عناصر الخطبة
1/ أهمية الفكر ووجوب حمايته من الضلال 2/ حرص الأنبياء على حماية فكر أتباعهم 3/ ضلالات فكرية عبر الإنترنت باسم الحرية الفكرية 4/ كيف نحمي أفكارنا؟ 5/ الهدي النبوي الكريم في حماية أفكار الصحابة 6/ الهروب من الدين يوقع في مصايد الشيطان
اهداف الخطبة

اقتباس

والفكر هو الذي يحكم على قرارات الناس، وبالتالي هو الذي يؤدي إلى تصرفاتهم، والذي يسُوقهم إلى أفعالهم؛ لذا، فمَن حَمَى الفكر حمى الناس من الموت والقتل، ومن حمى الفكر استطاع أن يحمي أعراض الناس، ومن حمى الفكر حمى عقول الناس وأموالهم ..

 

 

 

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله -تعالى- من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جَلَّ عن الشبيه والند والنظير.

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، وخِيرته مِن خَلقه، وأمينه على وحيه، أرسله ربه رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، فهدى الله -تعالى- به من الضلالة، وبصَّر به من الجهالة، وجمع به بعد الشتات، وأمَّن به بعد الخوف، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله الطيبين، وأصحابه الغُرِّ الميامين، ما اتصلت عينٌ بنظَر، ووعت أذن بخبر، وسلم تسليما كثيرا.

أما بعد:

أيها الإخوة المؤمنون: لما خلق ربنا -جل في علاه- آدم -عليه السلام- علمه الله -تعالى- الأسماء كُلَّها ليعرف الخطأ من الصواب، ليعرف خطأها من صوابها، وليعرف ما يقبل عليه وما يتركه، ثم أمره الله -سبحانه وتعالى- أن يعرض ذلك على الملائكة، وقد كان الأنبياء من قبل يعلمون الناس وينبهونهم فيصفون لهم طريق الخير والشر لأجل ألا يتخذوا قراراً، أو يُقْدِموا على خطوة إلا وهم يعلمون عواقبها.

والفكر -أيها الإخوة المسلمون- هو الذي يحكم على قرارات الناس، وبالتالي هو الذي يؤدي إلى تصرفاتهم، والذي يسوقهم إلى أفعالهم؛ لذا، فمَن حَمَى الفكر حمى الناس من الموت والقتل، ومن حمى الفكر استطاع أن يحمي أعراض الناس، ومن حمى الفكر حمى عقول الناس وأموالهم.

وإذا نظرت فيما سبق من التاريخ وجدت أن عدداً من الفرق السابقة ممَّنْ ضلت عن الصراط المستقيم، وتأوَّلَتْ التأول الشديد الفاسد في الدين، تجد أنهم في كثير من الأحيان أُتوا من خلال فكرهم. ما الذي جعل الخوارج يقتلون أهل الإسلام ويتركون أهل الأوثان إلا أنهم ضلوا في أفكارهم ورأوا أن هؤلاء المسلمين قد ارتدوا، ثم أقبلوا على قتلهم والتنكيل بهم؟ ما الذي جعل كثيرا من الناس ربما وقع في بعض الأمور المشتبه فيها من الأموال، إلا أنهم رأوا أنها حلال، أو تأولوا لأنفسهم مخارج لأجل أن يأكلوها؛ ليبتعدوا بها عن الحرام الصريح؟.

لذا من تأمَّل في أخبار الأنبياء السابقين وجد أنهم كانوا حريصين على حماية فكر أتباعهم حتى لا يكونوا من الذين قال الله -تعالى- فيهم: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ) [الجاثية:23]، وممن قال الله -جل وعلا- فيه: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) [فاطر:8]، وهذه هي الخيبة العظيمة أن يزين لك أمر من الأمور لأجل خلل فكري وقع في رأسك؛ وبالتالي تُقبل عليه وأنت ترى أنك على خير وأنت على ضلال بعيد!.

وقد سمى الله -تعالى- في كتابه بعض أهل الكتاب بالضالين لأنهم ضلوا عن الصراط المستقيم وصاروا يتعبدون بغير شرع الله -جل وعلا-.

وقال الله -تعالى-: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً) [الغاشية:3-4]، مر أبو بكر -رضي الله تعالى عنه- براهب يتعبد في كنيسة وقد ترك الناس وزهد في الدنيا؛ لكنه يعتقد أن الله ثالث ثلاثة، يتقرب إلى عيسى وإلى روح القدس كما يتقرب إلى ربنا -جل وعلا- يعمل وينصب؛ لكنه على الشرك. فلما رآه أبو بكر دمعت عيناه وقال: صدق الله! (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً).

وإذا تأملت في كتاب الله -تعالى- وجدت أن قوم موسى -عليه السلام- إنما عبدوا العجل بسبب ضلل وخلل في أفكارهم، ألم تر أن السامري لما رأى جبريل راكبا فرساً وأقبل إلى موسى -عليه السلام- وتحدث معه، ثم ذهب جبريل ثم غاب عنهم موسى -عليه السلام- ليأخذ التوراة وليكلم ربنا -جل وعلا- فلما عاد موسى إلى قومه وإذا بذلك السامري قد صنع لهم من حلي كانت معهم، قد صنع لهم عجلا بطريقة معينة، بحيث إنه يوجه إلى الريح فيصدر خواراً، يدخل الهواء من دبره ويخرج من فم هذا العجل المصنوع تمثالاً فيصدر خوارا، ثم قال لهم: (هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) [طه:88].

فأخذوا يتعبدون ويتقربون إليه، فلما جاء موسى -عليه السلام- إلى قومه غضبان أسفا، وسأل السامري: (قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ) [طه:95-96]، أنا رأيت جبريل ولم يروه، (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ)، لما مضى جبريل جئت ونظرت إلى أثار الفرس فقبضت من التراب قبضة: (فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا)، ثم قال: (وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي) [طه:96].
هذا الفكر وحديث النفس الذي وقع في نفس السامري جعله بعد ذلك يدعو قومه إلى الشرك، لا؛ بل أن يصنع لهم إلها يعبدونه من دون الله!.

أيها المسلمون: إن أقواما يزين لهم سوء عملهم فيرونه حسنا، وربما جرهم إلى الضلال البعيد، والأمر الشديد أن يجرهم إلى ذلك شبهة تقع في قلوبهم فيرون أنهم على صواب، وأن عامة المسلمين على خطأ.

وربما جرهم إلى ذلك شهوة من الشهوات لذا بدأنا نقرأ كلاما مع الأسف للملحدين من أبناء جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا ممن نراهم في أسواقنا وفي مجالسنا وبين صفحات الانترنت بيننا، وبدأنا نسمع أقواما وقعوا في ضلال يتعلق بتصديق دين النصرانية، وربما تنصر بعضهم عياذا بالله من ذلك.

بل إني ناقشت أقواما بدؤوا يصدقون بديانة القاديانية ويعتقدون أن الميرزا غلام القادياني هو نبي بعد نبينا -عليه الصلاة والسلام- وأن الحج إلى قاديان في باكستان خيرٌ من الحج في مكة، وهم من أبناء جلدتنا، ومن أبناء بلادنا، ويتكلمون بألسنتنا؛ كل ذلك بسبب خلل في الفكر!.

إذاً؛ كيف نحمي أفكارنا؟ كيف كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يحمي أفكار أصحابه من أن يدخل إليها شيء من الضلال الذي ليس عندهم علم بردّه؟.

كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يحمي أصحابه من أن يطلعوا على أفكار القوم الآخرين ما لم يكن عندهم علم يردون به هذه الشبهات؛ لذا، لما جلس عمر رضي الله -تعالى- عنه إلى رجل من اليهود، وكان اليهود يخالطون المسلمين، وربما شاركوهم في تجارتهم وجاوروهم في منازلهم ومشوا معهم في أسواقهم، فلما جلس عمر إلى ذلك اليهودي قال ذلك اليهودي شيئاً من التوراة إلى عمر وإذا فيها حكم وأمثال وبلاغة وآداب، فأعجب عمر بهذا الكلام..

ثم قال لذلك اليهودي: اكتب لي هذا في صحيفة، هذا الكلام الحسن الذي فيه توجيه وفيه آداب اكتب لي هذا في صحيفة، وأنتم تعلمون أن التوراة قد وقع فيها التحريف؛ لكن لم تحرف كلها مئة في المائة بل حُرِّف أكثرها.

لذا احتج الله -تعالى- بها على اليهود وقال: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) [آل عمران:93]، يعني اتلوها كلها لأجل أن نقف على ما فيها من حق يشهد للنبي - -عليه الصلاة والسلام- - بصدق الرسالة، فلما كتبت تلك الكلمات والفوائد والآداب كتبت في صحيفة أقبل بها عمر مستبشرا فرحا إلى رسول الله - -صلى الله عليه وسلم- - يفرح أنه وجد شيئاً جديداً يناقش ويتحدث فيه.

فلما وضعه بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام- وقرأه عليه غضب النبي -صلى الله عليه وسلم-، كيف تذهب إلى مصدر غير مصدر القرآن والسنة ونحن لا نزال في أوائل نزول القرآن فلا يختلط القرآن بغيره.

قال -عليه الصلاة والسلام- له، وقد غضب: "أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟"، أنت عندك شك في الشريعة التي جئت بها فذهبت تبحث في كتب القوم عن شريعة أخرى أو عن مكمل لها؟ "أمتهوكون فيها؟"، هل تشكون فيها يا ابن الخطاب؟ "والله لقد جئتكم بها بيضاء نقية!"، والله إنها بيضاء ليس فيها شك، وليس فيها ضلال، لم تعبث بها يد عالِمٌ، ولم تغير فيها يدُ مُفْسِد، قال: "لقد جئتكم بها بيضاء نقية!"، ثم أخذها النبي -صلى الله عليه وسلم- ومحاها بيده، ثم قال: "يا ابن الخطاب، والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني".

حماية لأفكار أصحابه، القرآن لا يزال ينزل وأنا لا أزال أحدثكم ولم يتم الدين بعد، لا تزال الشرائع تنزل، فكيف يا عمر تتطلع على شيءٍ آخر ربما لم ينزل بعدُ في القرآن، وربما قد دخل إلى عقلك فيشق بعد ذلك إخراجه منه؟!.

لذلك -أيها المسلمون- حرَّم أهل العلم على من كان قليل العلم أو قليل الإدراك أو ليس عالماً من العلماء حرم عليه أن يطلع على كتب الشبهات، أو يناظر أهلها وهو قليل العلم في ذلك.

جلس ابن سرين يوماً في درسه وعنده جمع من طلابه فأقبل رجل من أهل البدع وقال: يا ابن سرين، عندي مسألة. فنظر ابن سرين إليه وعلم أنه لم يأت ليطرح المسألة ليستفيد! لا؛ وإنما أقبل ليطرح الشبهة ليشكك الطلاب في دينهم وفي عقيدتهم في ربهم.

فقال ابن سرين: لن أسمع منك شيئا الآن، تستطيع أن تأتيني في غير هذا الوقت، لابد أن تتحدث أمام طلاب بعضهم لم يحضر الدرس إلا من يوم أو يومين.

قال: لن أسمع منك شيئا. قال: اسمع مني كلمة. قال: ولا نصف كلمة، إما أن تذهب وإما أن أقوم، إن لم تغادر المكان لأجل أن أحمي طلابي من فكرك الفاسد، وربما كانت شبهة منمقة جمعت فيها الكلام الحسن ورصصت فيها الحجج، والطلاب جُدد على العلم منهم أعاجم ربما لم يدخلوا في الإسلام إلا قريبا.

قال: ولا نصف كلمة! إما أن تذهب وإما أن أقوم، فإذا قام الشيخ قام طلابه معه، مِن الطبيعي لن يجلسوا يستمعوا إلى درس من ذلك الإنسان، فكانوا حريصين على مثل ذلك؛ لأن كل من لم يكن متزينا بالعلم فإنه خطر عليه أن يقع في شيء من هذه الشبهات فيزين له سوء عمله فيراه حسنا.

ألم تر أن نبينا -صلوات ربي وسلامه عليه- لما أقبل بأصحابه يوما فمروا بقوم من المشركين وكان المسلمون حديثي عهد بكفر، لم يسلموا إلا من وقت يسير فلا تزال المعلومات الشرعية لم تكتمل، ولا يزال الإيمان لم يستقر استقرارا تاما، ولا تزال بعض رواسب الدين السابق موجودة، فلما مر بهم -عليه الصلاة والسلام- وإذا قوم مشركون يعبدون شجرة لها أغصان وقد علقوا سيوفهم بأغصانها لأجل أن تحل بركة الشجرة في السيوف فتصبح أكثر مضاءة وقتالا وثباتا.

لما مرَّ بها قال الصحابة قالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط. اجعل لنا شجرة لها أغصان، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط يا رسول الله، نريد مثلهم شجرة نعلق بها سيوفنا لأجل البركة! وأي بركة إلا من الله؟ !فلما سمع البني -عليه الصلاة والسلام- أنهم يطلبون شجرة يتبركون بها وهم الذين أنزل الله عليهم القرآن وبينهم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال -عليه الصلاة والسلام-: "الله أكبر! الله أكبر! إنها السنن، إنها السنن، قلتم -والذي نفسي بيده!- كما قال بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة!".

وذلك أن قوم بني إسرائيل مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم فـ (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ) [الأعراف:138]، نريد أصناما، (قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف:138-139].

قال -عليه الصلاة والسلام-: "إنها السنن! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بني إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة"، فكان -عليه الصلاة والسلام- يحذر أصحابه من أن يطلعوا على مثل هذا الفكر حماية لهم من أن يصيبهم شيء من ذلك.

وكان الصحابة الكرام رضي الله -تعالى- عنهم كانوا يلتمسون أصحاب الشبهات ليردوا عليهم، وليزيلوا ما في قلوبهم، وما أقبل أحدهم بشبهة... إن كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أظهرهم توجهوا إليه يسألونه، وإن كان ليس بينهم رفعوه إلى كبار الصحابة وعلمائهم.

وكانوا يقيمون العقوبة على من كان ينشر هذه الشبهات لعامة الناس، ما هو قصدك من نشرها؟ إن كنت تبحث عن الحق فطريق الحق معروف، هناك علماء يمكن أن تصل إليهم خاصة في عصرنا اليوم، تصل إليهم عبر شبكة الانترنت، عبر الاتصال عليهم في الفضائيات، عبر مراسلتهم على هواتفهم، تأتي وتصلي معهم في المسجد أو تنتظره إذا خرج وتتحدث معه.

لو كنتَ تُريد مالا تُسَدِّدُ به ديناً لاستطعت أن تصل إلى الشيخ ليسدد عنك دينك أو يساعدك على سداده، ولو كنت تريد واسطة لتسجل في جامعة أو تدخل زوجتك للعلاج في مستشفى لاستطعت أن تصل إلى الشيخ بعشرين طريقة؛ لكن لما كان عندك مسائل ثم طرحتها في الانترنت ثم قلت والله ما استطعنا نصل للمشايخ! أنت كذاب..

طريق طلب العلم والرد على الشبهات وإزالة الشك من القلب ليس كتابة في الانترنت ولا في الجرائد، ومع الأسف! نجد اليوم واحداً يكتب بأن كل مَن يعترف أن الله موجود هو في الجنة، يتعبد لله بأي دين؛ إذاً، إبليس أول الداخلين إلى الجنة! أليس إبليس هو من قال الله له: (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) [الحجر:35]، قال إبليس: (قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [الحجر:36]، إذاً، إبليس يؤمن بربوبية الله، ويؤمن بأنه رب، ويؤمن أيضا باليوم الآخر، يؤمن بالبعث، وأن هناك جنة وأن هناك نار، إبليس أول الداخلين!.

فرعون لما جاء إليه موسى -عليه السلام- ودعاه إلى توحيد الملك العلام -جل وعلا- التفت فرعون: يا همان ابنِ لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى، [فيه إله في السماء خليني نشوفه يا همان]، فكان يقر في قلبه، قال الله: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) [النمل:14].

والله -تعالى- يحاسب الإنسان على ما في قلبه، فإذا رأى من قلب فرعون إقرارا بربوبية الله، وها هو عند موته لما أدركه الغرق يقول: (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [يونس:90]، هذا يعني أن فرعون أول الداخلين للجنة!.

الذين يعبدون بوذا اليوم ويتقربون إلى هذا الصنم يقرون أن الله موجود ويعتقدون أن بوذا ابن الله! النصارى الذين يقولون المسيح ابن الله يقرون أن الله موجود! الهندوس يعبدون البقر ويقرون أن الله موجود !.

ثم يأتي كاتب جاهل ويقول: كل من قال لا إله إلا الله أو أقر أن الله موجود ليس فقط لا إله إلا الله، لا، هذا في الإلوهية هو يدعي توحيد الربوبية فقط، الإقرار أن الله موجود أو بالخلق والملك والتدبير وأنه داخل إلى الجنة! ويكتب هذا في الانترنت، وربما نقلها في بعض كتباته في الصحف، أليس هذا كفرا وضلالا وفجورا؟!.

ثم يأتي غيره ويكتب في الانترنت سبا وتنقصا لله -تعالى- واحتقاراً للجناب الإلهي -جل وعلا-، ويتكلم عن ربنا كأنما يتكلم عن صديق من أصدقائه يحتقره، ويتكلم عن رسولنا -عليه الصلاة والسلام-، هناك من يدعمه ويجتمع معه ويجالسه، فإذا أنكرنا عليه وشنعنا وطالبنا بمحاكمته قال قائل: علموه، انصحوه. بعدما وقع الفأس في الرأس ينصح!.

النبي -عليه الصلاة والسلام- لما قبض على أبي عزة الجمحي، قبض عليه أسيرا في معركة بدر، فلما قدم قال: يا محمد، اعف عني، أنا عندي بنات وأخرجت مكرها، أنا مسكين، ليس لبناتي أحد غيري، اعف عني.

فكان -عليه الصلاة والسلام- يأخذ من الأسرى فداء فعفا عنه وقال: "أبو عزة، لا أقاتلك بعد اليوم أبد"ا، خلاص عهد، فلما مضى وعفا عنه وجاء في معركة أخرى فإذا هو مأثور أقبل يقاتِل، فلما أسر قال أبو عزة: يا محمد اعف عني أنا عندي بنات، قال: "ألم، تقل لا أقاتلك أبدا"، قال: قد ألزمني القوم، بدأ يبحث عن أعذار.

فقال -عليه الصلاة والسلام-: "والله، لا أعف عنك ولا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول: خدعت محمداً مرتين"، ثم قطع رأسه. هذا السيف الأملح، هذا السيف النبوي.

قل: لولا الحكم الشرعي والقاضي الصارم والحاكم الموحد لنظرت إلى أنهار كفر فجرت، قال ابن القيم:
فابذر لهم إن كنت تبغِي كشْفَهُم *** وافرش لهم كَفَّاً مِن الأتْبانِ
واظْهَر بمظهر قابلٍ منهمْ ولَا *** تظهر بمظهر صاحبِ النُّكْرانِ
وانظر إلى أنهار كُفْرٍ فجِّرت *** وتهم لولا السيف بالجرَيَان

في عهد عمر -رضي الله تعالى عنه- أقبل رجل من العراق، رجل تخصصه طرح شبهات، لم يذهب ويجلس في مجلس لأحد أئمة العلم ويطلب العلم، لا، يبحث في القرآن عن شبهات ويطرحها للناس؛ فأقبل ودخل المدينة يعرف أين موضع عمر وأين موضع عثمان وعلي وغيرهم من الصحابة -رضي لله عنهم-، يعرف أن يسأل عن عبد الله بن عمر طالب علم، عن أبي هريرة، عن عبد الله بن عمرو، عن ابن عباس، يعرف أين يتوجه إليهم؛ لكنه لم يفعل، مضى إلى مجالس الناس ونواديهم، وأقبل يقف على كل مجموعة منهم، ليس بالمساجد، كلا؛ بل في الأسواق، من العامة الذي ربما لو تطلبه أن يقرأ سورة قصيرة لأخطأ فيها، عامي، لا يعرف إلا ما يقيم به صلاته!.

عامة الناس ممن لم يطلبوا العلم ولم يحفظوا القرآن، أقبل يقف عل مجموعات وهم يتحدثون في أمور دنياهم، فلما وقف إليهم قال: عندي مسألة؟ قال ما عندك؟ قال: إن الله يقول في القرآن: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) [الرحمان:39]، ويقول في القرآن: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر:92-93]، هل الله يسألنا أم لا يسألنا؟! فجعل الناس يضطربون! فعلا؛ قرآن متناقض! هل يسألنا أم لا يسألنا! ثم يدعهم في حيرتهم ويذهب إلى مجموعة أخرى ويطرح عليهم سؤالا مثله أو قريبا منه، ثم يذهب إلى مجموعة ثالثة حتى بدأ الناس يتشككون في القرآن، فرفع أمره إلى عمر رضي الله -تعالى- عنه.

فدعاه عمر فجيء به إليه، وهو صبيغ بن عسل، قال له عمر: أنت من أين؟ قال: أنا من العراق، قال ما عندك؟ قال: عندي مسائل، قال هات مسائلك، فقال إن الله يقول: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ)، ويقول: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، نبئنا يا عمر هل يسألنا الله أم لا يسألنا؟.

فقال له عمر إن يوم القيامة يوم طويل، (يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعارج:4]، قال: إن يوم القيامة يوم طويل، ففي موطن يعنف الناس، يُقال لأحدهم: زنيت، سرقت، عققت، ولا يطلب منه أن يجيب عن ذلك؛ لأنه ثابت عليه، وفي موطن تعرض عليهم صحفهم ويُسأل، يقال له: لماذا زنيت؟ لماذا سرقت؟ لماذا فعلت؟ فهو في مواطن يعنف ليعرف جلالة شره وفجوره، وفي موطن آخر يحاسب، هل فهمت؟ قال: نعم، قال فما عندك من مسائل، فجعل يطرح شبهة تلو شبهة وعمر يجيب عليه، فلما انتهى قال له عمر: انتهت مسائلك؟ ما عندك شبهات؟ قال نعم.

قال: لما كان عندك مسائل لماذا ما جئت إلي؟ لماذا لم تذهب إلى فلان وفلان من الصحابة؟ لماذا ذهبت إلى نوادي الناس وأسواقهم وعاماتهم وجهالهم وجعلت تشككهم في قرآن ربهم، لماذا؟ فأغلق على الرجل؛ لأن نيته كانت واضحة أن يشكك الناس، وأن يشتهر بينهم، أن عنده شبهات، يريد أن يذكر اسمه في الجرائد، أن تقام له قنوات فضائية، تقام له برامج، يريد أن يشتهر ولو باللعنة! اهم شيء أن يشتهر.

قال له عمر: لماذا لم تذهب إلي؟ تأتي إلي أو تذهب إلى عثمان وعلي وإلى الصحابة العلماء إن كنت باحثاً عن الحق؟ فسكت الرجل. فقال عمر: اجلدوه. فجلدوا ظهره، ثم قال: اكشفوا عمامته، فضربه بالعصا على رأسه ضربات، ثم قال له عمر: هل بقي في رأسك شيء؟ عندك نية أن تشكك الناس مرة ثانية في الدين؟ تريد أن تطلب العلم؟ طريق العلم واضح، لكن تذهب تشكك الناس في ديننا! كلا، هل بقي في رأسك شيء؟ قال لا والله يا أمير المؤمنين ما بقي في رأسي شيء.

قال اذهب إلى العراق، والله لو بلغني عنك شيء لأقطعن رأسك، فذهب الرجل، فلما انتهت سنوات عمر رضي الله -تعالى- عنه ثم تولى عثمان -رضي الله عنه- ومضى له سنوات في الخلافة ثم قام عليه من قام من الخوراج وأوباش الناس أرسل بعضهم إليه ليجيء.

فجاء صبيغ، قال: ما عندكم؟ قالوا: إن ما كان ما يضربك عليه عمر اليوم له قيادة، تعال ادخل معنا، ادخل مع الخوارج، نحن أهل الشبهة، فحك ظهره وقال: أما أنا فقد أدبني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، والله لا أدخل معكم في شبهة بعد ذلك!.

كانوا حريصين على أن يحموا الناس من الشبهات، لما يأتيك إنسان ويقول هذه حرية فكر ليكتب ما أراد، أتحداه يكتب شيئاً عن الحكومة، إن كنت رجلا وتقول حرية فكر انتقد شيئا يتعلق بالحكومة، يتعلق بالأمن، يتعلق بالأموال، يتعلق بالفساد الإداري، انتقد إن كنت رجلا وتدعي حرية الفكر!.

أما أن تميل على ربنا وعلى كتاب ربنا وتكتب ما شئت أو تكتب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم إذا رأيت العقوبة وصار الناس قلت ارأفوا بي إنها حرية فكر! أليس هناك أقوام سجنوا وهم أصغر من العشرين بسبب أمور سياسية؟ ثم هذا في العشرين الذي انتقص أو غيره كبير أو صغير ثم يقال بعد ذلك: والله هذا صغير انصحوه! هلا كان ذلك قبل ذلك؟ إذاً؛ كل إنسان سيكفر ويفجر ثم يقول: والله انصحوني، أعطوني نصيحة!.

الله -سبحانه وتعالى- عنف من يستمعون إلى هذه الشبهات، قال -جل وعلا-: (نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ) [النساء:140]، لا تستمع إلى الشبهات أصلا: (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [الأنعام:68].

لا يجوز أن تقرأ شبهات عن الإسلام إلا لمن عنده قدرة على الرد عليها، شبهات تتعلق بالصحابة، موقع في الانترنت يتكلم في شبهات عن الصحابة، لا يجوز، حرام أن تدخل وتقرأ هذه الشبهات إلا بعدما تعرف الرد عليها والإجابة عليها.

أشياء تتكلم في الأحكام الشرعية، شخص يتكلم عن الحدود: لماذا تقطع يد السارق؟ لماذا يجلد الزاني؟ احم عقلك وفكرك.

لما ترجم الذهبي لعمرو بن عبيد في كتابه سير أعلام النبلاء، وكان عمرو بن عبيد كان هو رأس المعتزلة ينكر صفات الله يقول: القرآن مخلوق، عنده من الضلال ما لو وضع على جبل لهده وأنواع التنقص لصفات الله -تعالى- وأسمائه الحسنى؛ فلما ترجم له الذهبي، وكان الذهبي -رحمه الله- إذا ترجم لأحد ولو ترجم لخالد بن الوليد مثلا قال البطل الشجاع المجاهد خالد بن الوليد، وإذا ترجم للإمام أحمد قال الإمام المبجل عالم الحديث صاحب المسند،يصفه بعدد من الصفات، كان عمرو بن عبيد مع ضلاله وكثرة الشبهات في قلبه إلا أنه كان عابدا حتى إنه مرة التقى بالخليفة فقال له الخليفة وهم في الحرم قال: هل لك إلي حاجة؟ فقال له عمرو: هذا مقام لا يسأل فيه إلا الله. وتركه وذهب، مع أنه ضال في عقيدته ينكر أن الله في السماء، أن الله مستو على العرش، ينكر أن الله يتكلم وأنه سميع بصير، يسجد ويقول: سبحان ربي الأسفل!.

لما ترجم له الذهبي قال: عمرو بن عبيد الزاهد العابد الورع الزنديق الفاجر، فكان زاهد في الدنيا، ورعا عن المحرمات، كان متعبداً، لكن لما أكثر السماع لأهل البدع ومجالستهم وأكثر الاستماع والنظر إلى شبهاتهم خلصت إلى قلبه حتى ضل ضلالا عظيما.

لذلك؛ احذر من أن تتطلع على تلك الشبهات إلا إذا كنت مرتبطا بعالم يستطيع أن يزيل عن الشبهة وأن يبين لك الرد عليها.

أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يحمي عقائدنا وفكرنا من كل شر، وأن يميتنا وهو راض عنا، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه وتوبوا إليه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشانه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صل الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وخلانه، وعلى من سار على نهجه واستن بسنته واقتفى بأثره إلى يوم الدين.

أما بعد: أيها الإخوة الكرام، إن هؤلاء الذين تبنوا الشبهات وبدؤوا يميلون إلى الإلحاد والضلال، إن هؤلاء هربوا من الرق الذي خلقوا له فبُلوا برِقِّ النفس والشيطان، هربوا من العبودية لله فإذا هم يعبدون شهواتهم ويعبدون الشيطان.

وإن هؤلاء هم أشد الناس اضطرابا في دواخل قلوبهم، وهم أبعد الناس عن السعادة والاستقرار النفسي، ولو سألت بعضهم ممن يتبنى الإلحاد أو تشجيع أهله أو يتبنى شيئا من الفكر الضال لرأيت فيه من الاضطراب والفساد في داخل قلبه وعدم الاستقرار لرأيت فيه ما ينزع عنه سعادة الدنيا، وإن مات على ما هو عليه نزعت منه سعادة الآخرة: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران:85]

مر الرازي يوما وكان من كبار المتكلمين من كبار الفلاسفة، لم يتبع في القرآن والسنة ويهتدي بهدي الأئمة وكان يغتر بعقله ويرى أن عقله يقدم على النقل، ومر يوما في نيسابور في طريق فالتأم عليه الناس، الرازي له شهرة، وجعلوا يسألونه، فمروا على امرأة جالسة على عتبة بابها، على عجوز، فلما مروا بها قالت: "ايشن هذا؟"، أي شيئ هذا؟ مَن هذا؟ لماذا تجتمعون عليه؟ قالوا هذا الرازي! قالت: ايش الرازي؟أي شيء الرازي؟ قالوا هذا الذي جاء بألف دليل عقلي على وجود الله، فقالت العجوز: والله لو لم يقم في قلبه ألف شك لما احتاج إلى ألف دليل.

تأتي بألف دليل عقلي، والله لو لم يكن في قلبه ألف شك لما احتاج إلى ألف دليل! فسمعها الرازي فرفع يديه وقال: "اللهم أسألك عقيدة كعقيدة عجائز نيسابور".

هذا الاستقرار -ياربي- الذي تعيشه هذه العجوز في قلبها مؤمنة بك، مطمئن إيمانها بك وبوجودك، ما عندها شك، لم يدخل على عقلها خلل ولا شبهة! يارب أعطني إيمانا كإيمانها.

أسأل الله -تعالى- أن يثبتنا على ديننا إلى الممات، أسأل الله أن يزيدنا علما وهدى وتوفيقا، أسأل الله أن يعيذنا من الشبهات والشهوات، ما ظهر منها وما بطن...

 

 

 

 

 

 

 

المرفقات
حماية الفكر.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life