دعوة الوالد

محمد بن عبدالله السحيم

2022-10-10 - 1444/03/14
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/تربية الأولاد أمانة في أعناق الآباء 2/استجابة دعوة الوالد لولده ومنهج الأنبياء -عليهم السلام- في الدعاء لأولادهم 3/ثمرات دعاء الوالد لولده 4/قصص في سرعة إجابة دعاء الآباء على الأبناء

اقتباس

أيها المسلمون: إن الدعاء للأولاد عمادٌ رئيس في منهج الأنبياء -عليهم السلام- في تربية أولادهم، فقد دَعَوَا بصلاح الولد وطيبه وولايته، ورضاه قبل أن يلد لهما الولد، ثم سار على خطى الأنبياء في اتخاذ الدعاء عدةَ التربية عبادُ الرحمن، وسبل الصلاح التي كان الأنبياء يدعون بها لأولادهم دائرة بين...

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله خالق الوالد والولد، منَّ على مَن شاء بالتوفيق والسَّنَد، وأضل من شاء، فباء بالخسار والنكد، وأشهد أن لا إله إلا الله الأحد الصمد، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وصحبه ذوي اليُمْن والسَّعَد.

 

أما بعد: فيا أيها المؤمنون: إن أمانة تربية الأولاد من مشاقِّ الأمانات وكبدها التي كلَّف الله بها الوالدَيْن، وعنها يكون سؤالهم يوم الحساب، وقد ازدادت تلك الأمانة في هذا الزمن رهقًا على رهقها، بما انفتح من فتن الدنيا، وتيسَّر من أسباب المآثم، وذلك مما يحتم التذكير والتواصي بأعظم سببٍ يُرجى أن يصلح الله به الولد؛ ذكرًا كان أم أنثى، وذلكم السبب مما يملكه كل والد أبًا كان أو أمًّا، ذلكم هو دعاء الوالد لولده، إن تلك الدعوة رحمة رحِم الله بها الوالد والولد حين جعلها مجابة، لا يعتري إجابتَها شكٌّ؛ يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة الوالد، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم"(رواه أبو داود وحسَّنه الألباني) قال مجاهد: "دعوة الوالد لا تحجب دون الله -عز وجل-".

 

والسر في استجابة تلك الدعوة - كما قال أهل العلم - ما قام في الوالد من صدق الطلب، وتبرؤٍ من الحول، وحسن ظن بالله، ورِقَّة القلب، وانكسار الخاطر، وشفقة ورحمة، والراحمون يرحمهم الله -عز وجل-.

 

أيها المسلمون: إن الدعاء للأولاد عمادٌ رئيس في منهج الأنبياء -عليهم السلام- في تربية أولادهم، هذا خليل الله إبراهيم ونبيه زكريا -عليهما الصلاة والسلام- دَعَوَا بصلاح الولد، وطيبه، وولايته، ورضاه قبل أن يلد لهما الولد، وكانا شيخين كبيرين وزوجتاهما عقيمين، دعا إبراهيم: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)[الصافات: 100]، ودعا زكريا: (رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)[آل عمران: 38]، (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)[مريم: 4-6].

 

وقد سار على خطى الأنبياء في اتخاذ الدعاء عدةَ التربية عبادُ الرحمن، فقد غدا هذا الدعاءُ شعارًا لهم: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)[الفرقان: 74].

 

وشكا أبو معشر ابنه إلى طلحة بن مصرف، فقال: استعن عليه بهذه الآية: (رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي)[الأحقاف: 15].

 

وسبل الصلاح التي كان الأنبياء يدعون بها لأولادهم دائرة بين تحقيق التوحيد، والسلامة من الشرك، وإقامة الصلاة، وطلب البركة، وتعويذهم من الشر والأشرار؛ كما قال إبراهيم عليه السلام: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)[إبراهيم: 35]، وقال: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي)[إبراهيم: 40].

 

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يدعو بهذا الدعاء: "اللهم بارك لنا في أسماعنا وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا وذرياتنا"(رواه أبو داود وصححه الألباني)، وكان يعوذ الحسن والحسين، ويقول: "إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق: أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة"(رواه البخاري).

 

عباد الله: وأرجى ما تكون إجابة دعوة الوالد إن كان ذلك الوالد مسارعًا للخير، ومازجًا بين دعاء الرغبة والرهبة، وملازمًا التواضع؛ كما قال الله -تعالى- عن نبيه زكريا -عليه السلام-: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ)[الأنبياء: 90].

 

وتَقْوَى تلك الإجابة إن جمع مع دعائه لذريته دعاءه لوالديه؛ كما قال تعالى: (قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا)[الأحقاف: 15-16].

 

إن دعاء الوالد من أعظم التوفيق الرباني للولد، قال حزم بن مهران: "سمعت رجلًا سأل الحسن البصري، فقال: يا أبا سعيد ما تقول في دعاء الوالد لولده؟ قال: نجاة"، وقال بيده هكذا -كأنه يرفع شيئًا من الأرض- قال: "فما دعاؤه عليه؟ قال: استئصال"، وقال بيده -كأنه يخفض شيئًا- وقال الغزالي: "دعاء الوالد أعظم ذخرًا وعدةً في الدنيا والآخرة".

 

وطالما كان ذلك الدعاء سببًا في صلاح الولد، كان للفضيل بن عياض ابن اسمه علي، وكان يدعو له قائلًا: "اللهم إني اجتهدت أن أؤدب عليًّا، فلم أقدر على تأديبه، فأدِّبه أنت لي"، فاستجاب الله دعاءه، وأصلح ابنه، ومات علي باكيًا وهو يستمع القرآن.

 

ولفِقدان هذا الدعاء كان حزن الأولاد الموفقين على فقْد والديهم، لما ماتت أم إياس بن معاوية بكى، فقيل: ما يبكيك، يا أبا واثلة؟ قال: كان لي بابان مفتوحان من الجنة، فأغلق أحدهما.

 

والله ما أسفي إلا لواحدة **** ألا أكونَ تقدمتُ المنونَ أبي

فكان يؤجر في ثكلي وينفعني *** دعاؤه ودعاءُ الوالد الحدبِ

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله...\

أما بعد: فاعلموا أن أحسن الحديث كتاب الله.

 

أيها المؤمنون: لئن كان دعاء الوالد لولده من أعظم المغانم، فإن دعاءه عليه من أشد المغارم، وذلك أن دعوة الوالد على ولده إن كانت بحق، فهي دعوة خطيرة مجابة، كما أجاب الله دعوة أم جريج العابد حين لم يجب نداءها انشغالًا بصلاته، فدعت عليه بأن لا يموت حتى يرى وجوه المومسات، فكان ما دعت به؛ كما جاء ذلك في الصحيحين يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: "لا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يُسأل فيها عطاءً، فيستجيب لكم"(رواه مسلم).

 

رُوي أن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- قال: "بينا أنا أطوف مع أبي حول البيت في ليلة ظلماء، وقد رقدت العيون وهدأت الأصوات؛ إذ سمع أبي هاتفًا يهتف بصوت حزين شجي، وهو يقول:

 

يا من يجيب دعا المضطر في الظلم *** يا كاشف الضر والبلوى مع السقم

قد نام وفدك حول البيت وانتبهوا *** وأنت عينك يا قيوم لم تنم

هب لي بجودك فضل العفو عن جرمي *** يا من إليه أشار الخلق في الحرم

إن كان عفوك لا يدركه ذو سرف *** فمن يجود على العاصين بالكرم

 

فقال أبي: يا بني أما تسمع صوت النادب لذنبه المستقيل لربه؟ الْحقه فلعل أن تأتيني به، فخرجت أسعى حول البيت أطلبه فلم أجده حتى انتهيت إلى المقام، وإذا هو قائم يصلي، فقلت: أجب ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأوجز في صلاته واتبعني، فأتيت أبي فقلت: هذا الرجل يا أبت، فقال له أبي: ما شأنك وما قصتك؟ قال: وما قصة من أسلمته ذنوبه، وأوبقته عيوبه، فهو مرتطم في بحر الخطايا، فقال له أبي: عليَّ ذلك فاشرح لي خبرك، قال: كنت شابًّا على اللهو والطرب لا أُفيق عنه، وكان لي والد يعظني كثيرًا ويقول: يا بني احذَر هفوات الشباب وعثراته، فإن لله سطوات ونقمات ما هي من الظالمين ببعيد، وكان إذا ألح عليَّ بالموعظة ألححتُ عليه بالضرب، فلما كان يوم من الأيام ألح عليَّ بالموعظة، فأوجعتُه ضربًا، فحلف بالله مجتهدًا ليأتين بيت الله الحرام، فيتعلق بأستار الكعبة ويدعو عليَّ، فخرج حتى انتهى إلى البيت، فتعلق بأستار الكعبة، وأنشأ يقول:

 

يا من إليه أتى الحجاج قد قطعوا *** عرض المهامه من قرب ومن بُعُدِ

إني أتيتك يا من لا يخيب من *** يدعوه مبتهلًا بالواحد الصمد

هذا منازل لا يرتد عن عققي *** فخُذ بحقي يا رحمان من ولدي

وشل منه بحول منك جانبه *** يا من تقدَّس لم يولد ولم يلد

 

قال: فوالله ما استتم كلامه حتى نزل بي ما ترى، ثم كشف عن شقه الأيمن فإذا هو يابس، قال الحسن: وكان أبي يقول لنا: احذروا دعاء الوالدين، فإن في دعائهما النماء والانجبار والاستئصال والبوار".

 

وذُكر أن الأديب جار الله الزمخشري سُئل عن سبب قطع رجله، فقال: دعاء الوالدة، وذلك أني أمسكت عصفورًا وأنا صبي صغير، وربطت برجله خيطًا، فأفلت من يدي، ودخل خرقًا، فجذبته، فانقطعت رجله، فتألَّمتْ له والدتي، وقالت: قطع الله رجلك كما قطعت رجله، فلما رحلت إلى بخارى في طلب العلم سقطت عن الدابة في أثناء الطريق، فانكسرت رجلي، وأصابني من الألم ما أوجب قطعها.

 

هذا وإن من رحمة الله بالوالد والولد أن لا يجيب دعاءه على ولده إن غلب عليه الغضب ولم يقصد الدعاء؛ كما قال الله -تعالى-: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ)[يونس: 11]، قال ابن القيم: "قال بعض السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله في حال الغضب، ولو استجابه الله -تعالى- لأهلكه، وأهلك من يدعو عليه، ولكنه لا يستجيبه لعلمه أن الداعي لم يقصده".

المرفقات
lgHaXJuHxl83WTxrNpZrM4PWpENUsk6XFh5rfmQR.pdf
L5cqaxZExCZLte4BA2nzjlY0qVEmNUDCPuYLuFVc.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life