عناصر الخطبة
1/ فضائل أهل العلم 2/ حاجة الناس إلى العلماء 3/ لا انفصال بين الشريعة والحياة 4/ دور العلماء في تحقيق وحدة الأمة 5/ وظائف العلماء في المجتمع 6/ دور الأمة في تكوين العلماء الربانيين 7/ العلماء هم حراس العقيدة وحماة الدين.
اهداف الخطبة

اقتباس

إن العلماء هم حراس العقيدة وحماة الدين، العلماء يذودون عن الدين ويردون شبهات المغرضين والطاعنين في الإسلام وتعاليمه ونبيه -صلى الله عليه وسلم- من يهود ونصارى وحداثيين وعلمانيين ومبتدعين وخرافيين، وإن الحرب على الدين كما لا يخفى تتخذ أشكالاً؛ منها الحرب الفكرية التي هي أخطر من الحرب العسكرية؛ لأنها حرب تستل الأبناء من الصفوف وتجنّدهم ضد دينهم وأوطانهم، والجهاد بالقرآن هو الجهاد الدائم الذي لا ينقطع...

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، الحمد لله الذي لا يؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة منه، الحمد لله لا نُحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه وكما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه.

 

أحمده حمدًا كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، وأستعينه استعانة من لا حول له ولا قوة إلا به، وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه، وأستغفره لما قدمت وأخرت استغفار من يقر بعبوديته ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وحبيبه، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، بعثه والناس في جاهلية جهلاء وليلة ظلماء، إما أهل الكتاب الذين بدلوا من أحكامه، وكفروا بالله فافتعلوا كذبا صاغوه بألسنتهم فخلطوه بالحق الذي أنزل إليهم، وإما أهل أوثان وعباد أصنام عبدوا من استحسنوا من نجم ونار ودواب وأحجار.

 

قال تعالى مبينًا فضل الهدى الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- على الناس: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [المائدة:16]، وقال عز وجل: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام:122].

 

ولقد أدى النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمانة وبلَّغ الرسالة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وبه أكمل الدين وتمت النعمة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) [المائدة:3].

 

وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وقال -صلى الله عليه وسلم- في خطبة الوداع: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به فلت تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله تعالى».

 

وبشرنا -صلى الله عليه وسلم- بأن الهدى والخير لن ينقطع عمن طلبه إلى يوم القيامة وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك».

 

وهذه الطائفة هم أهل العلم بكتاب الله -تعالى- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذه الطائفة هم العلماء العالمون بشرع الله -تعالى- الذين أفنوا أعمارهم في فقه الكتاب والسنة، والعاملون بعلمهم على هدى وبصيرة، الداعون إلى الله بالحكمة التي وهبهم الله إياها، إنهم ورثة الأنبياء، و"إن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا، ولكن ورثوا علما فمن أخذ به فقد أخذ بحظ وافر".

 

فمن أراد سلوك منهج الأنبياء فليزم غرز العلماء، ومن أراد الطريق إلى الله فعليه بالعلماء:

 

- فهم أولياء الله، وقد رفع الله -تعالى- من أقدارهم وعظم شأنهم، فقال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة:11].

 

-  وشهد لهم أنهم يخافونه ويهابونه ويخشونه قال -تعالى- : (إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) [فاطر:28].

 

- وأمر سبحانه بطاعتهم واتباعهم، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) [النساء: 59].

 

- وجعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- إكرامهم من تعظيم الله تعالى، قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ، وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ، وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ» (رواه أبو داود).

 

-  وفُضِّل في دين الله -تعالى- العالم على العابد لأسبابٍ؛ منها أن العابد إنما يرجع نفعه لنفسه، وأما العالم فنفعه يتعدى إلى غيره من أهل أمته، بل ويبقى أثره حتى بعد وفاته، ولأجل هذا جاء في الأثر: "إن الله وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على معلمي الناس الخير».

 

أيها المؤمنون: إن العلماء المرشدون إلى طريق الله –تعالى-، وبهم صلاح الدين؛ فإنهم السلسلة الموصلة إلى صاحب الشريعة وهُم حمَلة الدين، وورثة الأنبياء إذ بهم وصل شرع الله -سبحانه وتعالى- إلينا، ولا يستغني عن العلماء إلا مَن استغنى عن الدين، فكما أنه لا يستغني عن المال إلا من استغنى عن الدنيا، فكذلك لا يستغني عن العلماء إلا من استغنى عن الدين.

 

ومثل العلماء كمثل المصابيح التي يُهتدى بها في ظلام الدجى، ومثل الناس في هذه الدنيا ومثل العالم الذي يبيِّن للناس طريق الله -تعالى- وطريق النجاة، كمثل أناس كانوا يسيرون في ليلة شديدة الظلام في وادٍ فيه سباع وهوام، فلا يدري الواحد منهم من أين يؤتى؟ ثم جاءهم من يحمل مصباحًا أضاء لهم الطريق فاتبعوه حتى أخرجهم من هذا الوادي.

 

وقد قال ابن مسعود :"اغدُ عالماً أو متعلماً، ولا تكن الثالث فتهلك"، وفي رواية : "ولا تغدُ إمعة بين ذلك"، وشاهد هذا في قول الله عز وجل : (فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [النحل:43]، فقسم الناس إلى قسمين إلى أهل الذكر ومن يسألونهم، ولا يكون في القسم الثالث الذي لم يذكر إلا من خرج عن طاعة الله -تعالى-، وقال علي -رضي الله عنه-: «الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق».

 

بالعلماء صلاح الدنيا؛ لأنه لا انفصال بين الدين والدنيا، ومنه جاء قول الإمام أحمد: «الناس محتاجون إلى العلم أكثر من حاجتهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يُحتاج إليه في اليوم مرة أو مرتين، والعلم يُحتاج إليه بعدد الأنفاس».

 

فإننا نحتاج إلى العلماء ليس فقط في عباداتنا وعلاقاتنا مع الله -تعالى-، بل نحتاج إليهم في تعاملنا مع بعضنا البعض، كيف نتعامل مع والدينا وكيف نتعامل مع أقاربنا وجيراننا وكيف نربِّي أولادنا، كيف يتعامل الصغير مع الكبير والكبير مع الصغير والحاكم مع المحكوم والمحكوم مع الحاكم.

 

نحتاج إليهم في معاملتنا الأسرية في أحكام الزواج والطلاق وفي معاملتنا المالية في بيعنا وشرائنا، وإجاراتنا وزراعتنا؛ لأن كل ميدان من ميادين الحياة له ارتباط وثيق بالشرع، ولا انفصال بين الشريعة والحياة، وإننا في حياتنا نحتاج إلى التاجر والمزارع والطبيب والمهندس والمدير والحاكم، وكل هؤلاء يحتاجون إلى العلم والعلماء، وإن الناس إذا استغنوا عن العلماء ورثة الأنبياء أو خرجوا عن طاعتهم، لم يفسد دينهم فحسب، بل يفسد دينهم ودنياهم على حد سواء.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على سيد المرسلين والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، أما بعد:

 

أيها المؤمنون: بالعلماء تتحقق وحدة الأمة، إن وحدة الأمة لا تتحقق إلا بالتزام الكتاب والسنة (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: 103]، والعلماء هم خير من يبيِّن هذا الحبل المتين، وإن من وظائف العلماء: النصيحة للمخطئين، وإرشاد الضالين، والإصلاح بين المتخاصمين والمختلفين، فإذا كانت مكانة العلماء محفوظة في الأمة ومنزلتهم معلومة عند عموم الناس؛ فإن الأمة تجتمع عليهم ولا تتفرق.

 

 فإذا حدثت الفتن والاختلافات وجد الناس الحكَم الذي يثقون فيه ويرضون بحكمه؛ كما قال تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء:59]، وقال عز وجل: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً) [النساء:83]، وإذا حدث أن انحرفت طائفة عنهم اعتبرت عند عموم الناس طائفة شاذة ونُبِذَت وهُجِرَت.

 

أما إذا أهملت الأمة تكوين العلماء الربانيين، أو استهانت بهم وهمَّشتهم وقدحت في صدقهم، وشكَّكت في علمهم وأمانتهم ولم تنزلهم المنزلة اللائقة بهم، فإنه إذا جاءت الفتن لم تجد إلا من يؤججها ويزيد الأمة بلاء على بلاء.

 

أيها الناس: إن العلماء هم حراس العقيدة وحماة الدين، العلماء يذودون عن الدين ويردون شبهات المغرضين والطاعنين في الإسلام وتعاليمه ونبيه -صلى الله عليه وسلم- من يهود ونصارى وحداثيين وعلمانيين ومبتدعين وخرافيين، وإن الحرب على الدين كما لا يخفى تتخذ أشكالاً؛ منها الحرب الفكرية التي هي أخطر من الحرب العسكرية؛ لأنها حرب تستل الأبناء من الصفوف وتجنّدهم ضد دينهم وأوطانهم، والجهاد بالقرآن هو الجهاد الدائم الذي لا ينقطع، وقد قال -تعالى-: (فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) [الفرقان:52]، في إشارة إلى القرآن الكريم.

 

 وإنما يتأهل لهذا الجهاد حمَلَة القرآن الكريم والعلماء بمعانيه وبمعاني السنة النبوية التي هي تفسيره وبيانه.

 

وإذا قام الجهاد العسكري كان للعلماء الدور الأكبر في تعبئة الجماهير وفي تثبيت القادة والجنود، وهذا الأمر معروف في تاريخ أمتنا المجيدة ووطننا الحبيب.

 

إن العلماء حماة المجتمع من الآفات الاجتماعية، وإن كثرة العلماء وانتشار علمهم ووعظهم وتذكيرهم يخفف من آثار الآفات الاجتماعية والانحرافات الخُلقية إن لم يقضَ عليها، لأن العلم يذهب الجهل والجهل مصدر كل الآفات الاجتماعية، بالعلماء ينطق الكتاب والسنة في الناس واعظًا ومرشدًا وهاديًا، ويكون للدين سلطان على النفوس، والعلماء يحاربون هذه الآفات بالكلمة الطيبة والنصيحة الصادقة إذ هم أول من يمتثل قول المولى -عز وجل-: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت:33]، وقوله: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل:125].

 

فإذا كان للعلماء دور فعَّال في المجتمع قلَّت الظواهر المرَضية التي تشتكي منها المجتمعات؛ كالخمر والمخدرات، والسرقة والزنا، والرشوة والغش، والقتل والنهب، وقطع الطريق، وغير ذلك من الأمراض التي لا شفاء لها إلا في كتاب الله -تعالى- الذي يهدي للتي هي أقوم، ولا ينقل هذا الشفاء إلى الناس إلا العلماء الربانيون.

 

فإذا أردنا الصلاح لأنفسنا وأمتنا فلنقترب من أهل العلم الأحياء ولنقتبس من نورهم، ولنعظم العلماء الأحياء والأموات، ولنقتدي بسيرهم ولنخلد آثارهم، ولنقطع ألسنة من يخوض في أعراضهم ويطعن فيهم وينبش قبور الأموات منهم، ويسعى لقطع الأمة عنهم، ليقطعها عن أصولها ودينها، وإن هؤلاء الطاعنين في العلماء قطاع طريق الحق على الناس ومانعوا نور الهداية عنهم.

 

نسأل الله الهداية لنا ولهم، اللهم اهدنا واهد بنا واجعلنا هداة مهتدين، (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر:10]، اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

 

المرفقات
دور العلماء في الأمة.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life