سورة العصر: فوائد وأحكام

الشيخ د محمد أحمد حسين

2026-02-08 - 1447/08/20
عناصر الخطبة
1/فوائد وعظات من سورة العصر 2/الوصية باغتنام شهر الخيرات والبركات

اقتباس

لا يكفي -أيها الأحبابُ الكرامُ- أن يقول الإنسانُ بلسانِه: "آمنتُ بالله"؛ ثم ينحرف عن مُوجِبات هذا الإيمان، ولا يتقيَّد بمُتطلَّباتِ هذا الدينِ، وهذا الإسلامِ، وهذا القرآنِ؛ فلا بُدَّ أن يقترِنَ الإيمانُ -وهو اليقينُ الجازِمُ باللهِ -تعالى- وبكتُبِه وملائكتِه ورسُلِه واليومِ الآخِر والقضاءِ خيرِه وشرِّه...

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ للهِ؛ نحمدُه ونستعينُه ونستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ مِنْ شُرورِ أنفسِنا ومِنْ سيئاتِ أعمالِنا. مَنْ يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضلِل فلا هاديَ له. وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا وحبيبَنا وشفيَعنا وقُدوتَنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه؛ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه الطاهرينَ، وصحابتِه الغُرِّ الميامينِ، ومَنْ سار على نهجِهم واقتفَى أثرَهم واتَّبَعَ سُنَّتَهم إلى يوم الدين.

 

والصلاة والسلام على الشهداء والمكلومين، والأسرى والمعتقَلِينَ، والراكعينَ الساجدينَ في المسجد الأقصى المبارَك، وفي كل أرضٍ من ديارِ المسلمينَ.

 

وبعدُ، أيها المسلمون، يا أبناءَ بَيْت الْمَقدسِ وأكنافِ بَيْت الْمَقدسِ: يخاطبُ الله عبادَه المؤمنين -لا بل يخاطبُ العالَمَ بأسرِه- بآياتٍ قليلاتٍ في سورةٍ قصيرةٍ من سُوَرِ القرآنِ الكريمِ، فانتبِهوا لهذه الآياتِ الكريماتِ؛ لأنَّها تحملُ دستورًا كاملًا للحياة، وما يُصلِحُ الأحياءَ، يقول -جَلَّ مِنْ قائلٍ-: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)[الْعَصْرِ: 1-3].

 

يا لها مِنْ كلماتٍ بليغةٍ حكيمةٍ! في هذه السورة القصيرة من سور القرآن الكريم، يُقسِمُ اللهُ -تعالى- بالعصر؛ وهو -كما ورَد في كتب التفسير-: صلاةُ العصرِ، أو الزمنُ، أو وقتُ العصرِ، أو العصرُ على امتدادِ الزمانِ والوقتِ، وكلُّه مخلوقٌ للهِ -تعالى-، ولله، وللهِ وحدَه أن يُقسِم بما شاء من خلقِه ومخلوقاتِه؛ بينما العبيدُ لا يحقُّ لهم أن يُقسِموا إلا باللهِ -تعالى-؛ لقولِه -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ كان حالِفًا فليحلِفْ باللهِ أو ليصمُتْ".

 

أيها المسلمون، يا أبناءَ ديارِ الإسراءِ والمعراجِ: قَسَمٌ مِنَ اللهِ -تعالى- بأنَّ الإنسانَ خاسرٌ -أَيْ جنسُ الإنسانِ خاسرٌ- إلَّا مَنْ سلَك سبيلَ اللهِ -تعالى- واتَّبَع منهاجَه: فآمَن بالله، وعمل صالحًا، وتواصَوا بالحق وتواصَوا بالصبر.

 

يا له من منهاجٍ عظيم! يرسمُ حياةَ المسلمينَ في هذه الدنيا، ويضمنُ لهم السعادةَ إذا انتهَجُوا هذا المنهاجَ الكريمَ.

 

"والعصرُ" -بكلِّ هذه المُسمَّياتِ والأسماءِ-؛ يُقسِم اللهُ -تعالى- بأنَّ جنسَ الإنسانِ خاسرٌ؛ فالكافرُ خاسرٌ، والظالمُ خاسرٌ، والمعتدي خاسرٌ، وكلُّ مَنْ تنكَّب جادَّةَ الصوابِ فهو خاسرٌ.

 

ومَنِ الرابحُ إِذَنْ؟ الرابحُ -أيها المؤمنون، أيها المسلمون- هو مَنِ اتَّخَذَ منهاجَ اللهِ طريقًا، واتَّخَذَ دستورَ اللهِ سبيلًا؛ فآمَن بالله وحدَه لا شريكَ له، وعمل صالحًا، وأوصَى نفسَه وغيرَه بالحق، والصبرِ على هذا الحق.

 

بهذه الصفات الكريمة، وبهذا المنهاج العظيم الكريم؛ فاز سلَفُنا الصالحُ -رضوانُ اللهِ عليهم-، فاز صحابةُ رسولِنا الأكرمِ بالعزِّ والنجاةِ في الحياة الدنيا، ونشَرُوا دينَ اللهِ -تعالى-، وجعَلُوا الناسَ يعيشون في ظلالِ عدلِ الإسلامِ وعدالةِ الإيمانِ، لا فرقَ بينَ عربيٍّ وعجميٍّ، ولا أسودَ ولا أبيضَ إلَّا بالتقوى؛ وهي ميزانُ اللهِ -تعالى- في التفاضُل بين العالمين؛ (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)[الْحُجُرَاتِ: 13].

 

أيها المسلمون، يا أبناءَ ديار الإسراء والمعراج: يقول الإمام الشافعي -رضي الله عنه ورحمه الله-: "لو لم يُنزِلِ اللهُ على عبادِه إلَّا هذه السورةَ لكفَتْهُم، وكانت حُجَّةً عليهم".

 

نَعَمْ؛ ثلاثُ آياتٍ كريماتٍ، في سورةٍ من سور القرآن القصار الكريمة، تُلَخِّصُ حياةَ الإنسانِ. وأيُّ إنسانٍ؟ إنَّه الإنسانُ المؤمنُ باللهِ، الذي يعملُ صالحًا؛ الذي يفعلُ الخيرَ ويحضُّ عليه، ويوصِي به ويصبرُ عليه.

 

فلا يكفي -أيها الأحبابُ الكرامُ- أن يقول الإنسانُ بلسانِه: "آمنتُ بالله"؛ ثم ينحرف عن مُوجِبات هذا الإيمان، ولا يتقيَّد بمُتطلَّباتِ هذا الدينِ، وهذا الإسلامِ، وهذا القرآنِ؛ فلا بُدَّ أن يقترِنَ الإيمانُ -وهو اليقينُ الجازِمُ باللهِ -تعالى- وبكتُبِه وملائكتِه ورسُلِه واليومِ الآخِر والقضاءِ خيرِه وشرِّه؛ فهذه أركانُ الإيمانِ؛ ولا بُدَّ مع هذه الأركان من عملٍ صالحٍ؛ (آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)[الْعَصْرِ: 3]، العملُ الصالح وعلى رأسِه: القيامُ بأركان الإسلام؛ من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ. فهذه هي الأركانُ العَمليَّةُ التي لا يصحُّ عملُ الإنسانِ المسلمِ إلا بالتزامِها، والعملِ عليها وتنفيذِها؛ طاعةً واستجابةً لأوامرِ اللهِ -تعالى-.

 

أيُّها المسلمون، يا أبناءَ ديار الإسراء والمعراج: ولعلَّ هذا الدستورَ الكاملَ لحياةِ الأمةِ هو الذي يقودُها إلى الفوز في الدنيا، وإلى النجاة في الآخرة، وهكذا يجب أن يعملَ المؤمنُ في جميعِ أوقاتِه، وفي جميعِ أحوالِه؛ فلا يُمكنُ للمجتمعِ الفاضلِ أَنْ يقومَ بدونِ ركيزةِ الإيمانِ؛ ولابدَّ لهذه الركيزةِ ما يعزِّزُها ويُثبِّتُها ويُقوِّيها ويدعمُها؛ وهو الأعمالُ الصالحةُ -بكل ما اشتمَلَتْ عليه الأعمالُ الصالحةُ من العباداتِ والمعامَلاتِ والأخلاقيَّاتِ، وكلِّ ما مِنْ شأنِه أن يُصلِحَ الحياةَ والأحياءَ-.

 

أيُّها المسلمون، يا أبناءَ ديارِ الإسراءِ والمعراجِ: ممَّا يُؤثَرُ عن صحابةِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- أنَّهم كانوا إذا التَقَوْا في الطرقات -أو واجهَ أحدُهم الآخَرَ- يُسلِّمُ عليه، ويُوصِيه بالصبرِ والحقِّ، وبالإيمانِ والعملِ الصالحِ؛ تحقيقًا وتصديقًا بهذا النصِّ الكريم: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)[الْعَصْرِ: 3].

 

جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قولُه: "كلُّ أُمَّتي يدخلون الجنةَ إلا مَنْ أبَى". قالوا: ومَنْ يأبَى يا رسولَ اللهِ؟ قال: "مَنْ أطَاعَنِي دخَل الجنةَ، ومَنْ عصاني فقد أَبَى" أو كما قال.

 

فيا فوزَ المستغفرين؛ استغفِروا الله، وادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ وحدَه، والصلاةُ والسلامُ على سيِّدنا محمدٍ لا نبيَّ بعدَه. وأشهدُ أَنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ؛ أحبَّ لعبادِه أن يعملوا لدينِهم ودُنياهم حتى يفوزوا بنِعَمِ اللهِ وينالوا رِضوانَه. وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا وحبيبَنا وشفيَعنا محمدًا عبدُ اللهِ ورسولُه؛ صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه أجمعينَ، ومَنْ سار على نهجِهم واتَّبَع أثرَهم إلى يومِ الدينِ.

 

وبعدُ، أيُّها المسلمون: بعدَ أيامٍ قلائلَ يحلُّ على المسلمينَ -في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها- شهرُ رمضانَ المبارَكُ، شهرُ الطاعاتِ، شهرُ التراويحِ والتسابيحِ، شهرُ الصيامِ وشهرُ القيامِ، شهرٌ من قامَه وصامَه غَفَرَ اللهُ له ذنبَه؛ مصداقًا لقولِ رسولِنا الأكرمِ -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذَنبِه"، وفي حديثٍ آخَرَ: "مَنْ قام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم مِنْ ذَنْبِه"؛ فاغتنِموا -أيُّها المسلمون- شهرَ الطاعات، وكونوا على موعدٍ مع الأعمال الصالحة، ومع التواصي بالحق والصبر عليه، والصبر على الطاعات، والصبر على شدِّ الرِّحال إلى المسجد الأقصى المبارَك، في هذا الشهر الفضيل، وفي سائر أيام العام؛ لأنَّ المسجدَ الأقصى المبارَك هو أمانةُ اللهِ في أعناقِنا جميعًا؛ وهو بيتُ اللهِ الذي لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إليه وإلى أخوَيه: المسجدِ الحرامِ، والمسجدِ النبويِّ الشريفِ.

 

فاحرِصوا -أيُّها المسلمون- في هذه الأيام، والأيام المباركة من شهر الصيام؛ أن تُعمِّروا المسجدَ الأقصى بالعبادات والطاعات وتلاوة القرآن الكريم، أرُوا ربَّكم -في هذا الشهر الفضيل- طاعتَكم والتزامَكم وعملَكم الصالحَ، والتواصيَ على الحقِّ، والصبرَ على ما أنتُم فيه من أهوال الحياة ومصائِبِها؛ فالله -سبحانه وتعالى- يجعلُ بعد العُسر يُسِرًّا؛ (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا)[الشَّرْحِ: 4-5].

 

أيُّها المسلمون، يا أبناءَ ديارِ الإسراءِ والمعراجِ: اعملوا وفقَ منهاجِ اللهِ -تعالى-، وتمثَّلوا هذه السورةَ الكريمةَ بآياتِها القليلةِ في حياتِكم، في منامِكم، في إفاقتِكم، في جميعِ أحوالِكم وأعمالِكم؛ فإن الأركانَ التي وردت فيها، والتعاليمَ التي خصَّتها واختصَّتها؛ كافيةٌ للنجاة في الدنيا والآخرة؛ والله -سبحانه وتعالى- لا يضيع مَنْ أحسَن عملًا.

 

اللهمَّ رُدَّنا إليك ردًّا جميلًا، وهيِّئ لنا وللمسلمينَ فرجًا عاجلًا قريبًا، وقائدًا مؤمنًا رحيمًا، يوحِّد صفَّنا، ويجمع شملَنا، وينتصر لنا.

 

اللهمَّ أرِنا الحقَّ حقًّا وارزقنا اتباعَه، وأرِنا الباطلَ باطلًا ووفِّقنا اجتنابَه.

 

اللهمَّ اغفِرْ للمسلمينَ والمسلماتِ، والمؤمنينَ والمؤمناتِ؛ الأحياءِ منهم والأمواتِ، واختِم أعمالَنا بالصالحات.

 

وأنتَ يا مقيمَ الصلاةِ أقِم الصلاةَ.

 

 

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life