عناصر الخطبة
1/ غفلة كثير من الناس عن الموت 2/ الخوف من سوء الخاتمة 3/ كثرة موت الفجأة 4/ أسباب سوء الخاتمة 5/ وجوب الحذر من مكر الله تعالى 6/ قصص سوء الخاتمة وموت الفجأة 7/ أثر الإصرار على المعاصي على خاتمة العبد.
اهداف الخطبة

اقتباس

لا تأمن عدوك على إهلاكك عند الموت، لا تظن أن القضية تسير كما تريد أيها العاصي وكما تمني نفسك الأمارة بالسوء، والله يثبت عند الخوف مَن ثبت على دينه ومن استقام على شرعه، فالجزاء من جنس العمل، أما من بقي في حياته تارة يعصي الله وتارة يطيع الله، وتارة يقبل عليه وتارة يعرض عنه، تارة مع الحق وتارة مع الباطل، تارة منافقًا وتارة يخرج من النفاق، يُخشى عليه أن يُمكر به، فيدركه الموت وهو على الحالة التي تغضب الله -عز وجل-.

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الواحد القهار، مقلّب الليل والنهار، وكاتب الفناء على أهل هذه الدار، وأشهد أن لا إله إلا الله العزيز الغفار، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله؛ خير من دعا إلى اجتناب الآثام والأوزار، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.

 

أما بعد: معاشر المسلمين: لقد وصَّاكم الله بوصية عظيمة نافعة وفي ضمنها تحذير شديد ووعيد أكيد لمن لم يعمل بها، ألا وهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102].

 

 فقوله: (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) تتضمن الأمر بملازمة الإسلام والثبات على الإيمان حتى يلقى العبد ربه، وتحذر من الغفلة التي تؤدي إلى الكفر، فإن مات الشخص على الكفر فتلك الخاتمة السيئة التي لا أشقى على العبد منها وأيضًا الآية تحذر من الموت على المعاصي.

 

ويدل على هذا بالنص قوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ)، روى الإمام الحاكم ابن جرير الطبري وغيرهما عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "أن يُطاع فلا يُعصى، وأن يُذكر فلا يُنسى، وأن يُشكر فلا يُكفر".

 

هذا تقوى الله حق تقاته، فقد أمر الله المؤمنين بهذا، ودعاهم إلى الثبات والاستمرارية حتى ينتقلوا إليه وحتى يلقوه سبحانه فقوله (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) دعوة للاستعداد للقاء الله بطاعة الله وشكره وحسن ذكره، وتحذير من الغفلة التي تجعل المسلم يغشى من الذنوب ما يغشى، فيلقى الله -عز وجل- إما مبتدعًا ضالاً، وإما عاصيًا لاهيًا، وكلاهما أمر خطير على من لقي الله وهو على ذلك.

 

أيها المسلمون إن الرسول -عليه الصلاة والسلام- حذَّر المسلمين من أمر ألا وهو أن يكون المسلم على معصية مصرًّا عليها، أو أن يكون مترددًا على المعاصي ما بين حين وآخر؛ إذ يخشى عليه من أن يُختم له بالخاتمة السيئة، ومن أن يمكر الله به كما مكر هو، ومن أن يخذله الله كما سعى في خذلان نفسه، ومن أن يأخذه الله أخذ عزيز مقتدر كما تغافل وتلاعب، وعاند وكابر، وأعرض عن طاعة الله.

 

روى الإمام أحمد وأبو داود من حديث عبيد الله بن خالد أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "موت الفجأة أخذة أسف"، ومعنى أسف: غضب، أي: من مات فجأة فإن الله -عز وجل- قد أخذه وهو غضبان عليه، إلا أن يكون هذا الذي مات موت الفجأة صالحًا طائعًا قد أصلح باطنه وأصلح ظاهره فلا يكون مغضوبًا عليه من قِبل الله لكننا نشاهد ونسمع ونعلم أن كثيرًا من المسلمين يموتون غفلة، يهجم عليهم الموت هجومًا فيأخذهم ويختطفهم فينتقلون إلى القبور وينتقلون إلى أن يكونوا تحت الأجداث والصخور، ولم يكونوا مستعدين للقاء الله، ولم يكونوا متوقعين لهذا الأخذ من الله -عز وجل-.

 

فيا أيها المسلمون: الموت آتٍ لا محالة، قال تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) [النساء: 78]، ويقول: (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ) [الجمعة: 8].

 

فالموت آتٍ ولكننا نجهل متى يأتي، فتوقع أن يأتيك الموت في كل حال وعلى كل حال، فلا تأمن أن يأتيك في الوقت الذي تغفل فيه عن الله، أو ترتكب فيه ما حرَّم الله، لا تأمن، في الآية الكريمة (وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) دعوة إلى استمرارية الانقياد لشرعه -عز وجل- والاستسلام لأحكام الله والوقوف عند حقوق الله، وإلا يُخشى على الشخص أن يأتيه الموت في الوقت الذي سمح لنفسه ودعاه شيطانه إلى أن يرتكب ما حرم الله.

 

أيها الإخوة: إننا نسمع أن كثيرًا من الناس يفاجئون بالموت، فيُؤخذون على غرَّة، وبعض الناس يكون في أيام العافية والصحة ممنين نفسه ومواعدًا إياها بأنه إذا جاء الموت سيفعل ويقول ما به يطيع الله، وهذا مكر بهذا الشخص وجهل مطبق في هذا الشخص، فإن الأمر ليس إلى الشخص إنما الأمر إلى الله -عز وجل-، فمن سولت له نفسه وزين له شيطانه أن يعيش على المعاصي، أو على البدعة والضلالة، ثم يظن أنه عند قرب الموت سيكون تائبًا وسيكون مقبلاً على الله!

 

هذا جهل ومكر به من قبل الله، ولا شك أن الله قد يمنّ على العبد بالتوبة قرب الموت وعند بداية مؤشرات الموت فقد يتوب الله على العبد، ولكن هذا قليل، وهذا في حق من لا يكون معاندًا ولا مصرًّا كلما دعي إلى الله أصر على ما هو عليه هذا يُخشى عليه أن يمكر الله به كما مكر بنفسه.

 

ومن هنا هناك أمر تكلم أهل العلم وبيَّنوه؛ قال الإمام الذهبي -رحمه الله-: "ما من ميت يموت إلا ويمثل له عند موته جلساؤه"، بمعنى إن كان جلساؤه أخيارا؛ فإن هذا من أسباب أن ينجيه الله من الخذلان عند الموت ومن الغضب عليه عند الموت، وإن كان قبل الموت مصاحبا من يفسده، ومن يضيع عليه دينه فيُخشى عليه عند الموت أن يُخذل، وأن يكون من أسباب خذلانه أولئك الأصحاب وتلك الزمرة التي اصطحبها في معصية الله -عز وجل-.

 

كذلك أيضًا هناك أمر نبَّه عليه العلماء، ألا وهو أن الله -عز وجل- يمكر بالعبد عند الموت إن كان مصرًّا على الآثام والأوزار قبل الموت، ومن مكره بالعبد أن يسلط عليه الشيطان عند الموت، ولهذا جاء عند الإمام أحمد وغيره من حديث أبي اليسر أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت".

 

الشيطان عدوك الأكبر؛ إنه يكون أقوى ما يكون عليك وأحرص ما يكون على إفسادك، وعلى أن يحرمك من النجاة والخاتمة الحسنة عند الموت.

 

قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: "إذا كان العبد في اكتمال شبابه وقواه يتسلط عليه الشيطان حتى يسير به في عصيان الرحمن، فيفسد عليه قلبه، فلا يعبد الله ويعطل عليه لسانه، فلا يذكر الله، ويفسد عليه جوارحه فلا يطيع الله"، قال: "فكيف بحال الشخص إذا صار رهين الموت وفي حالة احتضار في حالة شدائد الموت وهجمات الموت وسكرات الموت، فإنه هنا في حال ضعف شديد قد نزل به ما نزل، فإن لم يتداركه الله من العدو الأكبر وجنوده أهلكه عدوه في ذلك الوقت، وذلك قوله تعالى (يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاء) [إبراهيم:27]".

 

لا تأمن عدوك على إهلاكك عند الموت، لا تظن أن القضية تسير كما تريد أيها العاصي وكما تمني نفسك الأمارة بالسوء، والله يثبت عند الخوف مَن ثبت على دينه ومن استقام على شرعه، فالجزاء من جنس العمل، أما من بقي في حياته تارة يعصي الله وتارة يطيع الله، وتارة يقبل عليه وتارة يعرض عنه، تارة مع الحق وتارة مع الباطل، تارة منافقًا وتارة يخرج من النفاق، يُخشى عليه أن يُمكر به، فيدركه الموت وهو على الحالة التي تغضب الله -عز وجل-.

 

قال ابن القيم -رحمه الله- في كتابه "الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي" قال: "ومن عقوبة المعاصي أنها سببٌ لأن يخون العبد لسانه عند الموت"، أن الشخص عند الموت قد يريد أن يقول لا إله إلا الله، قد يريد أن يتوب إلى الله، قد يريد أن يتخلص من مظلمة ولكن لا يوفق، اللسان لا ينطق، لماذا؟ خُذل من الله بماذا؟ بسبب المعاصي في أيام العافية، وفي أيام القوة، وفي أيام القدرة على التوبة.

 

فحذارِ يا عباد الله من الوقوع في هذا مبارزةً لله ومحاربته بالمعاصي في أيام العافية، وفي أيام القوة، وفي أيام القدرة، وفي أيام النشاط، فكن عبد الله في هذه الأحوال لا تنتظر ساعة الموت وتقول الآن أريد أن أتوب فقد تقبل توبتك، وقد لا تقبل، ومن تاب قبل أن يغرر يرجى أن تقبل توبته، والأمر إلى الله -عز وجل-.

 

معاشر المسلمين: لقد ذكر العلماء أن كثيرًا من الناس يموتون موت الفجأة، ويكون هذا الموت وبالاً عليهم، ولن نذهب نسرد ما في التاريخ من أحوال هذا الصنف، الذي مات فجأة وهو على المعاصي، لا نذهب نسرد ما في التاريخ ففي التاريخ دواهٍ، وفي التاريخ عبر ومواعظ في هذا المجال، ولكن نبقى مع ذكر شيء مما حصل في عصرنا هذا.

 

تعلمون أن كثيرًا من الشباب في غفلة يعمهون، وهذه حالة كثير من الشباب أنهم يبتلون بتسلط الشيطان عليهم، وباستحواذه عليهم، وبتمكن هواهم منهم، وأمر أنفسهم لهم بالسوء -عياذا بالله-، فيبقى الشاب يغرق في المعاصي غير آبهٍ وغير منتبه ولا حَذِر ولا يقظ من نزول الموت عليه يستبعد هذا، يظن أن الحياة أمامه واسعة، وأن الفسحة له والمتعة باقية كما يريد وكما يهوى، وكما يزين له الشيطان فما أكثر من يصرعون بالموت وهم على هذه الأحوال.

 

ومن هنا يكونون عند الموت مخذولين، ومن ذلك ما ذكر بعض الرواة في هذا العصر أن شابًّا التقى بامرأة باغية فاجرة، فعشقها وعاش معها مدة من الزمن، وبينما هو في ليلة على موعد معها على اللقاء المشئوم تأخرت عنه قليلاً فعظم حزنه واشتد كربه لما تأخرت عنه حبيبه، فجاءت في تلك الليلة فلما رآها من شدة حبه لها وفرحه بقدومها سجد بين يديها، وكانت تلك آخر لحظة في عمره أن لقي الله ساجدًا لمعشوقته، ما سجد لله ولا عرف الله، ولا عظَّم الله، فمات على هذه الحالة السيئة، عياذًا بالله.

 

انظروا إلى المكر الإلهي بمن؟ المصاب بالفتنة من الشهوات المحرمة والانطلاق وراء النساء، وقد قال بعض السلف "كل كفر سببه النساء"، فما أكثر الذين يشركون بالله ويكفرون بالله ويرتكبون أنواع من الآثام والأوزار والفجور من أجل الشهوة النسائية.

 

فليحذر الشباب من العشق فإنه المدمِّر والمحطِّم، وإنه الملهي لهم أيما التهاء عن طاعة الله -عز وجل-.

 

كذلك أيضًا ذكر بعض المؤلفين أن أربعة من الشباب كانوا كلما علموا بفجور في مكان طاروا إليه يريدون ذلك الفجور، ويعيشون على تلك الرذائل، فبينما هم في ليلة عائشون على هذا هم الأربعة ومعهم الفاجرات وبين أيديهم الخمور والراقصات إذا بأحدهم قد مات، غُشي عليه غشية الموت، فإذا بهم يقولون: يا فلان! يا فلان! قل لا إله إلا الله، فأبى أن يقول لا إله إلا الله، قال: "زيدوني خمرًا، وقدموا إليَّ فلانة" وهو في سكرات الموت.

 

انظروا الآن الشيء الذي عاش عليه كيف مات عليه، وكيف جعل يصرّ على ما هو عليه، عياذًا بالله.

 

وهكذا أيضًا ثلاثة من الشباب كانوا ذاهبين إلى مكان فيه فجور، فرجعوا في وقت متأخر من الليل، ثم حصل أن أحدهم أُصيب بحادث فجاءه الموت فجاءه رجل يقول له عند الموت: يا فلان قل لا إله إلا الله، قال: "أنا ما صليت وما أنا بمصلي، ولا أنا بصائم"، من الذي يطلب منه في ذلك الوقت أن يصلي؟ إنه يطالب أن يقول: لا إله إلا الله؛ الكلمة التي إن قالها عند الموت كانت علامة نجاة وعلامة خير وإن كان الشخص عليه معاصي إلا أنه يكون قد لقي الله بالإسلام.

 

فهذا الشاب عاش مع شباب يقولون: ما نصلي، ما نصوم، ما نحتاج إلى الدين، فإذا به يكرر ذلك، ويقول ذلك عند الموت، وعلى هذا لقي الله -عز وجل-.

 

وشاب آخر أصيب بحادث فجيء إليه يُناشد، ويُطالب بلا إله إلا الله، فقال هذا الشاب: "ما أنا بمصلي روح يلعن شكلك"، هذا بسبب الكلمات التي كانوا يقولونها بمن ينصحونهم في أمورهم في كل من ينصحهم يردون عليه بالإنكار والسب والشتم والطعن واللعن، انظر إلى حاله الآن.

 

وآخر من الشباب كان راجعًا من سفر في الليل في خط جدة، ثم حصل أن انقلبت به سيارته فمر مارون فرأوا السيارة مقلوبة فنزلوا فجاءوا إليه وهو في آخر أنفاسه فقالوا له يا فلان قل "لا إله إلا الله" قال: "أنا في سقر، أنا في سقر".

 

ما الذي جعله يقول هذا الكلام؟ لربما سمع أناس يتلون عليه قوله تعالى: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) [المدثر:43].

 

فإن هذا الكلام يتأتى نتيجة الحياة التي كان عليها الشباب في حال طيشهم وغفلتهم وإجرامهم، فندعو جميع المسلمين إلى أن نتوب إلى الله، وأن نرجع إلى الله وندعو أنفسنا حال السفر أن نكون متأهبين للموت؛ لأنه كم من مسافر خرج من بيته وما رجع إلا خبره، أو ما رجع إلا جنازة محمولة، ومن هنا قال -عليه الصلاة والسلام-: "إذا أراد الله قبض عبد في أرض جعل له إليها حاجة" (رواه الترمذي وغيره عن أبي عزة).

 

فعندما تخرج من بيتك إلى مكان آخر تذكر أنه ربما تكون آخر خرجة خرجتها فلا تأمن الموت في الأسفار، ولهذا دعاك الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى أن تتزود من شكر الله وذكره وحسن عبادته في الأسفار، فقد روى الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من خارج من بيته إلا بيده رايتان راية ملك وراية شيطان"، قال -عليه الصلاة والسلام-: "إن خرج في طاعة الله كان معه راية بيد ملك، وإن خرج في معصية الله كان معه راية بيد شيطان".

 

لا ترضى أن يكون رفيقك الشيطان عدوك الأكبر، بل جاء من حديث عقبة بن عامر عند الطبراني وغيره أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من راكبٍ يخلو في مسيره بذكر الله إلا كان ردفه ملك، وما من راكب يخلو في مسيره بشعر ونحوه إلا كان ردفه شيطان".

 

فانتبه يا عبد الله لاحظوا أحوال كثير من المسافرين كيف يكونون في غفلتهم مع الأغاني والمزامير ومع الدشوش والتلفزيونات والقنوات، وغير ذلك من أنواع المعاصي، ألا فليتق الله المسلمون وليتق الله الشباب...

 

استغفروا الله إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وأصحابه.

 

أما بعد: أيها المسلمون: لا نأمن الموت لا تأمن الموت في طرف ولا نفس، فالموت آتٍ لا محالة، فكم من شخص مات وهو ساجد، فنعم الميتة هذه، وشخص مات وهو يصلي ونعم الميتة هذه.

 

وكل من مات وهو يؤدي طاعة من طاعات الله، فتلك علامة من علامات حسن الخاتمة، وكم من شخص مات وهو على أنواع من المعاصي فحذارِ من الإصرار على المعاصي والآثام، واستجيبوا لما دعاكم إليه ربكم، ولما دعاكم إليه نبيكم؛ فقد أخرج البيهقي في الشُّعَب وقبل هذا الحاكم في المستدرك من حديث ابن عباس أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: "اغتنم خمسًا قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل مرضك، وفراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وحياتك قبل موتك".

 

فيا أيها المسلم الكريم: حياتك فرصة لك أن تصلح ما بينك وبين الله، أن تبني آخرتك، لا تلقى الله وقد خربت آخرتك، لا تلقى الله وقد أغضبت ربك، لا تلقى الله وأنت على ما يغضبه.

 

الشيطان يزين للشباب يزين لهم أن يرتكبوا المعاصي، ويقول أنت أيام شبابك خلّ الطاعة للشيبان، أما أنت فأنت أيام الشباب!

 

هذا من أعظم تسلط الشيطان على بني الإنسان، لا خير في من لم يتب صغيرًا ولم يكن بعيبه بصيرًا.

 

أيها المسلم: احذر هذه الغفلة، فبادر بالتوبة إلى الله -عز وجل- والإصلاح لما بينك وبين الله -عز وجل- فحذارِ من رفقة السوء، حذارِ من رفقة السوء فقد جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "إن الملائكة لا تصحب رفقة فيها جرس ولا كلب"، إن الملائكة، أي: ملائكة الرحمة وملائكة الحفظ للشخص وملائكة التوفيق له من عند الله الدعوة له بالتوفيق والهداية لا تصحب الشخص الذي يصاحب المعاصي إذا كان من معه جرس كما سمع لا تصحبه الملائكة؛ لأن هذا مما يلهي، فما بالك بمن عنده المعاصي؟!

 

فحذارِ حذار من استحلاء المعاصي، واستلذاذ الشرور والفتن، المطلوب التوبة إلى الله والرجوع إليه قبل الانتقال إليه.

 

إذا ما قال لي ربي *** أما استحييت تعصيني

تخفي الذنب من عبدي*** وبالعصيان تأتيني

 

كيف يكون حال العبد إذا لقي الله يحمل أوزاره، إذا لقي الله بما يغضبه، إذا لقي الله بغير شرعه، وبغير دينه وبغير طاعته.

 

يا عباد الله: الفضيحة كبيرة، والمصيبة عظيمة في ذلك اليوم العظيم، فهيا مركب السير قبل أن يعقب الطير، أقبل على ربك، استعد للقاء الله، الموت آت لا محالة، فرحم الله امرأً مهَّد لنفسه في قبره، رحم الله امرأً أصلح ما بينه وبين ربه حتى لا ينتقل إلى عذاب الله، وإلى بحر الندامات ألا وهو القبر، فمن عاش في الدنيا لاهيًا مشتغلاً بغير طاعة الله وجد ثمرات ذلك عند الموت وما بعد الموت.

 

فهنيئًا لكل مسلم ومسلمة أقبل على الله، ولم يرضِ الناس بمعصية الله، وإنما سعى إلى إرضاء ربه، ولا يقف مع الناس في شره، بعض الناس يريد أن يتوب إلى الله، يخشى أن يُقال له متشدد، أن يقال عليه متزمت، أن يقولوا عنه إرهابي، أن يقولوا: قد صار على طريقة المطاوعة، يا مسلم ما رضي الناس عن ربهم أتريدهم أن يرضوا عنك؟!

 

قال العلامة ابن الوزير -رحمه الله-: "ما سَلِمَ الله من بريَّته ولا نبيُّ الهدى, فكيفَ أَنَا!" إذا كان الناس ما رضوا عن ربهم، ولا أحسنوا عبادته، ولا أقبلوا على طاعته وهو ربهم أتريد أن يرضوا عنك إذا أطعت الله لا ترضى في هذا الاختيار أن تختار رضا الناس، اختر رضا الله فهو أنفع لك في دنياك وأخراك، في دينك ودنياك.

 

قال -عليه الصلاة والسلام-: "من أرضى الناس بسخط الله سخِط الله عليه، وأسخط عليه الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عليه وأرضى عليه الناس" (رواه الترمذي).

 

من معك يا من تريد رضاء الناس، من معك لا رب يتولاك وينصرك ويرحمك ويغفر لك ولا مخلوق ينفعك ويدفع عنك يا مسلم، ارضَ بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولاً، اتبع ولا تبتدع تمسك بالدين، ولا تتهكم بشيء من أحكام الشريعة.

 

اللهم إنا نسألك الهدى  والتقى والعفاف والغنى.

 

 

المرفقات
موت الفجأة5.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life