آثار السعي في أعمال البر العامة على الفرد والمجتمع

عبدالله بن حسن القعود

2010-07-12 - 1431/07/30
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/ الغاية من الخلق 2/ ثوابه سبحانه للطائعين 3/ شرف هذه الأمة 4/ رجال الإصلاح الفعلي وصفاتهم 5/ الصحابة الكرام أنموذجاً في الإيثار

اقتباس

ولقد شرفت هذه الأمة بين أمم التكليف بأن أتيح لها ما لم يتح لغيرها؛ فهي آخر الأمم وجوداً وأولها تقدماً يوم القيامة؛ لشمول وتعدي أعمالها؛ فهي لم توجد لنفسها أو لإقليمها أو لزمانها فقط، ولكنها وجدت وجود الشمول والخلود، وجد ليستظل بظلها وليستنار بنورها، وجدت لتحقق مهمتها في الحياة التي وضعت لها


 

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فلقد خلق الله الثقلين لعبادته وحده وأمرهم بها في قوله: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) [النساء:36]

وقد وعدهم تعالى على تحقيق ما أمروا به عزة الدنيا وعلوها ونعيم الآخرة ولذتها، وعدهم أنهم سيتفاوتون في ذلك بتفاوت ما يقدمونه في هذه الدنيا من أعمال، وما يقوم بقلوبهم من صدق وخالص توجه؛ يقول سبحانه: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11] ويقول: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) [النساء:69]

ويقول رسوله عليه الصلاة والسلام: "إن أهل الجنة يتراؤون من فوقهم كما تتراؤون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين".

ولقد شرفت هذه الأمة بين أمم التكليف بأن أتيح لها ما لم يتح لغيرها؛ فهي آخر الأمم وجوداً وأولها تقدماً يوم القيامة؛ لشمول وتعدي أعمالها؛ فهي لم توجد لنفسها أو لإقليمها أو لزمانها فقط، ولكنها وجدت وجود الشمول والخلود، وجد ليستظل بظلها وليستنار بنورها، وجدت لتحقق مهمتها في الحياة التي وضعت لها.

يقول الله سبحانه: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) [آل عمران:110] (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا) [البقرة:143]

فيا أمة محمد بن عبد الله: يا أمة الخلافة في الأرض والوصاية على البشرية التي خولتم إياها بنصوص دينكم مثل قول الله سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ) [النساء: 135]

إن رجال الإصلاح الفعلي، والتأريخ الصادق الناطق، والدرجات العالية عند الله التي أعدت لأولي العزم من أصحاب رسول الله وأتباعهم بإحسان، ممن أوجدوا للناس لا لأنفسهم، ممن أوجدوا ليحلوا في الدنيا القلوب بما يقدمونه فيها من أعمال بر متعد نفعها وباق ذكرها وفي الآخرة عليين (عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ) [المطففين:23-26]

هم من يتجهون بأعمالهم كثيراً إلى التعدي والشمول مثلما ندب الله تعالى إليه بقوله: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً) [المائدة:32]

وندب إليه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله، وقد سئل أي الناس خير الناس؟ أنفع الناس للناس هم من يهتمون بمصالح المسلمين ويسعود فيها دأبهم رجاء وعد الله في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من فرج عن مؤمن كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه".

وخوف وعيده في قول رسوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" هم من يشدون الأزر بمناصحة الأقوياء، ومناصرة ومواساة الضعفاء والبؤساء، وفق منهاج الله سبحانه (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة:2] (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر:1-3]

"أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، أنصره إذا كان مظلوماً فكيف إذا كان ظالماً؟ قال: بحجزه عن الظلم".

فاتّقوا الله عباد الله: اتقوا الله يا فعلة الخير وهداته، وانهجوا بأعمالكم الخيرية نهج الشمول والتعدي والإيثار والاستمرار، نهج من يعملون بقول الله ابتغاء ثوابه: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) [آل عمران:92]

(وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ) [البقرة:177] (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً) [الإنسان:9]. (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ) [البلد:11-16]

روى الواقدي -وغيره من المؤرخين- أن جماعة من الصحابة لما صرعوا من الجراح في غزوة اليرموك استسقوا بماء؛ فجيء بشربة ماء، فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر، فقال: "ادفعها إليه، فلما دفعت إليه، نظر إليه الآخر فقال: "ادفعها إليه".


فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعاً ولم يشربها أحد منهم -رضي الله عنهم أجمعين- وصدق الله العظيم: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الحشر:9]

فبمثل هذا النهج الكريم والمسلك القويم -أيها الأخوة- ترابط المسلمون وزانوا التاريخ وعاشوا حقبه المتباعدة باستمرار أعمالهم الخيرة وبقاء أفكارهم نيرة، يستضاء بها بين الناس وهم في عالم الأموات.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولكل ساع في درب الخير مهتم بأمر المسلمين، والحمد لله رب العالمين.
 

 

 

 

 

المرفقات

السعي في أعمال البر العامة على الفرد والمجتمع

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات