في المحافظة على الفرائض وتجنب المحرمات

صالح بن فوزان الفوزان

2022-10-11 - 1444/03/15
عناصر الخطبة
1/ شرح حديث \" إن الله فرض فرائض\" 2/ الحث على أداء الفرائض واجتناب المحرمات 3/ معنى الحدود وتعامل المسلم معها 4/ الحرص على تقديم الفرض على النافلة
اهداف الخطبة

اقتباس

وكثير من الناس يهتم بالنوافل وهو مضيع للفرائض، فتجده مثلاً يعتمر في رمضان وفي غيره، ويحج متنفلاً وهو لا يصلي الصلوات الخمس، أو يترك الصلاة مع الجماعة، تجده يتبرع بالأموال للمشاريع وهو لا يؤدي الزكاة المشروعة، وكثير من الناس لا يجد في نفسه حرجاً في انتهاك ما حرم الله، وتعدى حدود الله ما دام أن ذلك يوافق هواه ويطابق شهوته، قد اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم ..

 

 

 

الحمد لله رب العالمين، شرع لنا ديناً قويماً، وهدانا صراطاً مستقيماً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وكفى بالله عليماً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، نبي شرح الله له صدره، ورفع ذكره، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمره، وكان فضل الله عليه وعلى أمته عظيماً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وكل من اتبعه وسلم تسليماً.

أما بعد:

عباد الله: اتقوا الله تعالى فإن بين أيديكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا.. بين أيديكم كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. وبين أيديكم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم التي هي تفسير للقرآن وتوضيح له وهي وحي من عند الله، أوحاه إلى نبيه صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى).

وسأسمعكم حديثاً من أحاديثه الكريمة يرسم لكم فيه المنهج السليم، ويرشدكم إلى الصراط المستقيم، فقد روى الدارقطني وغيره عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وحرم أشياءً فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها".

فهذا الحديث من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم وهو أصل كبير من أصول الدين وفروعه حيث قسم أحكام الله إلى أربعة أقسام: فرائض ومحارم وحدود ومسكوت عنه وذلك يجمع أحكام الدين كلها، ولهذا قال بعض العلماء: من عمل بهذا الحديث فقد حاز الثواب وأمن العقاب، لأن من أدى الفرائض واجتنب المحارم ووقف عند الحدود وترك البحث عما غاب عنه فقد استوفى أقسام الفضل وأوفى حقوق الدين.

والمراد بالفرائض ما فرض الله على عباده وألزمهم القيام به كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وأما المحارم فهي حمى الله الذي منع من قربانه وانتهاكه، وهي كل ما نهى عنه وتوعد من ارتكبه، وأما الحدود فيراد بها جميع ما أذن الله في فعله سواء عن طريق الوجوب أو عن طريق الندب أو عن طريق الإباحة. واعتداؤها: تجاوزها إلى ارتكاب ما نهى الله عنه- كما قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا) ويراد بحدود الله أيضاً نس المحرامات التي حرمها –وحينئذ ينهى عن قربانها كما قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا). فالحدود المأذون في فعلها لا تتعدى، والحدود المنهي عنها لا تقرب.

وقد تطلق الحدود ويراد بها العقوبات المقدرة الرادعة عن المحارم فيقال حد الزنا وحد السرقة وحد المسكر، كما قال صلى الله عليه وسلم لأسامة: "أتشفع ف حدَّ من حدود الله" يعني القطع في السرقة، وأما المسكوت عنه فهو ما لم يذكر حكمه بتحليل ولا إيجاب ولا تحريم، فيكون معفواً عنه لا حرج على فاعله.

عباد الله: لقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم نحو كل واحد من هذه الأمور، الأربعة بوصية خاصة، فأوصي بالفرائض أن لا تضيع، وأوصى بالحدود أن لا تتعدوى، وأوصى بالمحرمات أن لا تضيع، وأوصى بما سكت عنه أن لا يبحث عنه، فيجب علينا التزام وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فإنه كثيراً ما يقع الخلل في الدين بسبب إهمال هذه الوصايا النبوية الشريفة.

تجب المحافظة على فرائض الله التي فرضها على عباده بأدائها على وجهها، وفي طليقة ذلك: الصلوات الخمس وأداء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام –قال تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) قد توعد الله من ضيع الصلاة بأشد الوعيد فقال تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً إِلَّا مَنْ تَابَ) والغي واد في جنهم شديد حره، بعيد قعره، ومن ضيع الصلاة فهو لما سواها أضيع قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ).

وكثير من الناس يهتم بالنوافل وهو مضيع للفرائض، فتجده مثلاً يعتمر في رمضان وفي غيره، ويحج متنفلاً وهو لا يصلي الصلوات الخمس، أو يترك الصلاة مع الجماعة، تجده يتبرع بالأموال للمشاريع وهو لا يؤدي الزكاة المشروعة، وكثير من الناس لا يجد في نفسه حرجاً في انتهاك ما حرم الله، وتعدى حدود الله ما دام أن ذلك يوافق هواه ويطابق شهوته، قد اتخذ إلهه هواه، وأضله الله على علم.

فالخير -يا عباد الله- كل الخير في التزام ما شرع الله وترك ما حرم الله، فإن الله لم يوجب على عباده شيئاً إلا هو مصلحة لهم في دينهم ودنياهم، فإذا أضاعوا ما فرض الله عليهم فقد أضاعوا مصلحتهم، ولم يحرم سبحانه شيئاً على عباده إلا فيه مضرتهم في الدنيا والآخرة، فإذا وقعوا فيما حرم الله فقد أوقعوا أنفسهم في الضرر (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) يعلم المصالح والمضار العاجلة والآجلة (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ).

وقد يسكت سبحانه وتعالى عن أشياء رفقاً بعباده فلا يحرمها عليهم حتى يعاقبهم على فعلها، ولم يوجبها عليهم حتى يعاقبهم على تركها –بل جعلها عفواً إذا فعلوها فلا حرج عليهم وإن تركوها فلا حرج عليهم، فهو سكت عنها لحكمة لا نسياناً منه سبحانه وتعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً) فالسؤال عن مثل هذا يكون من التنطع. قالها ثلاثاً" والمتنطّع هو المتعمق البحاث عما لا يعنيه، وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: "إياكم والتنطع، إياكم والتعمق، وعليكم بالتعتيق" يعني ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم.

ويدخل في ذلك البحث في أمور الغيب التي أمرنا بالإيمان بها ولم يبين لنا كيفيتها، فالبحث عنها من التعمق المنهي عنه لأنه يفضي إلى الحيرة والشك، ففي الوقوف عند حدود الله وأداء ما أوجبه وترك ما حرمه سعادة الدنيا والآخرة.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت إذا صليت المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئاً أدخل الجنة؟ قال: نعم" رواه مسلم. فهذا الحديث يدل على أن من قام بالواجبات وترك المحرمات دخل الجنة، وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم -وهو يخطب في حجة الوداع-: "أيها الناس: اتقوا الله، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنة ربكم".

ففعل الواجبات سبب لدخول الجنة، وفعل المحرمات من موانع دخولها، فمن فعل الأسباب وتجنب الموانع استحق دخول الجنة، برحمة الله ووعده الصادق، والإنسان لم يخلق عبثاً ولن يترك سدى، وإنما خلق لعبادة الله ونهي عن معصية الله وأعدت له دار جزاء يصير إليها، إما دار نعيم، أو دار عذاب، فالجنة أعدت للمتقين، والنار أعدت للكافرين، والجزاء من جنس العمل، (وَلا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). (فَأَمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى).

بارك الله لي ولكم.
 

 

 

 

 

 

المرفقات
1095.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life