عناصر الخطبة
1/صفة الموفقين وسمة المؤمنين 2/وسائل تحقيق الفلاح 3/فضل نعمة الإسلام 4/أهمية الرضا والقناعة بالأرزاق 5/قاعدة عظيمة في التعامل مع الدنيا 4/كثرة نعم الله تعالى.اقتباس
في الأرض خلقٌ كثير لم ينالوا الإسلام، والله وفَّقك وهداك لدينه، في الأرض دياناتٌ كثيرة، هذا يسجد لبهيمة، وآخر يُعظِّم حجرًا، وثالثٌ يَتِيه في الظلمات، وأنت تقصد ربّاً واحداً، وتشهد أن لا إله إلا هو، إنها لنعمة تستوجب عليك شكر ربك على إنعامه وإفضاله. وإن شكر الله على نعمة الإسلام، يتجلى في أن تعرف قَدْرها، وترعى مكانتها، وتنأى بنفسك عن كل ما يناقضها...
الخطبة الأولى:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله....
مطلبٌ يرجوه كل إنسان في هذه الحياة، ورغبة يرجو أن يُحقّقها كل مسلم، لأجلها يعمل الطاعات، ويبحث عن الكمالات.
الفَلَاح صفة الموفقين، وسمة المؤمنين، وطلبة المحسنين.
والفَلَاح هو اسم جامع لحصول كل مطلوب ومحبوب، والسلامة من كل مخوف مكروه.
هذا الفَلَاح -يا كرام- يُنال بوصفةٍ نبوية ذكرها لنا -عليه السلام- حين نحقق ثلاثة أمور؛ ففي الصحيح أنه قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافاً، وَقَنَّعَهُ اللّهُ بِمَا آتَاهُ»(رواه مسلم).
نعم هي ثلاث خصال، ولكن لا يُوفَّق لها إلا المفلحون؛ فحين تبغي الفلاح فعن طريقها:
أولها: أن تُرزَق الإسلام، ولو جمعت نِعَم الدنيا كلها ما ساوت أن جعلك الله مسلماً، له تدين، وإياه تعبد.
في الأرض خلقٌ كثير لم ينالوا الإسلام، والله وفَّقك وهداك لدينه، في الأرض دياناتٌ كثيرة، هذا يسجد لبهيمة، وآخر يُعظِّم حجرًا، وثالثٌ يَتِيه في الظلمات، وأنت تقصد ربّاً واحداً، وتشهد أن لا إله إلا هو، إنها لنعمة تستوجب عليك شكر ربك على إنعامه وإفضاله.
وإن شكر الله على نعمة الإسلام، يتجلى في أن تعرف قَدْرها، وترعى مكانتها، وتنأى بنفسك عن كل ما يناقضها، وأن تسعى لمعرفة دينك، والدعوة له.
وثاني الخصال: ورُزِقَ كَفافاً، والكفاف ما يكفّ عن الحاجات، ويدفع الضرورات والفاقات، ولا يُلحِقُ بأهل الترف، فهو أخذُ ما يكفي، بحيث لا يجعله محتاجًا ولا مضطرًّا، وكذلك لا يجعله مترفًا.
في الرزق الكفاف استغناءٌ عن الناس، وفيه كذلك عدم انشغالٍ بما زاد، ولذا اختار الله لنبينا الرزقَ الكفاف، وكان -عليه السلام- يدعو فيقول: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً".
ولك أن تتصور رجلين؛ أحدُهما لديه الكفافُ فهو مكتفٍ به، وآخرُ لديه الأموال الطائلة فذهنه مشغول وكذا بدنه في كيفية تقلبيها وتنميتها وتكثيرها، ولربما كان المال للبعض وبالاً، وربك يختار لعبده الأفضل له، وقد روي في الحديث: "ما قلّ وكفى خير مما كثر وألهى".
عباد الله: ويكتمل عقد الفلاح بالقناعة بما نلتَ، فلن يطيب العيش ولو كثر الرزق ونلت كل مُتَع الدنيا إلا إذا امتلأ قلبُك بالقناعة، وانشرح صدرُك بالرضا.
وكم هو همٌّ وغمّ وتعب وعناء يُدرك مَن لم يقنع برزقه، فلا هو تَهنأ بما لديه، ولا هو تحقّق له غيره، ولو عرَفَت القناعةُ لقلبهِ طريقاً لاطمأن وارتاح، فالرزق -كما قال ابن مسعود- مكتوب، لا يجلبه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره.
إِنَّ القناعةَ من يَحللْ بساحتِها *** لم يلق في ظلِّها همًّا يؤرقُه
يا موفق: بالقناعة بما رُزِقْت يمتلئ قلبك إيماناً ورضى، وتصبح حياتك طيبة، فالله ضَمِن الأرزاق وقسمها بينهم، وقد قال ابن الجوزي: "مَن قنع طاب عيشه". وبالقناعة أنت أشكرُ الناس، كما في الحديث بسند فيه ضعف: "وكن قنعًا تكن أشكر الناس".
وأعظم طريق لنيل القناعة: ترويضُ القلب على عدم التشوّف للدنيا، وعلى غنى القلب، فمن كان فقيرَ القلب؛ فإنه لو ملك الأرض ومن عليها إلا درهماً واحداً لرأى أن غناه في ذلك الدرهم؛ فلا يزال فقيراً حتى يناله، ولذا قال -صلى الله عليه وسلم-: "ليس الغِنَى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس".
ولقد قرَّر لنا نبينا -عليه السلام- قاعدة عظيمة في التعامل مع الدنيا، والله لو اعتبرناها وحققناها لرضي كلٌ بعيشه وحاله، حين قال: «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله».
وما قلّت القناعة اليوم إلا حين تشوَّف الناس لمتع الدنيا، ونظر كل أحد لمن هو أعلى منه، وحتماً سيجد مَن عيشته أحسنُ من عيشته، فيصبح لا رضي بما نال، ولا حقّق ما عند غيره، فيتجرع الحسرات.
بهذه الخصال الثلاث -يا كرام- يُنال الفلاح: "قد أفلح من أسلم، ورُزِق كفافًا، وقنَّعه الله بما أعطاه".
اللهم حقِّق لنا ذلك، وقنا شح أنفسنا....
الخطبة الثانية:
الحمد لله وحده....
ولئن كان الفلاح قد ناله كثيرٌ منا بتحقيق تلكم الخصال الثلاث، فإن أكثرنا كذلك قد حاز الدنيا وهو لا يدري؛ يُجسِّد ذلك قول نبينا -صلى الله عليه وسلم-: "مَن أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ، عندَهُ قوتُ يومِهِ؛ فَكَأنَّما حِيزَتْ لَهُ الدُّنيا"(أخرجه الترمذي).
إنها ثلاث نعم يتفيأها -بحمد الله- كثيرٌ من الناس، وقد يظن أنه محروم في حين أنه قد حاز الدنيا بأسرها؛ أن تصبح وأنت آمنٌ لا تخاف على نفسك وعلى ولدك ولا على مالك، تخرج في كنف الأمن، لا تخاف لِصّاً ولا عدواً، وتخلف وراءك أهلاً آمنين في سربهم.
وأنت قد أصحّ الله جسدك، لم يُقعِدك مرض، ولم يصبك سقم مؤلم، قد أصح قواك، وأبقى لك عافيتك.
وأنت -فوق كل هذا- لديك قوتٌ يكفيك يومك، ولم يقل نبينا -صلى الله عليه وسلم- قوت عامه أو عمره، بل قوت يومه فقط، تجد القوت وتطعم منه نفسك وأهلك؛ من نال هذه الثلاث: آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا.
جاء رجل إلى عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: أَنا من فُقَرَاء الْمُهَاجِرين، فَقَالَ: أَلَك مسكن تأوي إِلَيْهِ؟ قَالَ: نعم، فَقَالَ: أَلَك امْرَأَة تسكن إِلَيْهَا؟ قَالَ: نعم، فَقَالَ: أَنْت من الْأَغْنِيَاء. قَالَ الرجل: ولي خَادِم يخدمني، فَقَالَ: أَنْت من الْمُلُوك.
إذا كان لديك بيت يؤويك، ومكان تنام فيه، وطعام في بيتك، ولباس على جسمك، فأنت أغنى من 75% من سكان العالم. فقل الحمد لله.
إذا كان لديك مال في جيبك، واستطعت أن توفر شيئاً منه لوقت الشدة؛ فأنت واحد ممن يشكلون 8% من أغنياء العالم. فقل الحمد لله.
إذا لم تتجرع خطر الحروب، ولم تذق طعم وحدة السجن، ولم تتعرض لروعة التعذيب فأنت أفضل من ملايين على سطح الأرض يعيشون الحرب؛ فقل الحمد لله.
إذا كنت تصلي في المسجد دون خوف من التنكيل أو التعذيب أو الاعتقال أو الموت، فأنت في نعمة لا يعرفها كثير من البشر، فقل الحمد لله.
إذا كنت تسمع الآن بأذنيك ودخلت بيت الله بقدميك، فأنت في نعم فقدها كثيرٌ من الناس، فقل الحمد لله.
إنها دعوة -يا كرام- لأن نتفكر في النعم التي أعطانا المولى وما أكثرها، فكم هم الملوك اليوم وهم يشكون القلة والحاجة، وكم هم الذين يتقلبون في النعم، وهم يظنون أنهم محرمون؛ لأنهم فاتتهم واحدة من النعم التي طلبوها.
اللهم ارزقنا شكر نعمك...
التعليقات