لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا

عمر بن عبد العزيز الدهيشي

2023-10-10 - 1445/03/25
عناصر الخطبة
1/ سُنة إلهية كونية في كل دورة يومية 2/ أشرف العلاقات الاجتماعية 3/الانفصال والمفاصلة بين الزوجين 4/تقرير إلهي وسُنة لا تتبدل 5/الرجاء في تبدل الأحوال السيئة 6/الفرج بعد الشدة وحسن الظن في الله تعالى 7/أعلى درجات التفاؤل.

اقتباس

أعلى درجات التفاؤل هو التفاؤل في أوقات الأزمات، ولحظات الانكسارات، وساعات الشدائد، فتَتَوَقَّع الخيرَ وأنت لا ترى إلاَّ الشر، والسعادةَ وأنت لا ترى إلاَّ الحُزن، وتَتَوقَّع الشفاءَ عند المرض، والنجاحَ عن الفشل، والنصرَ عند الهزيمة، وتتوقَّع تفريجَ الكروب...

الخُطْبَةُ الأُولَى:

 

عباد الله: حين تشتد عَتَمَةُ الليل، ويُرخي الظلام سدوله، وتختفي المعالم دون ستاره، يوقن العبد ما هي إلا لحظات وساعات معدودات، حتى يدوي صوت الحق مجلجلاً في الأرجاء والباحات، مؤذناً بانبلاج الصباح، وأفول الظلام، سُنة إلهية كونية في كل دورة يومية.

 

وعندما يغشى الهمّ والغمّ العبد، وتتنكر عليه الأيام والليالي، فتضيق الأرض عليه بما رحبت، ويظن أن لا منجا ولا مخرج منها، حتى يقول: تلك مهلكتي، وحان زمن خسارتي، يُبصر بصيص أمل، ووصوصة رجاء، يبثّ فيه الروح، ويُعيد إليه العافية والرجاء، إن عرف الله -تعالى- حق المعرفة، وأدرك سُننه وعاداته -سبحانه- في الأفراد والمجتمعات (فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا)[فاطر: 43].

 

عباد الله: أشرف العلاقات الاجتماعية، وأغلظ العقود والمواثيق، عقد الزوجية؛ إذ به قوام الحياة وأُنسها، وطمأنينتها وسكنها، تبنى بها الحياة، ويكتمل معها البناء، فاستقرارها ودوام مودتها، نعيم معجّل، وجنة دنيوية، (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الروم: 21].

 

 لكن حين تتصدع جدرانها، وتنقطع حبال وصالها، ويتعثر معها البقاء، شرع الشارع الحكيم الانفصال، والمفاصلة بين الزوجين بالطلاق، لتنفض تلك العلاقة، ويقطع ذلك العقد، ويتهدم معها البنيان.

 

 ومع كل ذلك.. وعد الله -تعالى- كلا الزوجين بالغنى، وأبقى -سبحانه- ذلك الرجاء؛ لتستعيد النفوس طاقتها، وتعود الأمور إلى مجاريها طموحاً وتطلعاً، كي لا ينقطع الأمل، وتذبل تلك الروح الوثابة، في أوهام وتخيلات بالفشل والخسارة، وبعد عن النجاح والريادة، فقد ختم الله -تعالى- آية الطلاق بتقرير إلهي، وسنة لا تتبدل ولا تتحول، لمن وعى حقيقة الدنيا، وسُنن الله العليا، فقال -تعالى-: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)[الطلاق: 1].

 

عباد الله: أدرك هذه السُّنة وآمن بها الرسل والنبيون وصالح المؤمنين، فها هو نبي الله يعقوب -عليه السلام- وبعد مرور عقود من السنين على فراق يوسف واختفائه عنه، وما نسجه إخوته من أكاذيب وأوهام، وبعد أن بلغ من الكبر عتياً، وابيضت عيناه من الحزن، ينادي أبناءه نداء واثقٍ مطمئنٍ في وعد الله -تعالى-، وحسن بلائه، وعظيم لطفه، وكرم عائدته (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ)[يوسف: 86-87].

 

 ونبي الله موسى -عليه السلام- لما توعده فرعون بالعذاب والنكال، واستفزّ جنوده بغياً وعدوا ليوقعوا بموسى ومن معه، سار -عليه السلام- بأتباعه في دلجة الليل خوفاً ورهبة من بطش فرعون الطاغية.

 

 ولما كان البحر أمامهم والعدو من خلفهم نادى أصحابُ موسى نبيهم (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) [الشعراء: 61]؛ فرَدَّ -عليه السلام- واثقاً مطمئناً بوعد الله وحسن بلائه، مؤمناً بسنة الله وعظيم لطفه (كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ)[الشعراء: 62]؛ فجاء الفرج وحصلت المعجزة الربانية (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ)[الشعراء: 63].

 

ونبينا -عليه الصلاة والسلام- لما ضاقت عليه أرض مكة وآذاه قومه، عرض نفسه على عظيم أهل الطائف في خبر حدثتنا عنه عائشة -رضي الله عنها- بقولها: قلت: يَا رَسولَ اللهِ، هلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أَشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟

 

فَقالَ: "لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ وَكانَ أَشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يَالِيلَ بنِ عبدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ علَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلَّا بقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بسَحَابَةٍ قدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ -عز وجل- قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَما رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهم، قالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بأَمْرِكَ، فَما شِئْتَ، إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ، فَقالَ له رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أَصْلَابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا"(رواه البخاري: 3231).

 

فكان عاقبة أمره أن آمن به كبراء قومه، ودخل في الإسلام عمه وأبناء عمومته وعموم أهل مكة، فكانوا قادة جيوش، وأساطين الإسلام، وحماة الثغور، وصدق الله -تعالى-:(لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا)[الطلاق: 1].

 

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم

 

 

الخطبة الثانية:

 

عباد الله: هذه السنة الربانية في الأفراد والمجتمعات، وذاك الرجاء العظيم من رب كريم، ليس هو كما اتفق، ولا يأتي من فراغ، (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ)[البقرة: 123]، لكن بتحقق الشروط والأخذ بالأسباب، فحيث وقع السبب حصلت النتيجة؛ بإذن الله.

 

وفي مقدمة ذلك الاستقامة على طاعة الله -تعالى-، وحُسن عبادته، بأداء الفرائض والحرص على النوافل، دون الخوض في قيل وقال، وتتبع الأخبار واللهث خلف السفاسف والشائعات، أو العب من الشهوات وتتبع الشبهات، إذ قرن الله هذا الفرج وذلك التيسير بقوله -سبحانه-: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)[الطلاق: 1].

 

فحُرية الإنسان تنتهي حيث تبدأ حدود الله، فالعبادة لا تأتي إلا بخير، فتعود على صاحبها بالفرج والتيسير، ولذا قال -سبحانه- بعدها: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)[الطلاق: 2-3].

 

 كذلك تسليم الأمر لله وتعليق القلب به -سبحانه- بالتوكل عليه، وقطع العلائق عن من سواه، إلا إن كان سبباً مشروعاً (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)[الطلاق: 3]؛ أيضاً حسن الظن بالله -تعالى-، وعظيم رجاه، (إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ)[الطلاق: 3]، وفي الحديث القدسي قال الله -تعالى-: "إنا عند ظن عبدي بي"(رواه الشيخان).

 

وبعد عباد الله: إنَّ أعلى درجات التفاؤل هو التفاؤل في أوقات الأزمات، ولحظات الانكسارات، وساعات الشدائد، فتَتَوَقَّع الخيرَ وأنت لا ترى إلاَّ الشر، والسعادةَ وأنت لا ترى إلاَّ الحُزن، وتَتَوقَّع الشفاءَ عند المرض، والنجاحَ عن الفشل، والنصرَ عند الهزيمة، وتتوقَّع تفريجَ الكروب ودَفْعَ المصائب عند وقوعها؛ إذ التفاؤل في هذه المواقف يُولِّد مشاعر الرضا والثقة والأمل.

 

 هذا وصلوا وسلموا على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life