زلزال عظيم

تركي بن عبدالله الميمان

2023-02-09 - 1444/07/18
التصنيفات: الأحداث العامة
عناصر الخطبة
1/عظم قدرة الله بالزلازل 2/الحكمة من الزلازل 3/أسباب الزلازل الطبيعية لا تخالف حكمة الله فيها

اقتباس

مَعَنَا هَذَا الْيَوْمَ سَورَةً جَلِيلَةً تَتَكَرَّرُ قِرَاءَتُنَا لَهَا فِي الْجُمْعَةِ وَالْعِيدِ، وَتتَضَمَّنُ مَعَانِيَ نَافِعَةً فِي الْأَحْكَامِ وَالْمَوَاعِظِ، وَلا شَكَّ أَنْ هَذَا نَافِعٌ لَنَا فِي الْحَالِ وَالْمَآلِ...

الخطبة الأولى:

 

إنْ الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102].

 

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ:1].

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71].

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ ونَتُوبُ إِلَيه، مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فاتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوْهُ في السِّرِّ والنَّجْوَى! (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ).

 

عِبَادَ الله: وَلا تَزَالُ نُذُرُ اللهِ تَتَوَالَى عَلَى عِبَادِهِ تَتَجَلَّى في الحَوَادِثِ الكَوْنِيَّةِ، عَبْرَ عَوَاصِفَ مُهْلِكَةٍ، أَوْ فَيَضَانَاتٍ مُغْرِقَةٍ، أو بَرَاكِيْنَ مُحْرِقَةٍ، أَوْ أَمْرَاضٍ مُعْدِيَةٍ.

 

وَآخِرُ تِلْكَ الآيَاتِ والنُّذُر: ذَلِكَ الزِّلْزَالُ الَّذِي ضَرَبَ عَدَدًا مِنَ الدُّوَلِ، وَسَقَطَتْ فِيْهِ المَبَانِي عَلَى رُؤُوْسِ سَاكِنِيْهَا.

 

إِنَّهَا مَشَاهِدُ عَجِيْبَةٌ، وهَزَّةٌ عَنِيْفَةٌ، لِلْقُلُوبِ الغَافِلَةِ؛ حَتَّى تَسْتَيْقِظَ لِلْآخِرَةِ، ذَلِكَ الزِّلْزَالُ العَظِيْم، بِمِقْيَاسِ اللهِ العَظِيم (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ)[الحج:1-1].

 

وَكَثْرَةُ الزَّلازِل مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، قالَ -صلى الله عليه وسلم-: “لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ”(رواه البخاري).

 

وَظُهُوْرُ الزَّلازِلِ تَحْذِيْرٌ مِنَ اللهِ لِأَهْلِ الأَرْضِ، قَالَ -عز وجل-: (وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيْفًا)[الإسراء:59]. قالَ العُلَمَاء: “التَّخْوِيْفُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ: إِنَّمَا يَكُوْنُ عِنْدَ المُجَاهَرَةِ وَالْإِعْلَانِ بِالْمَعَاصِي”.

 

وَتَزَلْزَلَتِ الْمَدِيْنَةُ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ -رضي الله عنه-، حَتَّى اصْطَفَقَتِ السُّرُرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا أَسْرَعَ مَا أَحْدَثْتُمْ؛ لَئِنْ عَادَتْ لَأَخْرُجَنَّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ!”(رواه ابن أبي شيبة).

 

وَالمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الزَّلْزَلَةِ: هَزُّ القُلُوْبِ، وَانْقِيَادُهَا لِعَلَّامِ الغُيُوْبِ، (فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)[الأنعام: 43].

 

قال -صلى الله عليه وسلم-: “هَذِهِ الآيَاتُ الَّتِي يُرْسِلُ اللَّهُ، لاَ تَكُونُ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِهِ وَدُعَائِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ”(رواه البخاري ومسلم).

 

وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ: أَنْ جَعَلَ هَذِهِ الزَّلَازِلَ وَالمِحَن كَفَّارَةٌ لِلْمُؤْمِنِيْنَ! قال -صلى الله عليه وسلم-: “أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا: الْفِتَنُ، وَالزَّلَازِلُ، وَالْقَتْلُ”(رواه أبو داود وصححه الألباني).

 

وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ في الزَّلازِلِ: مَا يَصْطَفِي بِسَبَبِهَا مِنَ الشُّهَدَاءِ! فَفِي الحَدِيْثِ: “الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: الْمَطْعُونُ، وَالْمَبْطُونُ، وَالْغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الْهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ”(رواه البخاري ومسلم). وَصَاحِبُ الْهَدْمِ: هُوَ الَّذِي يَمُوْتُ تَحْتَ الهَدْمِ. قالَ ابْنُ عُثَيْمِيْن: “مَنْ انْهَدَمَ عَلَيْهِ البَيْتُ أَوْ الجِدَارُ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ يَكُوْنُ شَهِيْدًا!”.

 

وَهَذِهِ الزَّلازِلُ المُدَمِّرَةُ جَعَلَهَا اللهُ رَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِيْنَ، وعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِيْنَ، وَعُقُوْبَةً لِلْعَاصِيْن! (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا)[الروم: 41]. قال -صلى الله عليه وسلم-: “إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَنْزَلَ سَطْوَتَهُ بِأَهْلِ نِقْمَتِهِ وَفِيهِمُ الصَّالِحُونَ، فَيُصَابُونَ مَعَهُمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ”(رواه ابن حبان وصححه الألباني).

 

وَالزَّلازِلُ الأَرْضِيَّة نَوْعٌ مِنَ القُدْرَةِ الْإِلَهِيَّةِ؛ لِتَحْذِيْرِ البَشَرِيَّةِ، قالَ -عز وجل- (قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ)[الأنعام: 65]. قالَ المُفَسِّرُوْنَ: “كالخَسْفِ، وَالزَّلْزَلَةِ”.

 

وَهَذِهِ الزَّلازِلُ تَذْكِيْرٌ بِنِعْمَةِ اللهِ في ثَبَاتِ الأَرْضِ، قال -عز وجل-: (اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا)[غافر: 64]؛ أَيْ قَارَّةً ثَابِتَةً، فَلَوْ كَانَتْ تَتَحَرَّكُ بِأَهْلِهَا؛ لَمَا طَابَ عَلَيْهَا الْعَيْشُ وَالحَيَاة، يَقُوْلُ ابْنُ القَيِّم: “تَأَمَّلْ خَلْقَ الأَرْضِ حِيْنَ خَلَقَهَا وَاقِفَةً سَاكِنَةً، يَتَمَكَّنُ النَّاسُ مِنَ السَّعْي عَلَيْهَا فِي مَآرِبِهِمْ وَرَاحَتِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ؛ فَكَيْفَ يَتَهَنَّوْنَ بِالعَيْشِ والأَرْضُ تَرْتَجُّ مِنْ تَحْتَهُم! وَاعْتَبِرْ ذَلِكَ بِمَا يُصِيْبُهُمْ مِنَ الزَّلَازِلِ عَلَى قِلَّةِ مُكْثِهَا؛ كَيفَ تُصَيّرُهُمْ إِلَى تَرْكِ مَنَازِلِهِمْ، وَالهَرَبِ عَنْهَا”.

 

أَقُوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَاسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوْهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيم.

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

 

الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِه، والشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيْقِهِ وَامْتِنَانِه، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلَهَ إِلَّا الله، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوْلُه.

 

عِبَادَ اللهِ: الزَّلازِلُ الأَرْضِيَّةُ: لَهَا أَسْبَابٌ طَبِيْعِيّةٌ، لَا تُعَارِضُ الحِكْمَةَ الرَّبَّانِيَّةَ؛ فَاللهُ هُوَ رَبُّ الأَرْبَابِ، وَمُسَبِّبُ الأَسْبَاب، وَخَالِقُ الطَّبِيْعَةِ وَمُوْجِدُهَا، قالَ ابْنُ بَاز: “كَوْنُ اللهِ جَعَلَ لِلآيَاتِ أَسْبَابًا؛ لَا يَمْنَعُ مِنْ كَوْنِهَا تَخْوِيفًا وَتَحْذِيرًا مِنَ اللهِ”.

 

وَأَصْحَابُ القُلُوبِ الحَيِّةِ، لا تُشْغِلُهُم الأَسْبَابُ المَادِيَّةُ، عَنْ الحِكْمَةِ الإِلَهِيَّةِ. وَأَمَّا أَهْلُ الغَفْلَةِ؛ فَيَنْشَغِلُوْنَ بِالأَسْبَابِ الظَّاهِرَةِ، وَيُعْرِضُونَ عَنْ آيَةِ اللهِ البَاهِرَةِ! قَالَ -جل جلاه-: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ). [الروم: 7]  

 

اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِوَجْهِكَ أَنْ يَحِلَّ بِنَا غَضَبُكَ، أَوْ يَنْزِلَ عَلَيْنَا عَذَابُكَ!

 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلامَ والمُسْلِمِينَ، وأَذِلَّ الشِّرْكَ والمُشْرِكِيْن.

 

اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ المَهْمُوْمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ المَكْرُوْبِين.

 

اللَّهُمَّ آمِنَّا في أَوْطَانِنَا، وأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُوْرِنَا، وَوَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لما تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَاصِيَتِهِمَا لِلْبِرِّ والتَّقْوَى.

 

عِبَادَ الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النَّحْلِ: 90].

 

فَاذْكُرُوا اللهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوْهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت: 45].

المرفقات
storage
storage
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life