يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا

عمر بن عبد العزيز الدهيشي

2022-10-27 - 1444/04/02
عناصر الخطبة
1/عداوة الشيطان للإنسان 2/كشف العورات مسلك شيطاني 3/ أهمية تغطية الجسد وستر العورة 4/ العري والتكشف فطرة حيوانية 5/قادة الدعوة إلى السفور والتهتك في اللباس 6/مسؤولية الإنسان عن ملابس الزوجة والبنات والأخوات.

اقتباس

وإن رؤية العري والتفسخ جمالاً وزينةً، هو انتكاس في الذوق، وضلال في القيم، وتيهان في الرجعية، وانظر فيمن يعيش في مكان قصي، بعيداً عن الحضارة والتمدن، كأدغال إفريقيا، وما سواها في بلاد نائية، تجدهم -عادة- عراة، كاشفي السوءات، وحين يصيبهم نور الحضارة، وينالهم قبس الدين، يكون في طليعة مظاهر المدنية اكتساء العراة، وستر السوءات، والتجمل باللباس والريش.

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

عباد الله: لما خلق الله -تعالى- أبانا آدم -عليه السلام- بيده، ونفخ فيه من روحه، أكرمه وأمر الملائكة بالسجود له تحية وتقديراً؛ (فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ)[الحجر:30] طاعةً واستجابةً، عدا عنصرٍ شيطان رجيم طبع على العصيان، ونشأ على التمرد والنكران (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ)[الحجر:31]؛ فكان جزاؤه الطردَ من الجنة والإبعادَ عنها.

 

(قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)[الأعراف:13]، لكن الشريد العنيد لا ينسى أن آدم -عليه السلام- هو سبب الطرد والغضب، فجال في خاطره الكيد والمكر، وعزم على الانتقام (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)[الأعراف:16-17] بغياً وعدواً، كان ذلك كلَّه في ظل قدرة ربانية وكمال حكمة إلهية، فلله الحكمة البالغة.

 

عباد الله: علم إبليس الرجيم أن آدم وذريته خُلقوا خلقاً غير متماسك، تستهويهم الشهوة، ويميل فضولهم للشبهة، فهم قابلو الاتجاهين على السواء، الطاعة والعصيان، الإيمان والكفر: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ)[البلد:10]، وأدرك أن ذلك المخلوق تتخلله نقاط ضعف قد يُقاد منها ويُصاب فيها، ويَنْفُذ إليهم من خلالها.

 

 فكانت سهامه الأولى، وفرطه الأسبق، السعيَ في هتك لباس آدم وحواء لتبدو سوآتهما، وتظهرَ عوراتهما، (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا)[الأعراف:20]؛ فتمت الخدعة وآتت ثمارها المُرَّة.

 

فكان ذلك أول سوء أصاب الإنسان مِن قِبَل الشيطان، فهُتك سترهما وبدت سواءتهما، وطفقا يجمعان ورق الشجر ليغطيا أجسادهما، ويواريا سواءتهما؛ ولذا امتن الله -تعالى- بعد ذلك على البشرية بأن أنزل عليهم وشرع لهم لباساً يواري السوءة ويغطي العورة، ويجمل الجسد، ويكمل البدن، قال -تعالى-: (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا)[الأعراف:26]؛ إذ اللباس هو ما يواري السوءة ويغطيها، وهو اللباس الداخلي، والرياش أو الريش ما يستر الجسد كله، ويتجمل به، وهو ظاهر الثياب، قال زيد بن علي: "الريش: لباس الزينة"(رواه ابن أبي حاتم).

 

عباد الله: إن تغطية الجسد وستر العورة من الرجال والنساء، والحياء من التعري، فطرة كرم الله بها الإنسان، وهي مركوزة في طبعه وفطرته، وزينة يتزين بها ويتجمل، وليس مجرد عُرف قَبَلي، أو تعارفٌ بيئي، أو ضرورةٌ مكانية، وإنما فطرة خلقها الله في الإنسان، ثم أنزلها شريعةً قائمةً نافذة إلى يوم الدين، وأقدرهم على الستر بما سخّر لهم في الأرض من مقومات طبيعية، وقدرات بشرية، في يسر وتسخير: (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)[الأعراف:26]؛ إذ النفوس تنفر من انكشاف سوءتها وتحرص على سترها ومواراتها، ومن سعى في كشفها أو التساهل بها فإنما يريد سلب الإنسان خصائص فطرته، وسمات إنسانيته.

 

عباد الله: العري والتكشف فطرة حيوانية، وسلوك بهائمي، ورجعية جاهلية، لا يميل إليها الإنسان إلا وهو يرتكس في مرتبة أدنى من مرتبته، ولذا ذكَّر -سبحانه- بني آدم في خاتمة الآية بنعمته في تشريع اللباس والستر صيانة لإنسانيتهم من أن تتدهور إلى عرف البهائمية الحيوانية، في قوله -تعالى-: (ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)[الأعراف:26].

 

 وإن رؤية العري والتفسخ جمالاً وزينةً، هو انتكاس في الذوق، وضلال في القيم، وتيهان في الرجعية، وانظر فيمن يعيش في مكان قصي، بعيداً عن الحضارة والتمدن، كأدغال إفريقيا، وما سواها في بلاد نائية، تجدهم -عادة- عراة، كاشفي السوءات، وحين يصيبهم نور الحضارة، وينالهم قبس الدين، يكون في طليعة مظاهر المدنية اكتساء العراة، وستر السوءات، والتجمل باللباس والريش.

 

عباد الله: هناك تلازم بين شرع الله -تعالى- اللباس لستر العورات والزينة، وبين التقوى والخوف من الله -تعالى- ، وقد قال الله -تعالى-: (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ)[الأعراف:26]، إذ كلاهما لباس وزينة، فبالتقوى تُستَر عورات القلب وتجمّله، وباللباس تُستر عورات الجسد وتزينه، فتقوى الله -تعالى- والخوف منه يستلزم استقباح عري الجسد والحياء منه.

 

ومن لا يستح من الله ولا يتقيه لا يهمه أن يتعرى جسده، أو يتكشف بدنه، وقد يتجاوزه بعض المفتونين إلى الدعوة للعري والسعي في نشره، من خلال مقاله وحديثه، أو بحاله وسلوكه في لباسه أو لباس من تحت يده، خاصة من النساء والبنات، بداعي الموضة، وتتبع الماركة، أو عن طريق تجارته وكسبه، ببيع أزياء كاشفة وملابس سافرة، لا تستر السوء، بل تبديها وتكشفها.

 

 ألا فليتقِ الله كلّ أب وولي وليعلم أنه مسؤول أمام الله -تعالى- عن محارمه، فإن رأى تهتكاً في اللباس ولو عند محارمهن منعهن من ذلك بالنصح والأخذ على أيديهن، ولا يغفل أو يتغافل عما يراه خاصة عند الخروج للمناسبات والزيارات، وليجعل لنفسه هيبة في نفوسهم غيرة لله -تعالى-، وليتعاون الوالدن في هذا السبيل، ففي ذلك حماية لهما ولهن في الدنيا من العار والفضيحة، وفي الآخرة من غضب الله ونقمته وأليم عقابه.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[النور:19]، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

عباد الله: تولى كبر الدعوة إلى السفور والتهتك في اللباس، واستلم الراية بعد إبليس، أعوانه من شياطين الإنس، فاتخذوها مِعْول هدم للأسر، ونشر الرذيلة في المجتمعات، منذ بزغ نور الإسلام، حين جاوروا النبي -صلى الله عليه وسلم- في المدينة، فقد جاءت امرأة مسلمة من العرب بجلب لها فباعته في سوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ من أجل حليٍّ لها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبتْ.

 

فقام رجل منهم وعمد إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها وهي لا تَشعر به، فلما قامت انكشفَت عورتها، فضحكوا منها، فصاحت، فوثب رجلٌ من المسلمين على اليهودي فقتله، وشدَّت يهود على المسلم فقتلوه.

 

وحتى زمان هذا، بما يبثّونه ويدعون إليه باسم الموضة وتتبع الأزياء، فبيوت الأزياء العالمية تصدر تصاميم لملابس لا همّ لها فيها سوى إظهار المفاتن وعرض المغريات وفتن عقول الشباب والشابات، واستباحة الأهواء والشهوات، فهي ملابس إلى العري أقرب منها إلى الستر، كما أنها تميل إلى إزالة الفوارق بين لباس المرأة والرجل، وتارة إلى الإسراف والشهرة. وخير وسيلة للنجاة من كيدهم ومكرهم، الوعي وإدراك مخاطر التساهل باللباس، والتعاون بين المجتمع في النصح والتوجيه، وإيجاد البديل الساتر السالم من المحذور، والله -تعالى- يقول: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)[المائدة:2].

 

وبعد عباد الله:  ليس العجب مِن سَعْي الشيطان وأعوانه؛ فالشيء من معدنه لا يُستغرب، ولكنَّ العجب ممن ينساق خلف تلك الدعوات ويتماهى معها، فأسلموا أنفسهم ومن تحت أيديهم من زوجات وأخوات وبنات لمثل تلك الأزياء والألبسة، وسلكوا درب التنازلات، تبعية وتقليداً، وربما انبهاراً وإعجاباً، والله -تعالى- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)[النور:21]. 

 

هذا وصلوا وسلموا....

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life