

2010-05-11 - 1431/05/27
عناصر الخطبة
1/ الأنس الحقيقي 2/ لا يستوي الفساق والأخيار والكفار والمؤمنون 3/ أثر الإيمان في مواجهة الابتلاءات 4/ من رحمة الله تسليط أنواع البلاء على العبد 5/ من رحمته ابتلاؤهم بالأوامر والنواهي 6/ من رحمته تحذيره الناس نفسه 7/ قليل من الناس من يشعر بأن هذه رحمات

اقتباس

إن الإيمان إذا وقر في القلب لم يعد للمرء من منغص في هذا الحياة، وصاحبة يرى مسكنه في الدنيا أعلى المنازل وإن كان مسكنه كوخاً مجمعاً.. أو بناءً صغيراً متواضعاً تمر بصاحب الإيمان الشدة أو الحاجة والمرض فيصير لها راضياً محتسباً فيعيش مطمئناً حينها، ثم تفرج الشدة وتقضى الحاجة ويزول المرض فيستبشر ويشكر

 

 

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم عليه وعلى سائر أنبياء الله ورسله، وارض اللهم عن أصحابه أجمعين والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [المائدة:35].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102].

عباد الله: تنطوي هذه الحياة الدنيا على مسرات وأحزان وشدة ورخاء، وليست المسرات والرخاء علائم خير دائماً، وليست الأحزان والشدائد دليل شر أو سخط على العبد، كلا وفي الناس من يتقلب في النعيم ويعيش معظم حياته في لهو ولعب، قد ترك لنفسه العنان لتقوده من شهوة إلى أخرى ومن الناس أيضاً من يكابد المرض، أو تتوالى عليه النوازل والمحن.

وإنك لتعجب أن ترى الصنف الآخر المبتلى أكثر أنساً وسعادة من الصنف الأول. فكيف يقع ذلك؟ وللإجابة باختصار أقول: إن الإيمان إذا وقر في القلب لم يعد للمرء من منغص في هذا الحياة، وصاحبة يرى مسكنه في الدنيا أعلى المنازل وإن كان مسكنه كوخاً مجمعاً.. أو بناءً صغيراً متواضعاً تمر بصاحب الإيمان الشدة أو الحاجة والمرض فيصير لها راضياً محتسباً فيعيش مطمئناً حينها، ثم تفرج الشدة وتقضى الحاجة ويزول المرض فيستبشر ويشكر، ويعيش في مسراتها أكثر مما عاشه المترفون طول حياتهم نعيماً وأنساً.

أجل -يا عباد الله- الأنس أنس الإيمان، والشقوة لأهل الكفر والفسوق والعصيان، وأن هملجت بهم البراذين وطقطت بهم البغال هانوا عليه فعصوه، ولو عزوا عليه لعصمهم.

هذه حقيقة ينبغي أن نعيها وإن اختلت موازين البشر في تقييمها.. لكنها أمر محكم، وقيمة ربانية.

ولتأكيد هذه الحقيقة تعالوا بنا لنقف على آية محكمة من كتاب الله طالما فرح بها المؤمنون، وأثر عن بعض السلف أنهم كانوا يقرأونها ويرددونها ويبكون لها حتى الفجر. تلكم الآية قوله تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) [الجاثـية:21].

"عن مسروق أن تميماً الداري رضي الله عنه قام ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية".

وقال بشير: بت عند الربيع بن خثيم ذات ليلة فقام يصلي، فمر بهذه الآية فمكث ليلة حتى أصبح لم يعدها ببكاء شديد، كما كان الفضيل بن عياض -يرحمه الله-كثيراً ما يقرأ هذه الآية ويرددها من أول الليل إلى آخره -كذا نظائرها- ثم يقول: ليت شعري من أي الفريقين أنت؟

وكانت هذه الآية تسمى مبكاة العابدين لأنها محكمة.

يا أخ الإيمان: أما نظائر هذه الآية فكثير في كتاب الله اقرأ وتمعن قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ *أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) [السجدة:18-20].

واقرأ وتدبر قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص:72-28].

وقِفْ وقفةَ خاشع مصدق بقوله تعالى: (لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ) [الحشر:20].

أيها المسلمون: ومن عدل الله ورحمته ألا يسوي بين الأخيار والفساق، ومن باب أولى ألا يسوي بين المؤمنين والكفاء سواء في الحياة الدنيا أو في الآخرة.

وإذا علم عظيم الفرق في الجزاء في الآخرة، بما لا يمكن أن يتصوره المرء في مخيلته من أنواع النعيم، أو دركات الجحيم، والله يقول: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:17]، وفي سؤال موسى – عليه السلام – ربه عن أدنى وأعلى أهل الجنة منزلة ما يكشف طرفاً من هذا النعيم، قال يا رب ما أدنى أهل الجهة منزلة؟ قال: هو رجل يأتي بعدما يدخل أهل الجنة الجنة، فيقال له: ادخل الجنة، فيقول أي رب كيف وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا أخذاتهم، فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا؟ فيقول: رضيت ربي، فيقول لك مثله، ومثله معه، ومثله، ومثله، ومثله، فقال في الخامسة رضيت رب، فيقال هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذة عينك، فيقول رضيت رب (فهذا أدنى أهل الجنة منزلة) قال موسى: رب فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الذين أردت غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر، قال: ومصداقة من كتاب الله قوله تعالى: (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة:17].

فإذا قارنت هذه الصورة بصورة معاكسة قال الله في بيانها: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) [فاطر:36-37] - أدركت عظيم الفرق بين الفئتين، وتباين الصورتين وتفاوت المنزلتين – ولكن ينبغي أن تعلم -يا أخ الإسلام- أن فضل الله واقع ونعمته حاصلة لأهل الإيمان في الحياة الدنيا، قبل بلوغهم ما وعدوا به في الآخرة.. وآية الجاثية تقرر هذا وتؤكده والله يقول: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ *وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) [الجاثـية:21-22].

فهم سعداء في حياتهم وبعد مماتهم وقيل إن الضمير في قوله: (مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ) يعود على الكفار، والمعنى: محياهم محيا سوء، ومماتهم ممات سوء.

وقال مجاهد: "المؤمن يموت مؤمناً ويبعث مؤمناً، والكافر يموت كافراً ويبعث كافراً".

وقوله تعالى: (سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ) أي ساء ما ظنوا بنا وبعد لنا أن نساوي بين الأبرار والفجار في الدار الآخرة وفي هذه الدار.

أخوة الإسلام: والمتأمل في آيات القرآن يلحظ الحديث عن عدل الله وبيان حكمته من خلق السماوات والأرض أو مؤخراً حين الحديث عن فروق الجزاء بين الكفار والمؤمنين وبين المتقين والفجار، وحيث جاء ذكر العدل مؤخراً في آية الجاثية السابقة، فقد جاء مقدماً في آيات (ص) كما في قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّار * أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [صّ:27-28].

أيها المسلمون: وهذه الآيات ونظائرها داعية للإيمان مؤنسة للمؤمنين، وفيها الوعيد للكفار، وهي تكشف عن نوع الحياة التي يعيشها الفريقان في الحياتين، وفيها مبشرات عاجلة لأهل الإيمان لا تبديل لكلمات الله، ولا مغير لحكمه، وحري بأهل الإيمان أن يفرحوا بهذه الآيات ونظائرها، قال تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [يونس: 62-64].

 

 

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله رب العالمين أجزل المثوبة لأهل الإيمان، وحكم بعدله وقضائه بالخيبة والخسران لأهل الكفر والطغيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خلق الإنسان في أحسن تقويم، وهداه النجدين.. فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كذبوا بآيات الله يمسهم العذاب بما كانوا يفسقون.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وخيرته من خلقه، وما قبضه الله حتى ترك الأمة على محجة بيضاء ليلها كنهارها، ولا يزيغعنها إلا هالك.. ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين، ويرزقه العمل والاستعداد ليوم الدين، اللهم صل عليه وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين.

أيها الناس: يشهد الناس مصداق كتاب الله في واقع الحياة؛ إذ يرون فقيراً مدقعاً، أو مريضاً، أو مبتلى من أهل الإيمان ولكن حياته أنس وطمأنينة ورضا وصبر وشكر، قانع بما آتاه الله، راض بما قسم له، صابر على ما أصابه.

ويرون ذا نعمة موسراً معافى ولكن الهموم تتناوشه، والأمراض النفسية تحيط به، ذلكم لقلة الشكر والذكر عند هؤلاء، وفي القرآن إشارة إلى غلبة التكذيب والبطر عند أهل النعمة: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً) [المزمل:11].

(كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى * إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى) [العلق:6-8].

وجاءت إشارات القرآن كذلك إلى ربط الرضى والصبر والشكر عند أهل الإيمان والبلوى (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) [الانبياء:83-84].

أخوة الإيمان: هنا أتوقف عند ذكر الرحمة في هذه الآية إثر ما ابتلى الله به نبيه أيوب عليه السلام، حتى امتدحه الله بالصبر عليها في آية أخرى فقال: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [صّ: 44].

وأقول إن القلة من الناس من يرى رحمة الله بعباده من خلال ابتلائهم بأنواع البلوى، ولذا قال العارفون: إن من تمام رحمة أرحم الراحمين تسليط أنواع البلاء على العبد فإنه أعلم بمصلحته، فابتلاؤه له وامتحانه ومنع من كثير من أغراضه وشهواته من رحمته به، ولكن العبد لجهله وظلمه يتهم ربه بابتلائه، ولا يعلم إحسانه إليه بابتلائه وامتحانه وقد جاء في الأثر: إن المبتلى إذا دعي له: اللهم ارحمه يقول الله سبحانه: كيف أرحمه من شيء به أرحمه؟

وفي أثر آخر: إن الله إذا أحب عبده حماه الدنيا وطيباتها وشهواتها، كما يحمي أحدكم مريضه.

فهذا من تمام رحمته به، لا من بخله عليه.

ومن رحمته -سبحانه- بعباده ابتلاؤهم بالأوامر والنواهي رحمة وحمية، لا حاجة منه إليهم بما أمرهم به؛ فهو الغني الحميد، ولا بخلا منه عليهم بما نهاهم عنه فهو الجواد الكريم.

ومن رحمته أن نغص عليهم الدنيا وكدرها؛ لئلا يسكنوا إليها، ولا يطمئنوا إليها ويرغبوا في النعيم المقيم في داره وجواره، فساقهم إلى ذلك بسياط الابتلاء والامتحان؛ فمنعهم ليعظهم، وابتلاهم ليعافيهم، وأماتهم ليحييهم.

ومن رحمته بهم أن حذرهم نفسه؛ لئلا يغتروا به، فيعاملوه بما لا تحسن معاملته به، كما قال تعالى: (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) [آل عمران:30] كما قال غير واحد من السلف "من رأفته بالعباد حذرهم من نفسه لئلا يغتروا به".

أيها المسلمون: ألا إن الذين يشهدون هذه المشاهد ويشعرون بهذه المشاعر هم المؤمنون حقاً، فهم يأنسون بذكر الله، ويشكرون أنعمه، ويصبرون محتسبين على أقداره وأولئك أهل الإيمان، وأصحاب الطمأنينة، وعنهم قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد:28].

اللهم اجعلنا منهم بمنك وكرمك يا أرحم الراحمين.

أما غيرهم فيتأفف لكل نازلة، ويضيق بأي بلوى تصيبه إعراضه عن الله دائم، ونعم الله عليه تتوالى، فلا هو على النعم شكر، ولا عن التضجر عن مصائب الدنيا ازدجر، أولئك يعيشون حياة الضنك في الدنيا، ويحشرون يوم القيامة على وجههم عمياً (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) [طـه: 124-126].

وعلى قدر البعد عن الله ونسيان آياته، والإعراض عن ذكره يكون الضنك في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

يا أهل الإيمان: اعرفوا ربكم -بأسمائه وصفاته- حق المعرفة، وقدروا ن عمة الإيمان، واشكروه على نعمة الإسلام، وتحلوا بآداب الإسلام وقيمه، وقدموها للناس بسلوككم راضين مطمئنين شاكرين، ذاكرين، متطلعين إلى دار البقاء، متجافين عن دار الغرور، ألا فأكثروا من زاد التقوى فالسفر طويل، وخففوا أحمال السيئات فالعقبة كؤود وأخلصوا العمل فالناقد بصير، وتفقدوا قلوبكم بالإيمان (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التغابن:11].

إلا وأن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.. اللهم أصلح فساد قلوبنا، وردنا والمسلمين إليك رداً جميلاً.
 

 

 

 

 

المرفقات

محكمة ودلالتها

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات