آفة الكلمة

عبد الرحمن بن صالح الدهش

2015-02-07 - 1436/04/18
عناصر الخطبة
1/ خطورة بلايا اللسان 2/ النميمة آفة من آفات اللسان 3/ من أقبح النميمة: إفشاء الأسرار 4/ صور من شرور النميمة ومفاسدها 5/ شكر النعمة وتصريفها في مرضاة الله سبحانه.

اقتباس

النميمة مرض قلبي قبل أن يكون آفة من آفات اللسان، فالنمام ينقل الكلمات بين الناس بقصد الإفساد بينهم، فيفرّق المتصافيين، ويزرع الأحقاد. نسي النمام نفسه، وغابت عنه عيوبه فاشتغل بحال غيره، فهو يُفشي الشر ويطوي الخير، وإن لم يجد كذب وافترى، وزاد في الحدث واجترأ.. يفسد في جِلسة ما لا يفسده غيره في سنة كاملة. فيا لله كم أسرة تفككت بالنميمة وحْدَتُها، وأرحامٍ تقطعت بسببها صلتها!! وكم من مستحق حرُم استحقاقَه بوشاية ونميمة نقلت إلى مرجعه، فكرهه مديره، وتعطلت مصالحه، وضاعت بل أضيعت فرصته المالية وعلاواته الوظيفية!! بسبب هذا الجريء على حدود الله المستهين بكبيرة من كبائر الذنوب...

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله..

 

أما بعد: فما أشد ذنباً أتاه صاحبه على حين جهالة من عمله، وسفه في نفسه.

 

فهو لا يرى أنه فعل شيئاً، أعمته نشوة الحديث، وفتنة القول، وللقول –يا عباد الله- فتنة قل الناجون منها، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- "وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم".

 

حديثي -أيها الإخوة- إليكم عن ذنب لازم صاحبه، حتى صار رديفاً له يمشي به قد لازمه ملازمة الظل لصاحبه، يغشى به الناس، ويحضر به مجالسهم.

 

ثم لا يزال كذلك يمضي عمره حتى إذا حضر الموت، وفارقت الروح جسدها، وطويت صحيفة أعماله، ونقل الرجل إلى قبره وجد عمله الذي يمشي به قد سبقه إلى قبره ليأخذ جزاءه عاجلاً في ظلمة القبر قبل يوم حسابه، فماذا هذا العمل الذي هذا بعض شؤمه؟!

 

استمع إلى الحديث المتفق عليه.. عن عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- قال: "مرّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بقبرين، فقال: إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين، فغرز في كل قبر واحدة. فقالوا: يا رسول الله لِمَ فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا".

 

هذا هو عمله وهذه عقوبته العاجلة، نعوذ بالله من عذاب القبر.

كان يمشي بالنميمة، فلعظمها وشدة أثرها صارت سبباً لعذاب القبر.

 

والنميمة -يا عباد الله- مرض قلبي قبل أن يكون آفة من آفات اللسان، فالنمام ينقل الكلمات بين الناس بقصد الإفساد بينهم، فيفرّق المتصافيين، ويزرع الأحقاد.

 

نسي النمام نفسه، وغابت عنه عيوبه فاشتغل بحال غيره، فهو يُفشي الشر ويطوي الخير، وإن لم يجد كذب وافترى، وزاد في الحدث واجترأ.

 

حاله حال الناصح الراغب في الخير يقطر لسانه من حلاوة الألفاظ، ولكن قلبه يعتصر بالغيظ والأحقاد.

 

يفسد في جِلسة ما لا يفسده غيره في سنة كاملة.

قال فيه أبو هريرة -رضي الله عنه- وصدق: "النمام شر خلق الله"..

 

فيا لله كم أسرة تفككت بالنميمة وحْدَتُها، وأرحامٍ تقطعت بسببها صلتها.

وكم من مستحق حرُم استحقاقَه بوشاية ونميمة نقلت إلى مرجعه، فكرهه مديره، وتعطلت مصالحه، وضاعت بل أضيعت فرصته المالية وعلاواته الوظيفية!! بسبب هذا الجريء على حدود الله المستهين بكبيرة من كبائر الذنوب.

 

فموعدة القبر وظلمته: "إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير..."، أي: ليس بكبير، فليس شاقًّا عليه، بل يمكنه التحرز منه لو راقب الله ونهى النفس عن الهوى، ولكنه طغى وآثر الحياة الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.

 

أيها الإخوة: إن من أقبح النميمة حينما تكون نميمة بسِرّ قد ائتمنت عليه، أحسن الظن بك صاحبه، وقال: لم أخبر بهذا غَيرك، ولم أُطلع على ما قلته لك أحداً.

 

وعن جابر -رضي الله عنه- عن النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: "إذا حدَّث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة" (رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وكذا الألباني).

 

فقرت عينه أنّ سِرّه في مأمن، وما علم أن صاحبه الذي وثق فيه صادق ثقة في غير محلها، فسرعان ما التفت إلى من يلقيه إليه ويحدثه به ليفشي سرّاً اؤتمن عليه، متزلفاً إلى هذا الآخر أنه خصه بسر فلان.

 

فما أعظم الخيانة، وأقبح بمن ضاعت مروءته، وتدنست شهامته.

كنت في عافية من تحمُّل السر، تقوى على نشره خيانة، ولا تقوى على الاعتذار من حمله ديانة.

 

فتضيع أسرار الأصحاب والجيران، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إن من أشرّ الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يُفضي إلى امرأته وتُفضي إليه ثم ينشر سرها"، فيذكر ما بها من نقص خُلُق أو عيب خِلقة مما لا يطلع عليه إلا زوجها يذكره لأدنى مناسبة أو بعيد مناسبة لا يلقي لذلك بالاً، خفَّ دينه، وقلَّت غَيْرَته.

وأشده ما يتعلق بخاصة المعاملة: أمور الجماع والمعاشرة.

 

سبحان الله!!

أيقوى الإنسان على ذلك؟

نعم، وقد قال عليه السلام: "إذا لم تستح فاصنع ما شئت".

 

إن من الأسرار: أن ترى الرجل على حال لا يحب أن تراه عليها عند بيته، أو في رحلة أو سفره. فتصبح تحدث أنك رأيت فلانا على كذا وكذا من الأحوال أو اللباس، وإن كان غير محرم شرعاً.

 

ومن الأسرار: أن تأتيك بالغلط رسالة أو مقطع أو محادثة خاصة، ثم تبادر لاستكشافها ومعرفة ما فيها ثم تستلذ الحديث عنها، والتندر بها.

 

فإن أردفها برسالة يبين غلط الإرسال، ويأمل أو يحرج من فتحها، فهذه أمانة لا يجوز تجاوزها، "ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد:-

 

شهد أسبوعنا القريب رواجاً للكلمة فالناس، يتحدثون عن ملك راحل أفضى إلى ما قدم؛ كل في مجاله ومنبره، مغتبطين بظهور السنة في جنازة خادم الحرمين الملك عبد الله لم يصحبها بدع عند الصلاة عليه، ولا عند حمله ولا دفنه، علموا أن كل بدعة ضلالة، وأن الطقوس التي ربما شاهدناها في جنائز مختلفة في العالم الإسلامي أو غيره أنها لا تنفع الحي، وهي لا نفع فيها للميت من باب أولى.

 

فالحمد لله على التوحيد والسنة، ووقانا شر المحدثات في الدين ما ظهر منها وما بطن.

ثم لم يفتأ حديث آخر عن الترحم على الملك الراحل، وذكر شيء من مآثره وقد روي في الحديث: "اذكروا محاسن موتاكم".

 

وفي الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أنتم شهداء الله في الأرض عندما مرت جنازة فأثنوا عليها خيراً".

 

إلا أن الحديث العريض هو حديث الفأل في مستقبل خير لهذه البلاد قوةً في الحق، وتمييزاً في عودة صادقة لهذا الدين القويم الذي قامت به ومن أجله!

 

بعد أن فشلت كل المناهج في إسعاد الناس، والتمكين لهم في ديارهم، وتحقيق الأمن لهم.

بل ما زادهم بُعدهم عن دينه إلا رهقاً.

 

تسلط عليهم الأعداء، وتمكن منهم العملاء، وأصحاب المصالح والأهواء الذين ما وضعوا يدهم على بلد إلا أفسدوها، وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون.

وإلى الله المشتكى وهو المستعان وعليه التكلان.

 

ثم اكتمل عقد التفاؤل، وتم نظامه في ليلة البارحة المباركة في أخبار تسر الصادقين، ويفرح بها الناصحون، تلك التعيينات المتعددة، والتشكيلات الوزارية الجديدة، فنسأل الله أن يجعلها قرارات مباركة، وتعيينات موفقة.

 

كما نسأله تعالى أن يعين المعنيين بالقرارات على ما تحملوه، وأن يجعلهم أهلاً لحمل الأمانة وأدائها على ما يرضي الله -عز وجل-، فالحمل ثقيل، سددهم الله وأعانهم.

 

ثم مَن لا يشكر الناس لا يشكر الله، جاءت المعونات المالية المتعددة والرواتب السجية، فما أحسَنَ الدِّينَ والدُّنيا إذا اجتَمَعا..

 

وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لحكيم بن حزام: "يا حكيم: إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى".

 

ألا وإن من شكر النعمة التي بها ثباتها وزيادتها ألا يُستعان بشيء من نعم الله على معاصيه.

 

ثم يكفّ لسانه عن الوقيعة في أعراض إخوانه المسلمين أيّاً كانت مراتبهم، ومهما نقل عنهم، ولا يجوز أن ينقل أخباراً وتعليقات عن أحد، على جهة التشفي والانتقام وقل خيراً أو اصمت، وعندك من النقص والذنوب ما يشغلك إن انشغلت به.

 

أيها الإخوة: إن العاقل الحازم أول ما يستعين بمال الله على إبراء ذمته، وقضاء دَيْنه أو شيء منه. والدَّين هَمٌّ في الحياة، وعلقة بعد الممات، وجاء عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قوله: "نفس المؤمن معلَّقة بدَيْنه حتى يقضى عنه" (رواه الترمذي وحسنه).

 

أيها الإخوة: كانت أخبارنا البارحة أخبار خير وعطاء، وأخبار كثير غيرنا شدة وعناء.

فسبحان الله مصرّف الأحوال ومقلب الليل والنهار.

 

فاللهم إنا نسألك كما جعلت الأمن في ربوعنا اجعله أمنا على المسلمين في كل مكان، اللهم آمن المسلمين في دورهم...

 

 

 

المرفقات

الكلمة

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات