عناصر الخطبة
1/تسخير الله ملائكته لحماية المؤمنين 2/عظم قوة الملائكة وشدتهم 3/من مواطن صحبة الملائكة للمؤمنين 4/تسخير الله الكون لحماية أوليائه ونصرتهماقتباس
ويسخِّر الله -سبحانه- ملائكته الكرام لحماية المؤمنين، وإحاطتهم بالحرز الرباني، ونحن أحوج ما نكون لتلك الحماية والرعاية والعناية، نهتم بحماية أنفسنا من الأمراض الحسّيّة؛ فلا بد أن نحمي أنفسنا من كيد أعدائنا، من النفس الأمارة بالسوء، وأهل السوء والشرور...
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الحمد لله خلق كل شيء فقدره تقديراً، وجعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، أحمده -سبحانه- وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، المنعم المتفضل على عباده قنطاراً كان أو قطميراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، بعثه بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعيًّا إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان، وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله -تعالى- وخير الهدي هدي نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة؛ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70-71].
نعيش في دنيانا ونحن محفوفون بمخاطر عدة تريد أن تصرفنا عن منهج الله -سبحانه-، من شياطين الإنس والجن، فمن العاصم لنا من الفتن والبلايا والمحن والرزايا والزلل والخطايا؟ إنه الله -سبحانه-، يحمينا ويحصننا؛ (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ)[الزمر: 36-37].
ويسخِّر الله -سبحانه- ملائكته الكرام لحماية المؤمنين، وإحاطتهم بالحرز الرباني، ونحن أحوج ما نكون لتلك الحماية والرعاية والعناية، نهتم بحماية أنفسنا من الأمراض الحسّيّة؛ فلا بد أن نحمي أنفسنا من كيد أعدائنا، من النفس الأمارة بالسوء، وأهل السوء والشرور من الجنة والناس، الذين تفوقوا على إبليس نفسه في كيدهم، فقال قائلهم:
وكنت فتى من جند إبليس فارتقى *** بي الأمر حتى صار إبليس من جندي
وعندما يسخِّر الله -سبحانه- لك ملائكته لحمايتك، فحسبك بقوتهم وعظمتهم وبطشهم بأعدائك؛ فإنهم (غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم: 6]، وقال ملك الجبال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: "لو شئت أطبقت على قريش الأخشبين"، بحركة واحدة يجعل الجبال الشاهقة هباء منثوراً!.
لا شك أن الملائكة تصحب المؤمنين في عباداتهم؛ لأنهم يحبون عبادة الله -سبحانه-، ففي صلاة الجماعة تصلي عليهم من دخولهم المسجد حتى خروجهم منه؛ ففي الصحيحين أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "الملائكةُ تصلي على أحدِكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، ما لم يُحدِث، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه"(صحيح البخاري)
وتصلي الملائكة على المتقدمين في الصلاة، ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصَّفِّ الْأَوَّلِ"(رواه ابن ماجه)، وكلما تقدم المصلي في الصفوف ازداد رجاءُ فضلِ صلاةِ الملائكة عليه؛ ففي حديث الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -رضي الله عنه-، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْمُتَقَدِّمَةِ"(رواه النسائي وصححه الألباني).
ويوم الجمعة يحيطون بالمصلين؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إذا كان يوم الجمعة وقَفَتِ الملائكةُ على باب المسجد؛ يَكْتُبون الأوّلَ فالأوّلَ، ومَثَلُ المُهَجِّر كمثل الذي يُهْدي بَدَنةً، ثم كالذي يُهْدي بقرة، ثم كَبْشا، ثم دَجاجة، ثم بَيضة، فإذا خرج الإمام طَوَوُا صُحُفَهم، ويسْتَمعون الذِّكرَ"(متفق عليه).
وفي الصيام يصلون على المتسحرين، وفي الحج كذلك، ولكنهم -أيضاً- يصحبون المؤمنين في غير أماكن العبادات، فإذا جلس المؤمنون يذكرون الله -ولو في غير المسجد- حضرت الملائكة معهم، تدعو لهم وتحرسهم؛ ففي صحيح مسلم قال -صلى الله عليه وسلم-: "لا يقعد قومٌ يذكرون اللهَ -عز وجل-؛ إلا حفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم اللهُ فيمن عنده"(صحيح مسلم).
وكلما كنت لوحدك وصليت على النبي -صلى الله عليه وسلم- فالملائكة معك، قال حبيبنا -صلى الله عليه وسلم-: "ما مِنْ عبدٍ يُصَلِّي علَيَّ إلَّا صَلَّتْ عليه الملائكةُ، ما دامَ يُصَلِّي علَيَّ، فلْيُقِلَّ العبدُ مِنْ ذلِكَ أوْ لِيُكْثِرْ"(رواه أحمد بسند صحيح).
وإذا حرصت على تعليم الناس الخير، ابتداء من أبنائك وأزواجك وإخوانك والناس جميعاً، فأبشر بمعية الملائكة، ودعائهم لك، يقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ، وَأَهْلَ السَّمَوَاتِ وَالأَرَضِينَ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الحُوتَ؛ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الخَيْرَ".
وإذا زرت أخاك المسلم لله تدخل عليه السرور فأنت مع الملائكة؛ لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أن رجلا زار أخًا له في قرية أخرى، فأرصد اللهُ له على مدْرجته ملَكًا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه مِن نعمة تَرُبُّها؟ -أي تقوم بإصلاحها وتنهض إليه بسبب ذلك- قال: لا، غير أني أحببته في الله -عز وجل-، قال: فإني رسول الله إليك، بأن اللهَ قد أحبَّك كما أحببتَه فيه"(صحيح مسلم).
وإذا مرض أحد المسلمين فزرته كنت في رعاية الملائكة؛ ففي مسند أحمد بسند صحيح عن عليّ -رضي الله عنه- قال: "إذا عاد الرجلُ أخاه المسلم، مشى في خرافة الجنة حتى يجلس، فإذا جلس غمرته الرحمة، فإن كان غدوة صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يُمسي، وإن كان مساء صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح"؛ و"خِرافة الجنة" أي: في اجتناء ثمر الجنة.
وليس في حال اليقظة فقط، بل حتى في نومك تحرسك الملائكة إذا نمت على طهارة، وقرأت المعوذتين وآية الكرسي؛ ففي الحديث الحسن: "من بات طاهرًا بات في شعاره ملك، لا يستيقظ ساعةً من الليل إلا قال الملك: اللهمَّ اغفر لعبدك فلانًا؛ فإنه بات طاهراً"، وقال -صلى الله عليه وسلم-: "إذا أويت إلى فراشك، فاقرأ آية الكرسي: (اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم)، حتى تختم الآية؛ فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنَّك شيطان حتى تُصبح"(رواه البخاري).
الخطبة الثانية:
هذه رحمة الله -سبحانه- بالمؤمنين وحبّه لهم، يرعاهم ويحفظهم ويحرسهم، ليس بالملائكة فقط، بل بكل مخلوقاته؛ (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ)[الأعراف: 196]، سخّر الريح لسليمان، وسخّر البحر والجراد والقمل والضفادع لموسى، وسخّر الحوت ليونس، وسخّر الشمس ليوشع، وسخّر الفيل لقريش، وسخّر الريح في الأحزاب، والتراب والمطر في بدر لمحمد، وهو قادر -سبحانه- أن يسخّر لك خلقه، إذا سخّرت نفسك له.
التعليقات