عناصر الخطبة
1/ الجنة أفضل النعيم 2/ عقدة أهل السنة والجماعة في الجنة وأنها مخلوقة 3/ أعمال تقرب العبد من دخول الجنة 4/ محرمات تمنع دخول الجنة 5/ ضوابط المسارعة في الخيرات.
اهداف الخطبة

اقتباس

عاش الأنبياء والمرسلون وأتباعهم من الأخيار عبر الدهور والعصور إلا وهم يسألون الله -جل وعلا- أن يدخلهم الجنة؟! وهل خُيِّر -صلى الله عليه وسلم- عند موته حتى يتسنى له البقاء والخلد في الدنيا بأعظم من أن يقال له الخلد في الدنيا ثم الجنة، فاختار -صلى الله عليه وسلم- لقاء ربه ثم الجنة! وهل وعد الله -جل وعلا- عباده الأبرار وأتباعه الأخيار ممن آمن به من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة بعطاء هو أعظم أو أجل من الجنة (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي تقدست عن الأشباه ذاته ودلت على وجوده آياته ومخلوقاته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في السماء عرشه و في كل مكان رحمته وسلطانه وسع الخلائق خيره و لم يسع الناس غيره، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله شهد الذئب بنبوته، وشهد القمر برسالته وتفرق السحاب إكراما لإشارته، بعثه الله -جل وعلا- على حين فترة من الرسل ودروس من الكتب، فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وجاهد في الله حق جهاده حتى آتاه اليقين، فصل اللهم وسلم وبارك وأنعم عليه كما وحد الله وعرف به ودعا إليه، اللهم وعلى آله وأصحابه وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين.

 

 أما بعد.. أيها المؤمنون:

فإنه ما من وصية أبلغ ولا من أمر أعظم من قول الله -جل وعلا-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ) [الحج: 2].

 

ثم اعلموا عباد الله أن نبيكم -صلى الله عليه وسلم- مرّ على رجل من أصحابه ومع نبيكم معاذ بن جبل -رضي الله عنه وأرضاه- فأخذوا يتذاكرون الدعاء فكان من جملة ما قاله ذلك الصحابي لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه: "أما وإني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ولكنني أسأل الله الجنة وأستعيذ به من النار"، فقال -صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق قال: "حولها ندندن"، أي ما تسأله الله -جل وعلا- هو ما نسأله أنا ومعاذ إياه.

 

أيها المؤمنون:

قد يظن البعض أن الحديث عن الجنة أمر تقليدي مكرر تكاد تسأمه بعض النفوس، ولا ريب أن هذا خلاف الفطرة وخلاف هدي محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وهل أرّق الصالحين وأقض مضاجع المتقين إلا أنهم يخافون أن يُمنعوا من دخول الجنة؟! وهل عاش الأنبياء والمرسلون وأتباعهم من الأخيار عبر الدهور والعصور إلا وهم يسألون الله -جل وعلا- أن يدخلهم الجنة؟!

 

وهل خُيِّر -صلى الله عليه وسلم- عند موته حتى يتسنى له البقاء والخلد في الدنيا بأعظم من أن يقال له الخلد في الدنيا ثم الجنة، فاختار -صلى الله عليه وسلم- لقاء ربه ثم الجنة! وهل وعد الله -جل وعلا- عباده الأبرار وأتباعه الأخيار ممن آمن به من لدن آدم إلى أن تقوم الساعة بعطاء هو أعظم أو أجل من الجنة (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة17]. وهل عاقب الله -جل وعلا- أحد ممن عصاه بأعظم من حرمانه من دخول الجنة، أعاذنا الله وإياكم من الخذلان والحرمان.

 

أيها المؤمنون:

الجنة خلقها الله -جل وعلا- في ظاهر أقوال العلماء وظاهر القرآن خلقها الله -جل وعلا- بيده وهي الدار التي أعدها الله -تبارك وتعالى- لأوليائه وأهل طاعته. وقد اختلف العلماء في الجنة التي أدخلها الله -جل وعلا- أبانا آدم -عليه السلام- يوم خلقه قال الله -جل وعلا- في سورة البقرة: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) [البقرة35]. فقال كثيرٌ منهم: "إن المقصود بها جنة المأوى جنة الخلد التي وعدها الله -جل وعلا- عباده المتقين بعد بعثهم".

 

وقال آخرون من أهل العلم من أهل السنة وغيرهم قالوا: "إنها ليست جنة الخلد وليست جنة المأوى التي وعدها الله -جل وعلا- عباده بعد البعث، ولكنها جنة إمّا في السماء الدنيا وإمّا في الأرض".

 

واستدلوا على ذلك بأمور منها:

أن الله -جل وعلا- أخرج آدم منها وقالوا: "الأصل أن الجنة دار خلد فكيف أُخرج آدم منها"، وقالوا ضمن أدلتهم: "إن الله -جل وعلا- كلّف فيها آدم وابتلاه بأن لا يأكل من الشجرة والجنة الأصل أنه لا تكليف ولا ابتلاء فيها"، وقالوا: "إن الشيطان دخل إليها فوسوس إلى آدم والأصل أن الشيطان لا يدخل الجنة".. إلى جملة من الأدلة والبراهين عندهم.

 

والظاهر -والله أعلم- أن كل ذلك جرى بقدر الله ولا نجزم به والأظهر الذي دل عليه القرآن أنها جنة الخلد؛ لأن الله -عز وجل- قال: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) والألف واللام فيها للعهد وليس في عهد من يقرأ القرآن وذهنه إلا أنها جنة الخلد إذ لم يذكر القرآن جنة غيرها في كلام الله -جل وعلا-.

 

كما أن من جملة الأدلة: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما عند مسلم في الصحيح أخبر: "أن أهل الموقف من أهل الجنة يوم القيامة من المؤمنين يأتون أباهم آدم فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول آدم -عليه السلام-: وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم"، فظاهر قوله -عليه السلام-: "وهل أخرجكم من الجنة إلا خطيئة أبيكم"، أنها جنة المأوى التي وعدها الله -جل وعلا- عباده، وأياً كان الأمر فإن المسلمين متفقون على أن الجنة التي وعدها الله عباده المؤمنين هي جنة المأوى وجنة الخلد في السماء السابعة، وأنها مخلوقة موجودة الآن قدر الله لها أنها لا تبيد ولا تفنى.

 

أيها المؤمنون:

هذه الجنة أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها قيعان، وأن أعظم غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر , فقد صح عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: "لما عرج بي لقيت خليل الله إبراهيم فأوصاني قائلاً: يا محمد أقرئ مني أمتك السلام، وأخبرهم أن الجنة قيعان وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر".

 

هذه الجنة أيها المؤمنون عظم شوقها إلى بعض عباد الله الصالحين قال -صلى الله عليه وسلم- كما في الخبر الصحيح قال: "إن الجنة لتشتاق إلى ثلاثة إلى علي وعمار وسلمان"، رضوان الله -جل وعلا- عليهم.

 

ولا يعني ذلك أن الجنة لا تشتاق إلى غيرهم؛ فإن الحديث في سياق الخبر وليس في سياق الحصر فلا ريب أن الجنة تشتاق إلى أبي بكر وعمر وغيرهما من عباد الله المؤمنين، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر فقط عن ثلاثة ليبين ما لهؤلاء الثلاثة من عظيم القدر وجليل المكانة عند ربنا -تبارك وتعالى-.

 

هذه الجنة يُمنع عنها أقوام بالكلية فلا يدخلونها أبداً رغم ما فيها من الفضل وما جعل الله فيها من الرحمة وما فيها من نعيم الله الذي لا ينفذ وقرة العين التي لا تنقطع. وهؤلاء والعياذ بالله هم أهل الكفر والإشراك قال الله -جل وعلا-: (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ) [المائدة: 72]، فمن أشرك بالله أو كفر به -جل وعلا- فإن الجنة عليه حرام تحريماً مؤبداً؛ فإن الله -جل وعلا- أخبر أنه ما بعث الرسل ولا أنزل الكتب ولا خلق الجن والإنس ولا أُقيم سوق العرض ولا خلقت السماوات والأرض إلا ليوحد سبحانه، ويُعبَد دون سواه، فمن خالف هذا الأمر الرباني الإلهي الذي أجراه الله على الأمم كلها كان حرام عليه بقدر الله أن يدخل الجنة قال الله -جل وعلا- عن أهل معصيته بعد أن بين سبب عذابهم والنكالِ بهم وحرمانهم من نعمة الله قال: (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ) [الصافات35].

 

فمن ذلت عينه وقلبه وخشعت نفسه أمام هذه الكلمة وُفِّق لكل خير، ومن منعها ولم يجد لها مكاناً أو مساقاً في قلبه، فالجنة عليه حرام بكلام رب العالمين جل جلاله، جعلنا الله وإياكم ممن يؤمن به ويعبده وحده دون سواه. هؤلاء من حرم الله عليهم الجنة تحريماً مؤبداً.

 

ومن الناس من ذل لهذه الكلمة لكنه عصى النبي -صلى الله عليه وسلم- عصى الشرع في أمور كثيرة فهؤلاء لا يمكن لهم أن يدخلوا الجنة ابتداءً ولو ماتوا على التوحيد قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يدخل الجنة عاق لوالديه". الجنة من أعظم المنازل ولا يدخلها إلا ذو قلب سليم، وكيف تجتمع سلامة قلب مع عقوق لوالدة حملتك تسعة أشهر أو عقوق لوالد رباك ورعاك. عقوق الوالدين من أعظم ما يمنع رحمة الله -جل وعلا- ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يدخل الجنة عاق لوالديه".

 

الخمر أم الخبائث حرمها الله في كتابه، وحرمها رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهي مظنة كل شر وسبب كل بلاء وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يدخل الجنة مدمن خمر"، ولو مات على لا إله إلا الله إلا أن يكون قد تاب قبل وفاته، فإن الخمر والعياذ بالله حرّمها الله وحرمها رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولعن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسببها عشراً من الناس، ولم يرد في الشرع كله أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لعن بسبب شيء معين عشراً من العباد إلا ما ورد في لعن الخمر وشاربها وبقية العشرة، أعاذنا الله وإياكم من ذلك كله.

 

قد يكون للإنسان جار ولكن ذلك الجار والعياذ بالله فيه من الخلل والزلل ما يجعلك لا تأمن أنت ولا زوجتك ولا أبناؤك ولا بناتك، ذلك الجار تخاف على بناتك وأبنائك إذا سافرت يؤذيك في كل شيء من موقف سيارتك إلى عرضك وأهل بيتك، هذا الجار حرم الله عليه على لسان رسوله أن يدخل الجنة قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه"، أعاذنا الله وإياكم من سوء الجار.

 

كما أخبر -صلى الله عليه وسلم- أنه لا يدخل الجنة ابتداءً قاطع الرحم. والإنسان والعياذ بالله إذا غلبت عليه الأنانية وحب الذات وحرم منه أقرباؤه حرم منه أعمامه وأخواله وعماته وخالاته الفقير والبائس والمسكين وذو الحاجة منه حرموا من عطائه إما بحجج واهية كاشتغال بطلب علم أو بحضور محاضرات أو بتجارة أو بأمثال ذلك من الحجج الواهية. قال -صلى الله عليه وسلم- في الخبر الصحيح: "لا يدخل الجنة قاطع" أي لا يدخل الجنة قاطع رحم؛ لأن الرحم اشتق الله لها -جل وعلا- اسمًا من أسمائه وقال: "أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك". فهؤلاء وأمثالهم ممن نص الشرع عليهم حرم الله -جل وعلا- عليهم دخول الجنة ابتداءً.

 

كما حرم الله دخول الجنة ابتداءً على من في قلوبهم كبر. ومن عرف الله -جل وعلا- وجليل منزلته، وما له -جل وعلا- من رداء الكبرياء والعظمة امتنع على أن يتكبر وتواضع للرب -تبارك وتعالى- وعرف للعباد حقوقهم التي أوجب الله -جل وعلا- عليهم قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر".

 

وعلى النقيض من ذلك ثمة أقوال وأعمال صالحة تكون سبباً في دخول الجنة من أعظمها وأولها ما روى بعض الأئمة بسند حسن أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- يكون أول من يقرع باب الجنة وأول من يدخلها فإذا امرأة تزاحمه صلوات الله وسلامة عليه على دخول الجنة فيقول لها -صلى الله عليه وسلم-: "ومن أنت"؟ أي ما الذي جعلك بهذه المكانة فتقول له: "يا رسول الله أنا امرأة كنت قائمة على أيتام لي"، فهذه لبؤسها وضعفها وعجزها وتركها لشهوة نفسها رغبةً في القيام بشؤون أبنائها من اليتامى جعلها الله -جل وعلا- تزاحم سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- في دخول الجنة.

 

الوضوء إسباغه والصلاة بعده من أعظم أسباب دخول الجنة؛ فإن نبينا -صلى الله عليه وسلم- أراه الله الجنة مراراً يدخلها صلوات الله وسلامه عليه، وكلما دخل الجنة سمع صوت نعلي بلال بن رباح -رضي الله عنه وأرضاه- فقال -صلى الله عليه وسلم- لبلال: "أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإنني ما دخلت الجنة قط إلا وسمعت خشخشة نعليك بين يدي"، فقال: "يا نبي الله أما وقد سألتني كنت لا أتوضأ وضوء فأسبغ فيه الوضوء إلا صليت لله -جل وعلا- في أي ساعة من ليل أو نهار ما كتب الله لي أن أصلي"، رضي الله عن بلال وألحقنا الله به في الصالحين.

 

كما أن الوضوء نفسه من غير صلاة قال -صلى الله عليه وسلم-: "من أسبغ الوضوء ثم قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فُتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء".

 

كما أن من أعظم أسباب دخول الجنة وعلو المنازل فيها: كفالة اليتيم قال -صلى الله عليه وسلم-: "من كفل يتيماً كنت أنا وهو في الجنة كهاتين" وجمع -صلى الله عليه وسلم- وفرق بين أصبعيه السبابة والوسطى. كل هذا عباد الله بعض مما دل الشرع عليه من أسباب دخول الجنة.

 

ومما ينبغي أن يعلمه كل عبد أن المؤمن إذا كتب الله -جل وعلا- له الجنة نسي كل بؤس كان عليه في الدنيا ظمأ الهواجر، قيام الليل، إنفاق المال، عونك لأخيك، كثرتك للتسبيح، صبرك على البلاء؛ كل ذلك يُنسى إذا أدخل الجنة.

 

أدخلنا الله -جل وعلا- وإياكم الجنة. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) [فاطر: 32- 35]. جعلنا الله وإياكم ممن يقول هذا يوم القيامة عند دخول الجنة.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

 

 أما بعد: عباد الله:

فإن القرآن لما حث أتباعه على المسارعة في الخيرات والمسابقة في الطاعات طمعاً في دخول جنات الرحمن ما أراد الله بذلك ولا أراد رسوله -صلى الله عليه وسلم- أن يسابق الإنسان إلى الموت، وأن يسرع إلى التخلص من حياته، فإن الأجل أمر لا يكلف العبد به، هذا أمر قدري خارج عن التكليف والله -جل وعلا- يقول: (فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف: 34].

 

ولم يرد في الشرع ما يدفع المؤمن إلى أن يتمنى الموت إلا في حالات يذكر فيها دعاءاً مخصوصا. أما الأصل في المؤمن أنه يسارع في الخيرات ويسابق في الطاعات ويعمل العمل الصالح هذا الذي كلفنا الله به.

 

أخرج الإمام أحمد في المسند من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه وأرضاه- قال: "وعظنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرققنا - أي أثر فينا حديثه - فبكى سعد -رضي الله عنه وأرضاه- فأكثر من البكاء ثم قال سعد - أي سعد ابن أبي وقاص - قال: "يا ليتني مت"، فقال -صلى الله عليه وسلم-: "يا سعد لا تقل هذا فإن كنت قد خلقت للجنة فمهما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك".

 

وهذا توجيه نبوي كريم منه -صلوات الله وسلامه عليه- أن المؤمن مطالب بأن يسارع في الخير ويعمل الصالح وليس مطالب بأن ينهي نفسه ويقتلها ويظن أن وراء ذلك الجنة قال -صلى الله عليه وسلم-: "بادروا بالأعمال سبعاً فهل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مفنداً أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب يُنتظر، أو الساعة فالساعة أدهى وأمر".

 

فقوله -صلى الله عليه وسلم-: "بادروا بالأعمال"، أي سارعوا في الأعمال الصالحة قبل أن يمنعكم عنها مانع، ثم ذكر عليه الصلاة والسلام جملة من الموانع فالفقر ينسي لأن الإنسان إذا كان فقيراً انشغل بقوته ورزقه ودفع دينه ومنعه ذلك من أن يعبد الله على الوجه الأكمل والنحو الأتم بالغالب.

 

وإذا كان غنياً طغى عليه غناه فانشغل بعقاراته وتجارته وأسهمه وأرباحه، وشغله ذلك عن طاعة الرب -تبارك وتعالى- على الوجه الأكمل والنحو الأتم.

 

وإن كان مريضاً عجز عن الحج والعمرة والصيام وأمثال ذلك من الطاعات لمرضه.

وإن كان هرماً دخل في الخرف فلا يدري الليل من النهار فكيف سيصلي ويصوم.

وإن كان الموت فهو مجهز قاضٍ عليه وبه تطوى صحائف الأعمال إلا ما استثناه الشارع منه.

والدجال لا فتنة أعظم منه. والساعة نهاية الأمر وقيام الحساب وكل ذلك لا عمل فيه.

 

فهذا جزء من التوجيه النبوي الكريم بالمسارعة للخيرات، وقد نقل الأخيار عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه وأرضاه- أنه لما حضرته الوفاة بكى فقيل له: " ما يبكيك يا صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- " فقال: " أبكي على ظمأ الهواجر - أي أبكي على أنني لن أستطيع أن أصوم بعد اليوم - أبكي على قيام ليل الشتاء - لأنني بعد موتي لا أستطيع أن أقوم بعد اليوم- أبكي على مزاحمة العلماء بالركب - لأن حضور مجالس العلماء وحضور مجالس تدارس القرآن كل ذلك مما تُغشى بها السكينة وتنزل به الملائكة ويعظم به الأجر -.

 

 فلم يتأسف معاذ رضي الله عنه على دينار ولا درهم ولا على زوجة ولا على ولد ولكن تأسف على ما سيفوته من عمل الصالح رغم أنه -رضي الله عنه وأرضاه- من أعظم الصحابة قدراً وأجلهم مكانة وأكثره معلماً؛ رضي الله عنه وعن أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- أجمعين.

 

ألا واعلموا عباد الله أنكم في يوم الجمعة، فصلوا فيه وسلموا على سيد الأنام (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً) [الأحزاب: 56]، اللهم صلّ على محمد ما ذكره الذاكرون الأبرار وصلّ على محمد ما تعاقب الليل والنهار، وارض اللهم عن أصحاب محمد من المهاجرين والأنصار. اللهم ورحمنا معهم بمنك وكرمك وعفوك يا عزيز يا غفار، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل ونعوذ بك ربنا من النار وما قرب إليها من قول وعمل.

 

اللهم وفق إمامنا بتوفيقك وأيده بتأييدك اللهم وفقه لهداك وجعل عمله في رضاك، اللهم وادرأ عن أمة الإسلام غوائل الفتن وطوارق المحن وقها اللهم شر الكفار وكيد الفجار يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم احفظ المؤمنين في فلسطين والعراق وفي سائر البلدان يا رب العالمين، اللهم انصر دينك وكتابك وأولياءك وعبادك الصالحين وأبرم لهذه الأمة أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك ويهدى فيه أهل معصيتك ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

 

عباد الله:

إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

 

 

 

المرفقات
نعيم الجنة2.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life