عناصر الخطبة
1/حقيقة نعيم الدنيا وشقائها 2/حال أشقى أهل الدنيا يوم القيامة 3/حال أنعم أهل الدنيا يوم القيامة 4/موقف الإسلام من التنعم بالدنيا 5/لا يخلو نعيم الدنيا من كدراقتباس
فمن رام حياةً بلا عناء، فقد جهل السنن؛ لأن الشدة مدرسة، والصبر فيها عبادة، لا يخرج منها الإنسان إلا وقد ازداد بصيرةً ونضجًا؛ ولذا كان الصبر زاد العارفين، به تُحتمل الخطوب، وبه تُكسر شوكة اليأس، فالأحداث حلوها ومرها تصنع يقيناً بأن الحياة ممر...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الحمد لله الولي الحميد، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وأشهد أن لا إله إلا الله ذو العرش المجيد، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه وأزواجه، ومن تبعهم بإحسان على يوم الدين.
أما بعد: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].
أخرج الإمام مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: "يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا -وَاللهِ- يَا رَبِّ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا، مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا -وَاللهِ- يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ".
ما ضَرَّ من ذاقَ الأسى في دُنْيِهِ *** إنْ كانَ في الفِردوسِ أسمى مَآلِه
غَمْسَةٌ في الخُلدِ تمحو بُؤسَ مَن *** شَقِيَتْ خُطاهُ بطولِ ليلِ بَلائِه
فاصبرْ، فدربُ الصبرِ بابُ رضًى*** والدهرُ ظلٌّ زائلٌ عن حالِه
الدنيا مهما أقبلت بزينتها، وأفرغت خزائنها، تبقى أضعف من أن تصمد أمام لحظة من البلاء، أو غمسة واحدة من المصير، فنعيمها عابر هشّ؛ تمحوه مصيبة، وتنسفه فاجعة، وتجعله الذكرى كأن لم يكن.
يُؤتى بمن لم يعرف شقاءً، ولم يذق حرمانًا، فيُغمس في النار غمسة واحدة، لا مقام فيها ولا امتداد، ثم يُسأل: هل رأيت خيرًا قط؟ هل مرّ بك نعيم؟ فيقول: لا -والله- يا رب، فكيف بنعيم طال، وأموال كثرت، ولذات تعاقبت؟! كلها ذابت في غمسة، وتلاشت في لحظة!.
ويُؤتى بمن طحنته الأيام، وأتعبته الهموم، فيُغمس في الجنة غمسة واحدة، فيُسأل: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا -والله- يا رب، فكل همٍّ حمله، وكل دمعٍ ذرفه، وكل وجعٍ عاشه، محته غمسة، وأذهبه مقام كريم لا يشوبه كدر!.
فما بين غمسةٍ وغمسة، يسقط ميزان الوهم، ويثبت ميزان الحق، هي غمسة لا زمن فيها ولا امتداد، لكنها تمحو عمرًا كاملًا من اللذات، وتنسف تاريخًا طويلًا من النعيم، فكيف بمن جعل الدنيا أكبر همّه، وغاية أمله، ومبلغ علمه؟!.
(اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)[الحديد: 20]؛ متاع الغرور إلا من كانت له بلغة ومسرة وعطاء وسخاء، ولم تصده عن ذكر ودعاء.
اغتنى عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- ووسّع الله عليه حتى كانت قوافله تهزّ المدينة، فما شغلته تجارته عن آخرته، وما صدته أمواله عن جهاده، بل قال: "إني أخاف أن أكون قد عُجّلت طيباتي في حياتي الدنيا"، فكان يأكل ويتوسع وينفق.
وكان عثمان -رضي الله عنه- من أهل اليسر والغناء، فما منعته نعمته أن يختم القرآن في يومه، أو يقوم ليله، وما شحت نفسه أن يجهّز جيش العسرة، وأن يشتري بئر رومة للمسلمين، فكان ماله في يده.
فليس الزهد أن تترك الدنيا وهي في يدك، ولكن الزهد أن تتركها وهي في قلبك، فلا تثريب على من وسّع الله عليه فأنعم على نفسه، أو رفّه روحه، أو أخذ من الدنيا ما أحلّ الله له؛ فقد كان نبيكم -صلى الله عليه وسلم- يلبس الحسن من الثياب، ويتطيّب، ويأكل اللحم والعسل، ويقول: "إن الله جميل يحب الجمال"، وقال: "حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ".
ولكن الخطر كل الخطر أن تتحوّل النعمة إلى غفلة، والراحة إلى نسيان، والسعة إلى حجاب،
أن ينسى القلب الأمر الأعظم، ويغفل عن الذكر الأكبر، وتُشغله لذّة فانية عن حياةٍ لا كدر فيها ولا نصب؛ (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ)[سبأ: 37].
هذه المعاني لفقه الحياة، واليقين بالمصير، والإيمان بجنة ينعم فيها من باع نفسه لله، ولخدمة دين الله، والصبر على الأذى في سبيل الله، والعقاب الأليم لمن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، والعذاب بالمغفرة، فما أصبرهم على النار!.
وبهذه يدرك الإنسان حقيقة الحياة، صبرٌ عند البلاء، وشكرٌ عند الرخاء، ويقينٌ بأن الله لا يبتلي إلا ليُربّي، ولا يمنع إلا ليُعطي؛ (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)[الشرح: 5 - 6].
فمن عرف سنن الله ومراد الله من خلقه عاش مطمئن القلب، ثابت الخطى، يعلم أن الحياة لا تُقاس بطولها، بل بعمق الإيمان فيها، وأن الفوز الحقيقي والنجاة الأبدي ليس في سلامة الطريق، بل في حسن السير إلى الله؛ (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ)[الجاثية: 15].
أستغفر الله لي ولكم، وللمسلمين والمسلمات، فاستغفروه إن ربنا لغفور شكور.
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين.
أما بعد: الحياةُ كتابٌ مفتوح، تمضي الأيام لتُعلِّم الإنسان أن العبرة ليست في دوام النعمة، بل في حسن التعامل مع تقلُّباتها، وقد أدرك الحكماء منذ القدم أن الحياة لا تُعطي صفوها كاملًا.
طبِعَتْ على كدرٍ وأنتَ تريدُها *** صفوًا من الأقذارِ والأكدار
فمن رام حياةً بلا عناء، فقد جهل السنن؛ لأن الشدة مدرسة، والصبر فيها عبادة، لا يخرج منها الإنسان إلا وقد ازداد بصيرةً ونضجًا؛ ولذا كان الصبر زاد العارفين، به تُحتمل الخطوب، وبه تُكسر شوكة اليأس، فالأحداث حلوها ومرها تصنع يقيناً بأن الحياة ممر، والآخرة هي دار القرار، ومصائب الحياة وهمومها وإن قست، ليست عبثًا؛ بل رسائل خفيّة، تدعو العاقل إلى استثمارها، وتحويل المحن إلى منح، والسقوط إلى نهوض.
والراحة عند أول قدم يضعها المرء في الجنة، فعندها ينسى كل محزون همومه، ويبصر كل مظلوم جزاءه، ويرى كل مبتلى عطاءه، وفريق عُجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، وأنكروا ما آتاهم الله من فضله، فقالو بقول قائلهم: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)[القصص: 78]، واغتروا بقوتهم (وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً)[فصلت: 15]، وعندها: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ)[الشعراء: 227].
اللهم اهد قلوبنا، واغفر زلاتنا، وأقل عثراتنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا، اللهم احفظ علينا ديننا وأمننا وأعراضنا، ومن أراد بنا سوء فأشغله بنفسه، واجعل كيده في نحره، اللهم آمنا في دورنا وأوطاننا وأصلح ولاة أمورنا.
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد.
التعليقات