دور التربية في التغيير الثقافي

ملتقى الخطباء - الفريق العلمي

2022-10-11 - 1444/03/15
عناصر الخطبة
1/أهمية التربية الإسلامية في التغيير الثقافي 2/ثقافة الأبناء بين الواقع والمأمول 3/المصادر الآمنة لتثقيف الأبناء ووسائل اكتسابها4/منافع التربية الثقافية وآثارها 5/خطر إهمال التربية الثقافية على الأبناء 6/واجب الآباء والمربين نحو تثقيف أبنائهم

اقتباس

إِنْ نَقَاءَ التَّرْبِيَةِ الثَّقَافِيَّةِ يَنْعَكِسُ عَلَى الْأَبْنَاءِ بِمَنَافِعَ وَآثَارٍ طَيِّبَةٍ؛ فَيَنْشَأُ الِابْنُ سَلِيمَ الْمُعْتَقَدِ، يَحْمِلُ أَفْكَارًا نَبِيلَةً، وَتَصَوُّرَاتٍ سَلِيمَةً، وَيَسْلُكُ سُلُوكِيَّاتٍ حَمِيدَةً، فَلَا يَنْطِقُ إِلَّا طَيِّبًا، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي مُخْتَلِفِ الْمَوَاقِفِ إِلَّا بِطَرِيقَةٍ صَحِيحَةٍ، وَيَتَّخِذُ قُدْوَاتٍ نَافِعَةً فِي أُسْرَتِهِ وَمَدْرَسَتِهِ...

الخطبة الأولى:

 

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النِّسَاءِ: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 70-71]، أَمَّا بَعْدُ:

 

مَعْشَرَ الْمُؤْمِنِينَ: يَمْتَازُ الْمُسْلِمُ بِاتِّسَاعِ الْأُفُقِ وَالْإِحَاطَةِ بِالثَّقَافَةِ الْعَامَّةِ، وَفَهْمِ الْوَاقِعِ بِصُورَةٍ تُؤَهِّلُهُ لِلتَّعَامُلِ الصَّحِيحِ مَعَ الْمُتَغَيِّرَاتِ الْعَصْرِيَّةِ وَفَهْمِ طِبَاعِ الْبَشَرِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّصَرُّفِ بِصُورَةٍ صَحِيحَةٍ فِي الْمَوَاقِفِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَصِيرًا بِوَاقِعِهِ حَتَّى بِأَبْسَطِ الْأُمُورِ الَّتِي قَدْ تَخْفَى عَلَى الْبَعْضِ، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَجْنِي الْكَبَاثَ (هُوَ النَّضِيجُ مِنْ ثَمَرِ الْأَرَاكِ)، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ أَطْيَبُهُ". قَالُوا: أَكُنْتَ تَرْعَى الْغَنَمَ؟ قَالَ: "وَهَلْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ رَعَاهَا؟!"(رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).

 

وَعَلَى الْجَانِبِ الْعَامِّ كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَصِيرًا بِوَاقِعِ الْمُجْتَمَعَاتِ، فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَذَى بِأَصْحَابِهِ أَشَارَ عَلَيْهِمْ أَمْرًا فِيهِ تَخْفِيفٌ عَنْهُمْ؛ وَهُوَ الْهِجْرَةُ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى سِعَةِ بَصِيرَتِهِ وَكَثِيرِ عِلْمِهِ وَغَزِيرِ ثَقَافَتِهِ، فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَلِكًا لَا يُظْلَمُ أَحَدٌ عِنْدَهُ، فَالْحَقُوا بِبِلَادِهِ حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ"(السِّلْسِلَةُ الصَّحِيحَةُ).

 

وَتَزْدَادُ أَهَمِّيَّةُ التَّرْبِيَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فِي التَّغَيُّرِ الثَّقَافِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ تَرْبِيَةَ الْأَبْنَاءِ لَيْسَتْ مُقْتَصِرَةً عَلَى إِطْعَامِهِمْ وَكُسْوَتِهِمْ وَتَعْلِيمِهِمْ فَقَطْ، بَلْ يَشْمَلُ -أَيْضًا- تَوْجِيهَ بَوْصَلَتِهِمُ الثَّقَافِيَّةِ نَحْوَ الْمَصَادِرِ النَّقِيَّةِ الَّتِي تَصُوغُ تَوَجُّهَاتِهِمُ الصِّيَاغَةَ الصَّحِيحَةَ، وَتُوَسِّعُ مَدَارِكَهُمُ الْمَعْرِفِيَّةَ بِصُورَةٍ صَحِيحَةٍ مَقْبُولَةٍ شَرْعًا وَعُرْفًا.

 

عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- بِوِقَايَةِ الْأَبْنَاءِ، وَالْحِرْصِ عَلَى سَلَامَتِهِمْ مِنْ كُلِّ مَا يَضُرُّهُمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، فَقَالَ -جَلَّ وَعَلَا-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) [التَّحْرِيمِ: 6]، وَلِذَا يَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ وِقَايَةُ أَبْنَائِهِمْ مِنْ مَضَارِّ الثَّقَافَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ، وَالْأَفْكَارِ الضَّالَّةِ، وَالْحَدُّ مِنْ تَأْثِيرِهَا الضَّارِّ عَلَيْهِمْ.

 

إِنَّ الْأَبْنَاءَ صَفْحَةٌ بَيْضَاءُ، وَأَذْهَانُهُمْ خَالِيَةٌ تَكْتَسِبُ مَا يُغْرَسُ فِيهَا مِنَ الْبِيئَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْأُسْرَةِ الْمُحِيطَةِ، سَوَاءٌ كَانَ مَا تَكْتَسِبُهُ خَيْرًا أَمْ شَرًّا، وَلِذَا فَإِنَّ عَلَى الْآبَاءِ فِي ذَلِكَ مَسْؤُولِيَّةً كَبِيرَةً، فِي مَلْءِ فَرَاغِ أَذْهَانِ أَبْنَائِهِمْ بِكُلِّ خَيْرٍ وَطَيِّبٍ نَافِعٍ لَهُمْ، وَتَجْنِيبَهُمْ مَرْذُولَ الْأَفْكَارِ وَسَيِّئَ الِانْطِبَاعَاتِ وَالثَّقَافَاتِ؛ وَلِذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتِجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ؟!"(صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ)، وَهَذَا يَشْمَلُ التَّوْجِيهَ وَالرِّعَايَةَ التَّثْقِيفِيَّةَ لَهُمْ، وَأَنْ يَحْجُبُوا عَنْهُمْ مَا يَضُرُّهُمْ.

 

وَالْمُتَأَمِّلُ فِي ثَقَافَةِ الْأَبْنَاءِ بَيْنَ الْوَاقِعِ وَالْمَأْمُولِ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ- يَجِدُ الْبَوْنَ شَاسِعًا؛ فَهُنَاكَ تَغَوُّلٌ ثَقَافِيٌّ فِي جَوَانِبَ تَضُرُّ الْأَبْنَاءَ وَلَا تَنْفَعُهُمْ؛ وَهُنَاكَ انْكِبَابٌ عَلَى مُتَابَعَةِ أَحْدَثِ الْمُوضَاتِ وَأَخْبَارِ الْمُطْرِبِينَ وَالْمُمَثِّلِينَ وَاللَّاعِبِينَ، وَالْقَنَوَاتِ الَّتِي تَبُثُّ السُّمُومَ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى انْتِشَارِ الْكُتُبِ وَالْمَجَلَّاتِ الَّتِي تَحْوِي الْغَثَّ وَالْهَزِيلَ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْمَاجِنَةِ، وَالْقِصَصِ سَيِّئَةِ الْأَثَرِ، فَضْلًا عَنْ سَيْلٍ مُنْهَمِرٍ مِنَ الْأَفْلَامِ الَّتِي تَهْدِفُ لِتَمْيِيعِ عَقَائِدِ الْجِيلِ الْمُسْلِمِ وَتَغْيِيرِ ثَقَافَتِهِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَتَبْدِيلِ عَادَاتِهِ وَقِيَمِهِ وَمُثُلِهِ إِلَى ثَقَافَاتٍ غَرْبِيَّةٍ بَعِيدَةٍ عَنِ الدِّينِ وَالْعُرْفِ؛ حَيْثُ تَدْعُوهُمْ إِلَى التَّحَرُّرِ مِنَ الِالْتِزَامِ بِشَعَائِرِ الدِّينِ تَحْتَ مَفَاهِيمَ بَرَّاقَةٍ؛ كَالتَّخَلُّصِ مِنْ رِبْقَةِ الْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ.

 

كَمَا يَنْتِجُ عَنْ ذَلِكَ هَجْرُ الصَّلَاةِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالتَّخَلُّقُ بِالْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ وَالتَّعَلُّقُ بِأَصْدِقَاءِ السُّوءِ، وَسُوءُ السُّلُوكِ، وَالِانْحِرَافُ الْأَخْلَاقِيُّ.

 

وَالْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَتَدَارَكَ أَبْنَاءَنَا، وَنَعْمَلَ عَلَى تَثْقِيفِهِمُ الثَّقَافَةَ النَّافِعَةَ، وَتَحْجِيمَ الْمَصَادِرِ الضَّارَّةِ، وَالْحَدَّ مِنْ تَأْثِيرِهَا عَلَيْهِمْ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: وَمِنْ تَيْسِيرِ اللَّهِ عَلَى الْآبَاءِ أَنْ يَسَّرَ الْمَصَادِرَ الْآمِنَةَ لِتَثْقِيفِ الْأَبْنَاءِ؛ فَهُنَاكَ بَرَامِجُ كَثِيرَةٌ وَمُتَنَوِّعَةٌ وَمُتَجَدِّدَةٌ تُهَذِّبُ ثَقَافَاتِ الْأَبْنَاءِ وَتُرْشِدُ أَفْكَارَهُمْ، وَتُعَلِّمُهُمُ الثَّقَافَاتِ الدِّينِيَّةَ وَالْقَوَاعِدَ الْأَخْلَاقِيَّةَ الْمُلَائِمَةَ، كَمَا تُوجَدُ مَوَاقِعُ إِلِكْتِرُونِيَّةٌ هَادِفَةٌ وَقَنَوَاتٌ تِلِيفِزْيُونِيَّةٌ مُحَافِظَةٌ، فَضْلًا عَنْ تَطْبِيقَاتٍ إِلِكْتِرُونِيَّةٍ تَحْمِلُ رِسَالَاتٍ سَامِيَةً، وَتَنْشُرُ الْخَيْرَ وَالْفَضِيلَةَ، وَتُقَوِّمُ سُلُوكَهُمْ، وَتَأْخُذُ بِأَيْدِيهِمْ إِلَى الْهُدَى وَالرَّشَادِ.

 

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنْ نَقَاءَ التَّرْبِيَةِ الثَّقَافِيَّةِ يَنْعَكِسُ عَلَى الْأَبْنَاءِ بِمَنَافِعَ وَآثَارٍ طَيِّبَةٍ؛ فَيَنْشَأُ الِابْنُ سَلِيمَ الْمُعْتَقَدِ، يَحْمِلُ أَفْكَارًا نَبِيلَةً، وَتَصَوُّرَاتٍ سَلِيمَةً، وَيَسْلُكُ سُلُوكِيَّاتٍ حَمِيدَةً، فَلَا يَنْطِقُ إِلَّا طَيِّبًا، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي مُخْتَلِفِ الْمَوَاقِفِ إِلَّا بِطَرِيقَةٍ صَحِيحَةٍ، وَيَتَّخِذُ قُدْوَاتٍ نَافِعَةً فِي أُسْرَتِهِ وَمَدْرَسَتِهِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: يَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ وَالْمُرَبِّينَ الْحِرْصُ التَّامُّ وَالْعَمَلُ الدَّؤُوبُ مِنْ أَجْلِ تَثْقِيفِ أَبْنَائِهِمْ؛ مِنْ خِلَالِ غَرْسِ مَبَادِئِ الْعَقِيدَةِ الصَّحِيحَةِ، وَتَبْصِيرِهِمْ بِنِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَحَثِّهِمْ عَلَى التَّأَمُّلِ فِي عَجَائِبِ قُدْرَتِهِ وَإِبْدَاعِهِ فِي خَلْقِهِ. مَعَ تَعْلِيمِهِمْ مَبَادِئَ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ، وَتَبْصِيرِهِمْ بِمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ وَالْأَخْلَاقِ وَحَثِّهِمْ وَإِثْرَاءِ أَفْكَارِهِمْ بِقُطُوفٍ مِنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَسِيَرِ الْأَئِمَّةِ وَالصَّالِحِينَ مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، كُلُّ هَذَا بِمَا يَتَوَاءَمُ مَعَ قُدُرَاتِهِمُ الذِّهْنِيَّةِ وَمَدَارِكِهِمُ الْعَقْلِيَّةِ.

 

كَمَا يَجِبُ عَلَى الْآبَاءِ أَيْضًا: تَوْعِيَةُ الْأَبْنَاءِ وَتَثْقِيفُهُمْ بِمَا يَدُورُ حَوْلَهُمْ مِنْ أَحْدَاثٍ وَوَقَائِعَ، وَتَبْصِيرِهِمْ بِالسُّلُوكِيَّاتِ الْمَقْبُولَةِ، وَطُرُقِ التَّعَامُلِ مَعَ الْآخَرِينَ، وَتَعْلِيمِهِمُ الْعُلُومَ الدُّنْيَوِيَّةَ الضَّرُورِيَّةَ لِخِدْمَةِ مُجْتَمَعِهِمْ وَأُمَّتِهِمْ، فَإِنَّ الْعُلُومَ الْعَصْرِيَّةَ الْيَوْمَ تُعْتَبَرُ مِنْ صُلْبِ الثَّقَافَةِ الْمُفِيدَةِ؛ لِأَنَّهَا أَصْبَحَتْ مِنْ مَطَالِبِ الشَّرِيعَةِ، لِضَمَانِ اسْتِقْلَالِيَّةِ الْأُمَّةِ وَعَدَمِ تَبَعِيَّتِهَا لِغَيْرِهَا.

 

أَيُّهَا الْمُرَبُّونَ: عَلَيْنَا أَنْ نَعِيَ جَيِّدًا أَنَّ مَرْحَلَةَ الطُّفُولَةِ فَتْرَةُ صَفَاءِ ذِهْنِ الطِّفْلِ وَخُلُوِّ فِكْرِهِ مِنَ الْمُوَجِّهَاتِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نَحْرِصَ عَلَى تَوْجِيهِ الطِّفْلِ لِتَعَلُّمِ دِينِهِ وَتَثْقِيفِهِ الثَّقَافَةَ النَّافِعَةَ بِحَسْبِ عُمْرِهِ وَطَاقَتِهِ، وَعَلَيْنَا أَنْ نَحْذَرَ مِنْ تَضْيِيعِ هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ الَّتِي تَتَوَقَّدُ فِيهَا مَلَكَاتُ الْحِفْظِ فِي حَشْوِ أَذْهَانِ الْأَطْفَالِ بِكُلِّ غَثٍّ وَتَافِهٍ؛ فَيَجِبُ اسْتِغْلَالُ قُدُرَاتِ الْحِفْظِ عِنْدَ الطِّفْلِ أَفْضَلَ اسْتِغْلَالٍ.

 

وَبَعْدَ كُلِّ هَذَا لَا يَنْبَغِي لِلْآبَاءِ أَنْ يَتَوَقَّفُوا عَنِ الدُّعَاءِ لِأَبْنَائِهِمْ بِالْهِدَايَةِ وَالرَّشَادِ، نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُرَبِّيَ لَنَا أَبْنَاءَنَا وَيَحْفَظَهُمْ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَسُوءٍ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى الْبَشِيرِ النَّذِيرِ، وَالسِّرَاجِ الْمُنِيرِ؛ حَيْثُ أَمَرَكُمْ بِذَلِكَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ؛ فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَاخْذُلْ أَعْدَاءَكَ أَعْدَاءَ الدِّينِ.

 

اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، وَأَصْلِحْ أَئِمَّتَنَا وَوُلَاةَ أُمُورِنَا، وَارْزُقْهُمُ الْبِطَانَةَ الصَّالِحَةَ النَّاصِحَةَ.

 

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاجْمَعْ عَلَى الْحَقِّ كَلِمَتَهُمْ.

 

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا وَوَالِدِينَا عَذَابَ الْقَبْرِ وَالنَّارِ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ؛ فَاذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.

المرفقات
emhx7UFciAJQNefpWrah5RFseY9SfO2MquuiHy1e.doc
JHh3uPjxUz5o9nUXrXnPRjcGxw0WyR7VggLmv3KR.pdf
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life