وقفات حول الإساءات الصحفية لخير البرية

خالد بن عبدالرحمن الشايع

2022-10-07 - 1444/03/11
عناصر الخطبة
1/وجوب محبة النبي -صلى الله عليه وسلم ونصرته 2/إساءة الكفار للنبي -صلى الله عليه وسلم- منذ فجر الرسالة وتخليد التاريخ الإسلامي لموقف الكفار المنصفين في نظرتهم للنبي -صلى الله عليه سلم- 3/استمرار إساءات الكفار وتكفل الله بحماية نبيه -صلى الله عليه وسلم- ونصرته له 4/رعاية النبي -صلى الله عليه وسلم- لسمعة الإسلام لدى الرأي العام العالمي والمحلي 5/مسلك أهل الإسلام في التعامل الأمثل مع إساءات الكفار للنبي -صلى الله عليه وسلم-

اقتباس

إن مساعي هؤلاء الذين يؤذون نبينا -صلى الله عليه وسلم- خائبةٌ راجعةٌ عليهم بالفشل؛ فإن الصور التي يُشيعونها لا تمثِّل رسولنا -صلى الله عليه وسلم- لا في حقيقتها ولا في تصورها، فوجهه عليه الصلاة والسلام وجه كريم، وجه مشرق فياض يُشعر مَن لقيه بالبِشر والطمأنينة، فيه من...

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فإن من حقوق نبينا محمدٍ -صلى الله عليه وآله وسلم- على أمته ما أرشد الله -جل وعلا- إليه في كتابه الكريم مثنيًا ومحرضًا على هذا المسلك الكريم، ومرغبًا فيه، قال جل وعلا: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[الأعراف: 157]، فالمؤمن محب لنبيه محمد -عليه الصلاة والسلام-، محب له أشد من حبه لنفسه ومن أهله وماله وولده، ولذا كما جاء في الحديث عنه -عليه الصلاة والسلام- من الوحي الذي أمر الله به، وكما قال تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)[النجم: 3-4]، أن يبلغ الأمة بوجوب حبِّه -عليه الصلاة والسلام-.

 

كما ألزم ربنا -جل وعلا- الناس جميعًا أن يحبوه فيعظموه ويجلوه، ويوقروه وينصروه: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين"، ومن مقتضيات هذه الحب أمور عديدة، ومن جملتها:

أن يكون عند المسلم غيرة وحمية على جناب نبيه -عليه الصلاة والسلام- من أن يُستقل شأنه، أو يستقصر قدره، أو أن يُتوجَّه إليه عليه الصلاة والسلام بشيء من الأقوال أو الفِعال أو التصرفات التي فيها أذية له أو نبزٌ أو سخرية به، وقد أدَّب الله -جل وعلا- المؤمنين بأن يكونوا على هذا المسلك العظيم في آيات كريمات متكاثرات في الكتاب العزيز.

 

ولا يخفى -أيها الإخوة الكرام- أن أهل الكفر والإشراك -وبخاصة منهم من عنده العناد وإرادة الشر- سيكون من جملة ما يريدونه -وقد أرادوه، ووقع منهم في القديم والحديث- السعي لأذية نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، والعمل على تشويه سمعته في العالمين، هكذا يريدون ويخططون، ولكن خاب سعيهم، وضل عملهم.

 

وينبغي في هذا المقام حينما نقول: إن أهل الكفر والإشراك يتوجهون هذا التوجه الضال، ينبغي أن يُعلم أن هناك من غير المسلمين مَن قد يكون عنده العدل والحق، وأن يكون عنده الإنصاف، وأن يكون عنده المروءة التي تمنعه من هذا التوجه الأعوج.

 

لقد وجد في القديم والحديث من غير المسلمين من يكونُ منصفًا مبتغيًا الحق والعدل؛ وفي السيرة نقرأ من جملة هؤلاء الذي خَلَّد التاريخ ذكرهم، وأبقى أياديهم البيضاء؛ لأنهم تقدموا بها نصرةً وحمايةً للجناب النبوي، فهذا أبو طالب عم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، فإنه مع شركه وعدم إيمانه بالرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- إلا أنه قام مقامًا عظيمًا في الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-؛ ولذلك لم تَخلُصْ قريش إلى نبينا -عليه الصلاة والسلام- بأذيتها كما خلصت إليه بعد وفاة أبي طالب.

 

وهكذا ما كان من النجاشي فإنه مع شركه وكفره لما علم الحق أقبل إليه، وقبل أن يؤمن وجَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة أن يهاجروا إليه فرارًا من أذية المشركين بمكة، أرسلهم إليه -مع أنه مشرك-، وهذا من حنكة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحسن سياسته، وكريم استشعاره لأحوال العالم من حوله، فلم يرسلهم إلى شرقٍ ولا شمالٍ ولا جنوب، وإنما أرسلهم إلى الحبشة حيث النجاشي، وقال: "إن فيها ملكاً لا يُظلم عنده أحد"، وهكذا ما كان من هرقل ملك الروم فإنه لما علم حال نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- أثنى عليه وشهد له أنه على الحق بل قال مقولةً عظيمة: "لو أني أستطيع أن أصل إليه لغسَّلت عن قدميه" قالها وهو لا يزال على شركه وعلى نصرانيته، ومع تمسكه بملكه بعد ظهور الحق له، لكنه قال مقولة الحق.

 

وهذا يجعلنا ندرك أنه في عالم اليوم -أيضًا- من يشهد شهادة الحق، ولذلك في خضم ما كان من الإساءات التي تكررت من عدد من الصحف والأشخاص غير المسلمين -وبخاصة في أوروبا- إلا أنه يظهر قول الحق وقول العدل من بين ظهرانيهم.

 

وينبغي في هذا المقام -أيها الإخوة الكرام- أن نوقن إيقانًا جازمًا أن الأذية للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، ومحاولة الإساءة إليه وتشويه سمعته لن تتوقف؛ فهذه سنة الله التي أرادها جل وعلا قدرًا من أولئك المجرمين المحادين للأنبياء، فحصل هذا مع من سبق نبينا -صلى الله عليه وسلم- وحصل معه، وسيستمر ذلك قال الله -تعالى-: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا)[الفرقان: 31].

 

وبأبي وأمي هو عليه الصلاة والسلام صاحب النفس الكريمة التي كان يؤذيها الكلم الذي فيه جرح سمعته؛ لأنه منذ نعومة أظفاره، ومنذ وجوده في الدنيا كان مسلكه كريمًا، أخلاق فاضلة ومسلك حميد؛ فأثنت عليه قريش منذ صباه، في شبابه لا يعرفون إلا محمدًا الأمين محمدًا الصادق، ولما جاء بالرسالة فزع من ذلك القول الذي تبدل من قومه بعد أن كانوا يعدونه الأمين الصادق، وبعد أن كان كلٌّ يهش ويفرح بالإقبال عليه، ويتمنى مجالسته، يسمع من ورقة بن نوفل -رحمه الله ورضي عنه- لما عرض عليه أمره في بدء الرسالة بصحبة السيدة خديجة -رضي الله عنها- قال: "ليتني أكون في جَذَعًا إذ يخرجُك قومك" فيفزع النبي الكريم: "أَوَ مُخرجيَّ هم؟!"؟ كيف يكون هذا وأنا عندهم بالمقام المحبوب؟ قال: "ما أتى أحدٌ بمثل ما أتيت به إلا عُودي".

 

ولذلك سكَّن الله -جل وعلا- وهدَّأ من روع نبيه، وقال: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ)[الأنعام: 33]، نفس نبينا -عليه الصلاة والسلام- نفسٌ مُرهفةٌ، نفس كريمة، نفس لطيفة حميدة، تتأذَّى من الكلم السيء، وتتأذى من الفِعال السيئة لا يحبها بين ناظريه فيما بين الناس، ولا يحب أن تُوجَّه إليه (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)[الأنعام: 33].

 

هذا هو حقيقة الأمر، هم لا يكذبون الحق الذي جئت به فهو بيِّنٌ ظاهر، وهؤلاء الذين يحادون نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- اليوم لا ينكرون ما كان عليه من الخِلال الكريمة، وسمو رسالته، وعظمة شريعته، لكنه جاحدون: (فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ)[الأنعام: 33]، ثم سلَّى الله نبيه -عليه الصلاة والسلام- بحال مَن قبله (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ)[الأنعام: 34].

 

ثم إن مساعي هؤلاء الذين يؤذون نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- خائبةٌ راجعةٌ عليهم بالفشل؛ فإن الصور التي يُشيعونها في حقيقة الأمر لا تمثِّل رسولنا -صلى الله عليه وآله وسلم-، لا تُمثله لا في حقيقتها ولا في تصورها؛ ذلك أن مَن قرأ صفات نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- فإنه يدرك أنه أبعدُ ما يكون عن وصف تلك الرسوم الساخرة.

 

إن وجهه -عليه الصلاة والسلام- وجه كريم، وجه مشرق فياض يُشعر مَن لقيه بالبِشر والطمأنينة، فيه من الجمال والحسن كما وصف صحابته -رضي الله عنهم-، ونقلوا لنا أنه -عليه الصلاة والسلام- كان وجهه كالقمر ليلة البدر، ضياء وإشراقًا وبشرًا وسرورًا؛ ولذلك فإن قريشًا لما كرَّرت كلماتها على النبي -صلى الله عليه وسلم-، واصفةً له تقول: "مُذمَّمٌ" قال عليه الصلاة والسلام: "ألا ترون كيف صرف الله عني أذيتهم يقولون: مُذمَّمٌ، وأنا محمد"(رواه البخاري ومسلم).

 

ثم إن مما ينبغي أن يُعلم -أيها الإخوة الكرام-: أن نبينا محمدًا -صلى الله عليه وآله وسلم- ليس بحاجة إلى نصر أحدٍ من الناس، ولا عون أحد من الخلق؛ فإن الله قد تكفَّل بحمايته ونصرته وبحفظه وحفظ سمعته وحفظ دينه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)[التوبة: 33]؛ فهذا الدين باقٍ ما بقيت السماوات والأرض، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: "والله ليُتمنَّ الله هذا الأمر، حتى لا يبقى بيت مدرٍ ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز أو بذل ذليل".

 

هذا الدين باقٍ، وعزته باقية، لكن الاختبار لنا -أيها المسلمون- هل نقوم بهذا الواجب؟ وهل نشرف به، أو ننكل عنه؟ قال الله -تعالى-: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ)[التوبة: 40]، هذا عتاب من الله لمن شهدوا حياته عليه الصلاة والسلام وبخاصة الذين تخلَّفوا عن رسول الله في غزوة تبوك: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ)، إن لم تقوموا بنصره وإعانته والقيام معه فقد نصره الله؛ لأن الله تكفَّل بذلك.

 

وقد نصره الله في مواضع عديدة، من جملتها: ما كان إبان ضعف الإسلام في بداياته: (فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَار)[التوبة: 40]؛ كان ذلك حينما خرج نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- بعد أن أَذِن الله له بالهجرة، خرج من مكة المكرمة مع صديقه وصاحبه أبي بكر الصديق -رضي الله عنه وأرضاه- (إِذْ هُمَا) رسولنا -صلى الله عليه وآله وسلم- وأبو بكر -رضي الله عنه- (فِي الْغَار) غار ثور، لما كمن فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى يُعمِّي النظر في طلبه لما خرجت قريش تتابعه، فقد نصره الله.

 

والله متكفِّلٌ به إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذا قال ربنا -جل وعلا-: (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ)[النساء: 113]، لن يضروك لا في شخصك إبان حياتك، ولا بعد موتك؛ فالله حافظك وحافظ دينك (وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ)[النساء: 113]، ولكن كما تقدم -أيها الأخوة الكرام- أن الاختبار لنا نحن، هل نشرف هل نفلح بنصرة نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم-.

 

ثم أيضًا في جانبٍ آخر ألاَّ يَضِل الرأي العام من خلال أولئك المجرمين؛ لأن مقصد الذين حادوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأرادوا أن يسيئوا إليه، وأن يؤذوه مقصدُهم أن ينفِّروا من دينه، وأن يصدوا عن سبيله.

 

وهذه قضية كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يرعاها وكان يحرص عليها، وهو رعاية سمعة الإسلام ورعاية الرأي العام العالمي والمحلي في زمانه -عليه الصلاة والسلام- وبعد حياته، ولذلك كان يقول لما يُقدِم بعض المجرمين على أمور يستحقون معها أن ينفذ فيهم حكم الله بمحادتهم له عليه الصلاة والسلام، فكان الصحابة يقولون لأمثال هؤلاء الذين كانوا يعترضون على الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ويخونون مَن أرسله: ألا نقتله يا رسول الله؟ قال: "كلا فكيف إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه؟".

 

إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- يَرعى سمعة الإسلام، ولذا كان حينما يرسل بالقادة يوصيهم: ألا يخونوا، ولا يغدروا، وأن يفوا بالعهود، ويقول: "إنكم إن تخرموا عهودكم ومواثيقكم أهون من أن تخونوا العهود والمواثيق التي تعطونها باسم الله أو باسم رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم-".

 

والغدر والخيانة والإخلال بالعهود والمواثيق مرفوضٌ بكل الأحوال في دين الإسلام، حتى لو غدر وخان المجرمون والكفار؛ فالله -جل وعلا- لا يبيح لنا أن نقابلهم بالغدر والخيانة، قال الله -تعالى-: (وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)[الأنفال: 58].

 

إذا خفتَ من قوم -يعني: وقعت منهم الخيانة والغدر- لا تواجههم بغدر وخيانة، ولكن إذا كان هذا العهد قائمًا (فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ)، أعلِمْ أن العهد قد انتقض على وضوحٍ وبينة؛ لأن (اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ) هذا هو توجيه ربنا، وهدي نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم-.

 

فالمقصود أننا نحن المختبرون هل نقوم بهذا الواجب، وكلٌّ يقوم بحسب ما يستطيع، وحسب ما كُلف به في نصرة نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم-، ومن جملة نصرته على الأفراد والآحاد: إتباع شرعه، والقيام بسنته، والتمسك بها، والحذر من الشبهات: (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[الأعراف: 157]، فهذا من حقوقه عليه الصلاة والسلام، ولذلك قال العلماء: إن مقتضى شهادة أن محمدًا رسول الله: طاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وما زجر، وتصديقه فيما أخبر، وألا يُعبَدَ اللهُ إلا بما شرع.

 

هذه مطالب بها كلُّ أحد من المسلمين، وهكذا من يكون له المقام الذي يستطيع من خلاله النصرة، فعلى العلماء واجبهم وعلى الحكام واجبهم، وعلى أهل الإعلام واجبهم، وكلٌّ مسؤولٌ عما حمل في نصرة نبيه محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، والدفاع عن جنابه الشريف، وإلا فإن الله -جل وعلا- متكفلٌ بذلك، فمن قام بهذا حق القيام كان له من الله حسن العقبى، وأيده الله ونصره، وهيئ له من الخير ما لا يخطر على بال؛ ذلك أنه إذا كان الوعد بنصرة المسلم من نصر مسلمًا في موقف خُذل فيه نصره الله، أو كما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، فكيف بمن نصر سيد الخلق؟!

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي النبي الكريم.

 

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 

أما بعد: أيها الإخوة الكرام: إن المتتبع للسيرة النبوية يجد أنه كلما تكاثر وتكرر النيل من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فإن الله -جل وعلا- يجعل من العُقبى الحميدة في غضون هذه الأفعال ما لم يخطر على البال؛ ذلك أنه كلما حاول هؤلاء المشركون أن يسيئوا إلى نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم-، فإن الله -جل وعلا- يجعل ما أرادوه من هذا السوء بضد ما أرادوا، وهذا مُشاهَدٌ في القديم والحديث.

 

ولذلك فإن هذه الأحداث التي تكون من محاولة الإساءة إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، وذلك بنشر الصور المسيئة، أو إشاعة الأمور السيئة التي تلصق بدينه وشرعه، فإن الله -جل وعلا- يجعل في غضون ذلك ما ينقض هذه الادِّعاءات، ويجعل بدلاً من ذلك وبدلاً ممَّا أرادوا من الشر خيرًا يُشاع وينتشر، فعلى سبيل المثال: لما نُشرت هذه الرسوم التي تُزعم لنبينا -صلى الله عليه وآله وسلم-، وكان ما كان من مقابلتها من قبل بعض من أراد أن يقتل أولئك الذين قاموا بها، فقام رؤساء الدول في أوروبا ليؤكدوا على أنه يجب التفريق بين الإرهاب وبين الإسلام.

 

ثم أيضًا إن عددًا من المثقفين في أوروبا بدؤوا يناقشون هذا الموضوع، ويقولون: لماذا تتاح الحرية في نقد الإسلام ونبي الإسلام وأهله، ولا تكون هذه الحرية متاحةً في أمور أخرى كما يقال في المحرقة اليهودية المزعومة، أو في غير ذلك؟

 

وفي هذا السياق يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إن الله منتقمٌ لرسوله -صلى الله عليه وسلم- ممن طعن عليه أو سبه، والله مظهرٌ دينه ومظهرٌ لكذب من كذب على نبيه -صلى الله عليه وآله وسلم-..."، ويقول: "ونظير هذا ما حدَّثَناه أعدادٌ من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جرَّبوه مراتٍ متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر، وهو ممتنعٌ علينا حتى نكاد أن نيأس منه، حتى إذا تعرَّض أهله لسب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والوقيعة في عرضه، تعجَّلنا فتحه وتيسر، ولم يكد يتأخر إلا يومًا أو يومين أو نحو ذلك، ثم يفتح المكان عَنوةً، ويكون فيهم ملحمةٌ عظيمة، قالوا حتى إن كنا لا نتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظًا عليهم؛ بما قالوا فيه -عليه الصلاة والسلام-.

 

والمقصود بهذا النقل وذكر هذه الوقائع أن الله -جل وعلا- يجعل ما أراده أهل الشر بعكس ما خططوا له؛ فيكون من نشر الإسلام والاستقامة عليه وبيان حقيقته ما لم يخطر بالحِسبان، فهذا أمرق ملموس ومُشاهَد ومجرب.

 

والمقصود -أيها الإخوة الكرام- أنه ينبغي لأهل الإسلام أن يكونوا في مسلكهم على الحكمة، وعلى الأسلوب المناسب في التعامل مع هذه الإساءات، ولذلك والأمر بذكره يستحضر أيضًا أن التعامل أبلغ من الأقوال، ونحن نحتك بكثير من غير المسلمين، ونتعامل معهم، فينبغي أن تكون أخلاقياتنا وتعاملنا يعكس قيمنا التي نؤمن بها من دين الإسلام.

 

إن التعامل أبلغ ما يكون في الدعوة إلى الإسلام والتعريف بأخلاق رسولنا -صلى الله عليه وآله وسلم-؛ لأن غير المسلم إذا شاهد المسلم أمامه فإنما يحكم على دينه، لن ينسب هذا التعامل في الغالب إلى هذا الشخص، ولكن إلى دينه وشريعته.

 

ولكَمْ كانت التعاملات مؤثرة، ولذلك لما التقى بعض غير المسلمين بالنبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ورأوا تعامله، قالوا ما هذا تعامل كاذب ولا غاشٍّ ولا غادر! ما هذه إلا أخلاق نبي.

 

وهل فتحت جنوب شرقي آسيا إلا بالتعاملات الطيبة لم يذهب إليها جيشٌ، ولم يحدث قتال، ولكنها أخلاقيات تجار المسلمين التي فتحت القلوب قبل الديار؟

 

فالمسلم مأمورٌ بأن يحافظ على سُمعة الإسلام من خلال تعامله غيره المسلمين.

 

نسأل الله -تعالى- أن يشرفنا بهذا الفضل العظيم، (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[الأعراف: 157].

 

ألا وصلوا وسلموا على خير خلق الله نبينا محمد؛ فقد أمرنا ربنا بذلك فقال عز من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، اللهم، أعز الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الكفر والكافرين.

 

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان يا رب العالمين، اللهم، اجعل بلدنا آمنًا إمانًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين، اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم وفق ولي أمرنا لما فيه الخير والرشاد.

 

اللهم البسه لباس الصحة والعافية، اللهم ارزقه البطانة الصالحة الناصحة وأبعد عنه بطانة السوء يا رب العالمين.

اللهم ولِّ على المسلمين خيارهم، وأكفهم شرارهم.

 

اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين سوءًا فأشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا سميع الدعاء.

 

اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

 

اللهم، يا حي يا قيوم نشكو إليك ضعف إخواننا المبتلَين في كل مكان، في فلسطين والشام وفي غيرها من البلاد.

اللهم عجل لهم بالفرج يا رب العالمين، اللهم أنزل عذابك ومقتك بالصهاينة المحتلين وبأعوانهم ومَن شابههم من المشركين يا قوي يا عزيز.

 

اللهم عجل بالفرج لإخواننا في الشام، اللهم احقن دماءهم، اللهم احمِ أعراضهم، اللهم أصلح أحوالهم، اللهم انتقم لهم من طاغية الشام يا قوي يا عزيز.

 

اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغارًا، اللهم أصلح لنا نياتنا وذرياتنا، واجعل عاقبة أمورنا إلى خير.

 

اللهم إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال.

 

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

المرفقات
ykUowePHKaEErarEu52vQdXLOyKzKPZsjvsFUhrs.pdf
93kgIDEDxiDnrUoMo6wHSL2OfQeKNKpOVjoV24SB.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life