عناصر الخطبة
1/كثرة مظاهر التنكر والجحود 2/فضائل خُلق الوفاء 3/أهمية الوفاء بالعهود 4/من صور وفاء المسلم لإخوانه من حوله 5/من مظاهر الجفاء وقلة الوفاء 6/صور من أعظم الوفاء بين الزوجين.

اقتباس

ما فقدتْ أمة الوفاء إلا حلَّ بها العقاب العاجل، وانظر حال أمة استهانت بالوفاء بالعهود ولم تبالِ بالتزام العقود، كيف حلَّ بها عذاب الله بالإذلال وفقد الاستقلال وضياع الثقة بينها حتى في الأهل والعيال؛ فهم يعيشون عيشة الأفراد لا عيشة الأمم، صور...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

الحمد لله الذي خلق فسوَّى وقدَّر فهدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعلم السر وأخفى، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله حدَّث فصدق، ونصح فرفق، ووعد فوفَّى صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن بهديه اهتدى وسلم تسليمًا.

 

أما بعد: فاتقوا الله يا عباد الله؛ فتقوى الله عز ونجاة وفوز.

 

يتخرج الطالب من مدرسته أو حلقته؛ فما هي إلا سنيات حتى يتعالى على مَن دَرَّسه، ويتنكر لمن علَّمه، ويرفع شعار "نحن رجال وهم رجال".

 

يعاشر الرجل زوجته بالمعروف، ويتحمل حلوها ومرها، ويحسن إليها دهرًا، فإن زل مرة قالت: "ما رأيت منك قط خيرًا".

 

تحسن المرأة عشرة زوجها وتقوم بواجبها، وتتجرع ضرّه ومرّه؛ فإذا تزوج غيرها أكثر من عذلها، واختلق كذبًا قصصًا في زلاتها.

 

يعيش الصديق مع صديقه أيام الطفولة والشباب في معاشرة حَسنة وألفة عجيبة وبذل وسخاء، فإذا ما تسنَّم أحدهم منصبًا أو تقلد مركزًا شمخ بأنفه وتنكر لخِلّه.

 

إن هؤلاء وأمثالهم قد افتقدوا صفة من صفات الأنبياء وخلة من خلال العظماء، إن هؤلاء وأمثالهم يفتقدون صفة الوفاء، الوفاء بالوعود أو الوفاء بالعقود أو الوفاء بالعهود.

 

إنها صفة الوفاء، صفة كادت تتلاشى وينعدم أثرها، فسادت روح الجفاء وإنكار الجميل وجحد الفضائل.

 

إن الوفاء من أخلاق العرب الأصيلة، وبه نصروا الحلفاء وذبُّوا عن الجوار؛ ثم جاء الإسلام ليصبح الوفاء حِفظًا للعهود عامة، وأداء للذمم والأمانات عامة، سواء أكانت للأصدقاء أم للأعداء، وذلك استجابة لأوامر ربهم وتأسيًا بسيرة نبيهم -صلى الله عليه وسلم- الذي عد من آيات المنافق: "إذا وعد أخلف".

 

إن الوفاء سمة المؤمنين الصادقين (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ)[الرعد:20]، (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ)[المؤمنون: 8].

 

إن الوفاء بالعهود هو الضمان لبقاء عنصر الثقة في التعامل بين الناس، وبدون هذه الثقة لا يقوم مجتمع ولا تقوم إنسانية (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ)[النحل: 91].

 

وعندما يمجّد الإسلام فضيلة الوفاء؛ فإنه يحمل على الخيانة ويذم الغدر حتى مع الأعداء (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)[المائدة: 8]؛ وفي الحديث: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء يعرف به فيقال: هذه غدرة فلان بن فلان".

 

والإسلام يحرم اتخاذ المصلحة سببًا في نقض العهد، ولا يقر مثل هذا المبرّر، ويجزم بالوفاء بالعهد، وعلى هذا الأساس قام بناء الأمة والدولة المسلمة.

 

ما فقدتْ أمة الوفاء إلا حلَّ بها العقاب العاجل، وانظر حال أمة استهانت بالوفاء بالعهود ولم تبالِ بالتزام العقود، كيف حلَّ بها عذاب الله بالإذلال وفقد الاستقلال وضياع الثقة بينها حتى في الأهل والعيال؛ فهم يعيشون عيشة الأفراد لا عيشة الأمم، صور متحركة ووحوش مفترسة ينتظر كل واحد منهم وثبة الآخر عليه إذا أمكن ليده أن تصل إليه. لا تعاون، ولا تناصر، ولا تعاضد، ولا تآزر، بأسهم بينهم شديد.

 

إن وفاء المسلم لأخيه يتطلب مراعاته في أهله وأصدقائه وأقاربه، ومن الوفاء ألَّا يتغير حال الإنسان في التواضع مع أخيه، وإن ارتفع شأنه أو عظم جاهه.

 

إن من الوفاء أن يجزع الإنسان لفراق أخيه، وأن لا يسمع وشاية فيه، وأن لا يصادق عدو أخيه.

 

وإن من لوازم الوفاء: الاعتراف بالفضل، وذكر الجميل، ومقابلة الإحسان بالإحسان. إننا بحاجة إلى الوفاء بكل صوره وميادينه.

 

ما أحوجنا إلى وفاء الصديق لصديقه بالثبات على الحب وإدامته إلى الموت معه، وبعد الموت ومع أولاده وأصدقائه؛ فإن الحب إنما يُرَاد للآخرة، وقد قال بعضهم: "قليل الوفاء بعد الوفاة خير من كثيره في حال الحياة".

 

ومن تمام الوفاء: النصح له، فليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق بالدين، بل الوفاء له بالمخالفة.

 

وما أحوجنا إلى وفاء الطالب لشيخه وأستاذه، فإن من صور الجحود والجفاء تنكُّر الطالب لشيخه الذي طالما أفاده وعلَّمه وأحسن إليه؛ لأجل زلة زلها، أو غضبة غضبها.

 

ومن مظاهر الجفاء وقلة الوفاء مع العلماء. الرجوع عن التعديل والتزكية إلى التجريح والذم لمحض الهوى وشهوات الأنفس.

 

ما أحوجنا إلى وفاء الأولاد لأهليهم ووالديهم برًّا بهم وإحسانًا إليهم، وقضاء لحوائجهم وخفضًا لجناح الذُّلّ لهم، في وقت جفَّت فيه معاني البر والوفاء، وأصبح البر والإحسان للزوجة والأصدقاء!

 

ما أحوجنا إلى وفاء الأخ لإخوانه، والأب لأولاده، والمدير لموظفيه، والمسؤول لرعيته. وقبل ذلك كله ما أحوج الأمة كلها إلى الوفاء لمن له الإحسان الأول والفضل الأكمل لمن نعمه تترى وآلاؤه لا نستطيع لها حصرًا (وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا)[الفتح:10].

 

وفاء للخالق المنعم بالقيام بحقوقه والائتمار بأمره والخضوع لحكمه والاستسلام لشريعته والكفّ عن زواجره ونواهيه، ووفاء الإنسان بهذا العهد أساس كرامته في الدنيا وسعادته في الآخرة (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ)[البقرة:40].

 

أقول هذا القول، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد: فإذا كان الوفاء خُلقًا مطلوبًا في كل ميدان، ومع كل إنسان؛ فإنه بين الزوجين أحرى وأولى.

 

إن كل علاقة زوجية لا تقوم على الوفاء؛ فإنما تُبْنَى على شفا جرف هار، ونهايتها الفشل والانهيار.

و"إن أحق ما وفيّتم به من الشروط: ما استحللتم به الفروج".

 

ما أجمل الوفاء من زوجة تحفظ زوجها في عِرْضه ودينه وشرفه! فلا تُبدِي زينتها لغير محارمها، ولا تخلو بأجنبي ولو كان شقيق زوجها، ولا تأذن لمن لا يرضى الزوج دخوله عليها، وهي حافظة لزوجها في غيابه من عرض؛ فلا تزني ومن سِرّ فلا تُفشي، ومن سمعة فلا تجعلها مضغة في الأفواه.

 

ما أجمل الثبات على صدق الوفاء! خاصة إذا استحال الدهر بالرجل؛ فرزأه في ماله أو نكَبه في قوّته، أو بدّله بكرم المنصب وروعة السلطان أعرافًا من السجن وأصفادًا من الحديد.

 

ما أجمل الوفاء من  المرأة المسلمة! حينما تضحي بشهواتها ورغباتها، وتترك زينة الحياة الدنيا وفاءً لزوجها؛ كما فعلت فاطمة بنت عبد الملك زوج عمر بن عبد العزيز -رحمهم الله-.

 

ما أعظم الوفاء من امرأة تصارع طوفان الشهوات وثوران الغريزة؛ فلا تزل ولا تضل وفاء وعفة. إن على الزوج أن يقابل الوفاء بالوفاء، وأن يحفظ العهد ويوفي بالعقود.

 

إن من الأزواج من قلّ حظه من الوفاء؛ فلا يحفظ حقها إلا ما دام راغبًا فيها، وما دامت في شرخ شبابها وغضارة نضارتها ووفرة مالها.

 

أين الوفاء عند معدِّد إذا هو تزوج على زوجته لم يراعِ مشاعرها، ويطيّب خاطرها ويمنحها دفء المشاعر وأصدقها. وليته إذ فعل احتفظ لزوجته بمآثرها وأثنى عليها، وقدَّر لها صبرها وتضحيتها، لكنه راح يُكْثِر من لومها ويتندر مع الزوجة الجديدة بمعايبها، ويتحدث مع جلسائه بنواقصها مقارنًا لها بالزوجة الجديدة؛ فهذه متعلمة وتلك جاهلة، وهذه أنيقة وتلك متبذلة، وهذه متحضرة وتلك متخلفة؛ فيا ليت شعري أي معاني الوفاء عند هؤلاء؟!

 

وأين هؤلاء من صفوة البشر وقدوة الخلق محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ والذي ضرب المثل الأعلى في الوفاء للزوجة حتى بعد موتها، بعد أن ضرب هذا المثل الأكمل في المعاشرة بالمعروف حال حياتها. كما هو حاله ومواقفه مع خديجة -رضي الله عنها-.

 

وأي وفاء يا مسلمون عند أزواج يتطلعون إلى غير زوجاتهم؛ فلا يقنع بما وهبَه الله ولو كان كثيرًا عظيمًا، ولا يريح قلبه من عناء التطلع إلى ما عند الآخرين، ولو كان قليلاً حقيرًا. فإذا رأى امرأة أتبعها بصره وربما مال بقلبه إليها.

 

وأقبح ما في ذلك أن يمد بصره إلى الساقطات من المذيعات والممثلات ممن يتدرعن بالجمال المصطنع والزينة الكاذبة، فتراه ينظر إليها بعين الإعجاب، ثم يرجع بصره إلى زوجته فيرمقها بألحاظ الازدراء.

 

وأسوأ من ذلك أن يجره الأمر إلى الخيانة عبر المعاكسات وكثرة المكالمات مع السافلات أو التورط في علاقة محرمة مع الخادمات. والخيانة تنغّص الحياة الزوجية وتُفْقِد ثقة المرأة بزوجها.

 

وأخيرًا إذا كان الوفاء صفة للمسلم حتى مع أعدائه؛ فما بالنا نفرط في هذا الخلق مع الأصدقاء والأقربين وأصحاب الفضل والسابقة من أهل العلم والتربية والدين؟!

 

بل ولِمَ لا نكون أكثر وفاء مع الأهل والإخوة ومع من نعول؟، ولِمَ ننسى الوفاء مع الجار الجنب وبقية الجيران والأصحاب؟، وبذلك تسود المحبة وتعم الثقة بين المسلمين، ونعيد إلى مجتمعاتنا ما كان عليه سلف هذه الأمة من استقامة وبر ووفاء.

 

إن ترجمة أخلاق السلف إلى شباب هذه الأمة ليست نظريات تُلْقَى في فراغ ولا محاضرات وادعاءات، إنها قدوة حسنة وسلوك واقعي فذّ في عالم الناس والشباب خاصة. إنها لأمانة ضخمة في أعناق دعاة هذا الدين؛ فليصدقوا الله في أداء هذه الأمانة، وليضربوا النماذج الحية من الوفاء ومكارم الأخلاق.

 

والله وحده هو المستعان والمؤمل لتحقيق الآمال.

اللهم صلِّ وسلم على نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life