نزول الأمطار

محمد بن سليمان المهنا

2022-10-05 - 1444/03/09
التصنيفات: الخلق والآفاق
عناصر الخطبة
1/ الاعتراف بفضل الله ونسبته إليه وحده 2/ شكر الله على نعمته 3/ ما يستحب فعله وقوله عند هطول الغيث 4/ أحكام تتعلق بالصلاة جماعة حال هطول الغيث 5/ دعاء مستحب عند توالي المطر حتى يضر
اهداف الخطبة

اقتباس

إن أعظم ما يجب على العبد عندما يرى فضل الله أن يعترف بالفضل لله، وأن ينسب النعم إليه لا إلى أحد سواه، فمَن نسب المطر إلى غير الله كالأنواء فقد أشرك شركاً أكبر؛ ومن اعتقد أن الأنواء سببٌ للمطر فقد أشرك شركاً أصغر ..

 

 

 

 

 

أما بعد:

أيها الناس: فمن فضل الله علينا أن رزقنا من لدنه برَّاً، وأنزل علينا من بركاته خيراً، فلا زال القطر منهلاً، والمطر منهمراً، والعيش قارّ، والرزق دارّ، (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم:34].

فاستغنت الأرض من بعد إفلاس، واستبشر الناس من بعد إبلاس، فصدق عليهم قول ربهم: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) [الروم:48-49].

حقاً والله! إنا بفضل الله لفرحون، ولرحمته راجون، وفي واسع فضله طامعون، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس:58].

أيها المسلمون: ماذا يجب؟ وما الذي يندب؟ وأي شيء ينبغي أن يجتلب أو يجتنب؟ أو بعبارة أخرى: ما هي الأحكام والآداب والوصايا التي أوصى بها الله ورسوله في مثل هذه المناسبات؟ نعم، هو سؤال مهم يحتاج جواباً طويلاً.

ولكن، حسبنا أن نورد الأهم فالمهم، فالعلم كثير، والعمر قصير، نسأل الله التوفيق والتيسير.

إن أعظم ما يجب على العبد عندما يرى فضل الله أن يعترف بالفضل لله، وأن ينسب النعم إليه لا إلى أحد سواه، فمَن نسب المطر إلى غير الله كالأنواء فقد أشرك شركاً أكبر.

ومن اعتقد أن الأنواء سببٌ للمطر فقد أشرك شركاً أصغر، حتى ولو قال إن الله هو الذي نزَّل المطر وإن الأنواء مجرد أسباب؛ لأن القاعدة المعروفة عند أهل العلم أن مَن جعل سبباً لم يجعله الله سبباً لا بوحيه ولا بقدَره فهو مشرك شركاً أصغر.

وفي الصحيحين عن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما مَن قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".

ثم بعد الاعتراف بالنعمة يجب على المسلم أن يقابلها بالشكر للمنعم -سبحانه-. ومن صور الشكر أن نتذكر أن الله تفضل علينا فلنعد بفضل رزقه على إخواننا المحتاجين والمعوزين، فكم من أسرة يئن أطفالها من الجوع والبرد والعري، وهم -وللأسف!- قريبٌ منا ولكنهم لا يسألون الناس إلحافاً.

والعجب أن كثيراً من المسلمين يمتلك من الألبسة والأكسية القديمة التي لا تستعمل، يمتلكون الكثير، ومع ذلك تظل حبيسة الخزائن والمستودعات، فلا هم لبسوها ولا هم تصدقوا بها على إخوانهم الذين هم في أمس الحاجة إليها، "ومن لا يرحم لا يُرحم".

أيها المسلون: يستحب للمسلم عند نزول المطر أن يقول: مطرنا بفضل ورحمته، وأن يقول: اللهم صيباً نافعاً؛ ويستحب لـه أن يخرج ليمس المطر رأسه وجسده كما ثبت في صحيح مسلم عن أنس -رضي الله عنه- قال: أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطرٌ فحسر صلى الله عليه وسلم عن رأسه حتى أصابه المطر، فقلنا يا رسول الله: لم صنعت هذا؟ قال: "لأنه حديث عهدٍ بربه". وعلى هذا فالسنة أن يخلع المسلم "غترته" أو عمامته أو رداءه ليصيبه المطر اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم.

أيها المسلمون: ولقد تقرر عند علماء المسلمين: أن المشقة تجلب التيسير، فإذا حصلت المشقة في أمر يسر الله على العباد وشرع لهم ما فيه رفع الحرج، ومن ذلك أنه إذا اشتد المطر وكثر الوحل شرع للمسلمين أن يجمعوا صلاة المغرب مع العشاء، وكذلك الظهر مع العصر.

فإن اشتد المطر جداً وعسر الخروج فإنه يسن للمؤذنين أن ينادوا في الناس أن صلوا في رحالكم وبيوتكم، فإذا نودي في الناس أن الصلاة في الرحال جاز للمسلمين أن يصلوا فرادى كلٌ في بيته وهذا من يسر هذا الدين.

وهناك مسألة يحسن التنبيه عليها: وهي أن بعض الناس ربما دخل المسجد والناس قد انتهوا من صلاة المغرب وشرعوا في جمع العشاء معها، فإذا دخل ووجد الناس في صلاة العشاء وهو لم يصل المغرب بعد؛ فماذا عليه أن يفعل؟ إن الحل -والحالة هذه- أنْ يدخل معهم في صلاة العشاء بنية المغرب، فهم يصلون العشاء وهو يصلي المغرب، فإذا قام الإمام للركعة الرابعة فإنه لا يقوم معهم بل يجلس ويقرأ التشهد الأخير ويدعو وينتظر حتى يجلس الإمام للتشهد الأخير، ثم إذا سلم الإمام سلم معهم.

وإن دخل والإمام قد صلى ركعة واحدة صلى معه بقية الصلاة، وأجزأته عن المغرب، وإن سبقه بأكثر من ركعة صلى معه ما أدرك وقضى البقية.

ومن هذا يتبين لنا عظيم تيسير الله على عباده، فالحمد لله على أن جعل شريعتنا حنيفية سمحة فسهل على هذه الأمة التكاليف، وضاعف لها الأجور، والله على كل شيء قدير.

 

 

الخطبة الثانية:

أما بعدُ ك أيها المسلمون: فإن الإنسان مطبوع على الملل، مجبول على السآمة وقلة الصبر

يَتَمَنَّى المـَرْءُ فِي الصَّيْف الشِّتا *** فَإِذا جَاءَ الشِّتا أَنْكَرَهُ
فَهْوَ لا يرضَى بحالٍ واحِدٍ *** قُتِلَ الإِنْسانُ ما أكْفَرَهُ

ولربما توالى المطر حتى ضر، واحتجبت الشمس حتى اشتاق إلى رؤيتها العباد، وعند ذلك يشرع لهم أن يدعوا ربهم بدعاء نبيهم صلى الله عليه وسلم والذي أورده عليك في قصة حدثت على مرأى من الصحابة ومسمع.

يحدثنا أنس بن مالك -كما في الصحيحين- قال: دخل رجل يوم جمعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناس فقال: يا رسول الله! هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: "اللهم أَغِثْنا! اللهم أَغِثْنا! اللهم أَغِثْنا!".

قال أنس: والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة! وما بيننا وبين سلع -وهو جبل في المدينة- من بيت ولا دار، قال: فطلعَتْ من وراء سلع سحابةٌ مثل التُرس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً، يعني أسبوعاً.

ثم دخل رجل في الجمعة المقبلة من ذلك الباب، ورسول الله قائم يخطب، فاستقبله قائماً فقال: يا رسول الله! هلَكت الأموال، وانقطعت السبل، فادع الله يمسكها عنا. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب (بالظاء جمع ظربة وهي الروابي الصغار) وبطون الأودية ومنابت الشجر"، قال أنس -رضي الله عنه-: فأقلَعَتْ، وخرجنا نمشي في الشمس!.

اللهم لك الحمد على عطائك، ولك الحمد على نعمائك... اللهم أوزِعْنا شكر نعمك، وارزقنا المزيد من فضلك...

 

 

 

 

 

المرفقات
نزول الأمطار.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life