تقوى القلوب

محمد بن عبدالرحمن العريفي

2022-10-10 - 1444/03/14
التصنيفات: أحوال القلوب
عناصر الخطبة
1/ أهوال تشيب منها الولدان 2/ نجاة أهل التقوى في الآخرة 3/ حقيقة تقوى القلوب وآثارها .

اقتباس

هل اتَّقى اللهَ حقيقةً؛ مَن يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله ويُصبِحُ مُجتهداً في مَطعَمٍ حرامٍ ومَلبسٍ حرامٍ وغِذاءٍ حرام ؟ يُصبحُ وقد ضَربَ هذا وشتمَ هذا وأكلَ مالَ هذا وسَفَكَ دمَ هذا ووقعَ في عِرضِ ذاكَ وذا؟ هل استشعرَ رَقابةَ الله؟ مَنْ يَجلِبُ النارَ لِيُحرِقَ بيتَهُ وأهلَهُ من أغانٍ وأفلامٍ ماجِنةٍ وقِصَصٍ سافِلَةٍ..

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستغفِرُه، ونعوذُ باللهِ تعالى من شُرورِ أنفُسِنا وسيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهدِهِ اللهُ؛ فلا مُضِلَّ لَه ومن يُضلِلْ؛ فلا هاديَ لَه، وأشهدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَه، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وصَفيُّه وخليلُه وخِيرَتُه من خلقه، وأمينُه على وحيه، أرسلَه رحمةً للعالمين، وحُجَّةً على العبادِ أجمعين، فهدى اللهُ بهِ من الضَّلالَةِ وعلَّمَ به من الجَهالةِ وقَوَّى به بعدَ الضَعف، وكثَّــرَ به بعد القِلَّةِ، وأغْنى به بعد العـَيلَة؛ -فصلواتُ اللهِ وسلامُه عليه-، وعلى آلهِ وصحبهِ، ومن تَبِعَهُ إلى يوم الدين أما بعد:

 

أيُّها الإخوةُ الكِرامُ: تَخَيَّلْوا أنَّ وَليداً عُمرُهُ شهرٌ واحد؛ قَضى اللهُ، ألّا يَعيشَ سِوى هذا الشَّهرَ فَقَبضَهُ دَيَّانُ يومُ الدِّين وقُبِرَ مع الـمَقبورين، وبَينَما هم في قُبورِهم: إذْ نُفِخَ في الصُّور، وبُعثرَتِ القُبور، وكانَ؛ فيمَن خَرجَ ذلِكُمُ الصبيُّ ذو الشهرِ الواحد حافِياً عارِياً أبهمَ.

نظرَ فإذا الناسُ حُفاةٌ عُراةٌ رجالاً  و نِساء؛ الجبالُ كالعِهنِ الـمَنفوش والناسُ كالفَراشِ المبثوث، السماءُ انْفَطرَت  والجبالُ سُيِّرت  والأرضُ زُلْزِلَت، والعِشارُ عُطِّلَت الوحوشُ حُشِرَت البِحارُ فُجِّرَت، الأمَمُ على الرُكَبِ جَثَت وإلى كتابِها دُعِيَت، الشمسُ كُوِّرَت  ومن رُؤوسِ الخلائِقِ أُدْنِيَت، الأمَمُ ازْدَحَمت وتَدَافَعَت الأقدامُ اختلفت الأجوافُ احتَرقت والعَرَقُ قد بلغَ الأذُنَين، والناسُ بينَ مُستَظِلٍّ بِظِلِّ العَرْش ومَصْهورٍ في حَرِّ الشمسِ، والصُحُفُ نُشِرَت والموازينُ نُصِبَت والكُتُبُ تَطايَرت صَحيفَةُ كُلٍّ في يَدِه مُخبِرَةٌ بِعملِه لا تُغادِرُ بَلِيةً كَتَمَها ولا مُخَبَّأةً أسَرَّها، اللِّسانُ كَليلٌ  والقلبُ كَسيرٌ الجوارِحُ اضْطَرَبت والـمَوءُودَةُ سُئِلت والجحيمُ سُعِّرت والجنةُ أُزْلِفت.

 

وعَظُمَ الأمرُ وأشتَدَّ الهَول والـمُرضِعةُ عمَّا أرضَعَت ذُهِلَت وكُلُّ ذاتِ حَملٍ حَملَها أوْقَعت، زَاغَتِ الأبصارُ وشَخَصت والقلوبُ الحناجِرَ بَلَغَت وانْقَطَعت عَلائِقُ الأنسابِ، وتَراكَمت سَحائِبُ الأهوالِ وأنْعَجَمَ البَليغُ بالمقالِ وعَنَتِ الوجوهُ للقَيُّوم، واقْتُصَّ من ذي الظُلمِ للمَظلومِ وسَاوَتَ الملوكُ للأجنادِ وأُحضِرَ الكِتابُ والأشهادِ، وشَهِدَ الأعضاءُ والجوارِحُ وبَدَتْ السَّوءاتُ والفَضَائِحُ وابْتُلِيَت هنالِك السَّرائِر وانكشَفَ المخفِيُّ في الضمائِر.

 

هُنا تَخَيَّلْ ذلكَ الوَليد صاحِب الشهرِ الواحدِ ما اقْتَرَفَ ذَنباً وما ارتَكبَ جُرماً والأهوالُ مُحدِقةٌ بهِ من بينِ يَدَيه ومن خَلفِه وعن يَمينهِ وعن شِماله تخيَّلْهُ مَذعوراً قَلبُه اشتَعَلَ رأسُهُ شَيباً في الحالِ لِـهَولِ ما يَرى فَيا للهِ لذلكَ الموقِف.

 

هذا بلا ذَنْبٍ يَخافُ لِـهَولِهِ  **** كَيفَ الـمُصِرُّ على الذُّنوبِ دُهورُ

 

قالَ اللهُ -عزَّ وجلَّ-: (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا) [المزمل: 17].

 

عبادَ الله: في خِضَمِّ هذهِ الأهوالِ التي تَبْيَضُّ منها مَفارِقُ الوِلْدانِ ما النجاةُ وما الـمَخرجُ؟

 

إنَّ النجاةَ والمخرجَ في أمرٍ واحدٍ لا غَير، (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا) [مريم: 71]، وقال الله: (وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [الزمر: 61]، لا يُنجي واللهِ في تِلكَ الأهوالِ إلّا التَّقْوَى؛ فمَا حَقيقَةُ تِلكَ الكَلِمَةِ؟

 

إنَّها اسْتِشْعارُ رَقابَةِ اللهِ على حَياتِكَ حتَّى كأنَّكَ تَراهُ؛ فإنْ لـَمْ تَكُنْ تَراهُ؛ فإنَّهُ يَراك، وتِلكَ مَرتَبةُ الإحسان؛ فَهِمَ هذا أصحابُ رَسولِ اللهِ؛ فَصِرْتَ تَرى شَرْعَ اللهِ يَدُبُّ على الأرضِ في صُورةِ أُناسٍ يَأكُلونَ الطعامَ ويَمشونَ في الأسواق، ورَوى الإمامُ البُخاريُّ عن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: "كنتُ سَاقي القَوم في بيتِ أبي طلحةَ (يعني الخمرَ) وإنِّي لَقائمٌ أسقِي فُلاناً وفُلاناً وفُلاناً إذْ جاءَ رجلٌ فقالَ: هلْ بَلغَكم الخبَرُ قالوا وما ذَاك

 

قال: "لقد حُرِّمَتِ الخمرُ، وقد أمرَ رسولُ اللهِ مُنادِياً يُنادي ألا إنَّ الخمرَ قَد حُرِّمَتْ، وتَلا عليهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) [المائدة: 90- 91]؛ فقالوا: أهْرِقْ هذهِ القِلالِ يا أنس؛ فما سألوا عنها ولا راجَعوها بعدَ خَبَرِ الرجل وما دَخَلَ داخِلٌ ولا خرجَ خارجٌ حتى أراقوا الشرابَ وكُسِرَتْ القِلال ثم تَوضَّأ بعضُهم واغتَسَلَ بعضُهم ثم أصابُوا من طِيبِ أمِّ سُليمٍ ثم خَرجوا إلى المسجدِ يَخوضونَ في الخمرِ قد جَرَتْ بها سِكَكِ المدينة؛ فقد تَواطَأتْ المدينةُ كُلُّها على تَحريمه بعضُ القَومِ كانت شَربَتُه في يدِه فلم يَرفَعْها لِفِيهِ بل أرَاقَ ما في كأسهِ وصَبَّ ما في قِلالِهِ وقال: انْتَهَينا رَبُّنا انتهينا لم يَقولوا تَعَوَّدنا عليهِ منذُ سنينَ و وَرِثناها عن آبائِنا كما يَفعلُ بعضُ مُسلِمي زمانِنا ما تَكوَّنَت عِصاباتٌ لِتَهريبِ الخمورِ ؛ لأنَّهم اسْتَشْعَروا رَقَابَةَ رَبِّهم فَبادَروا إلى تَنفيذِ أوَامِرِه، وبعدَ مَعركةِ تَبوك  يأمرُ النبيُّ أهلَ المدينةِ ألّا يُكلِّموا كَعباً حينَ تَخلَّفَ عن تبوك؛ فإذا الأفواهُ مُلجَمةٌ لا تَنْبِسُ بِبِنْتِ شَفَةٍ وإذا الثُغورُ لا تُفتَحُ حتى عن بَسمَةٍ، بل يُسَلِّمُ على ابنِ عمِّهِ أبي قتادَةَ فما يَرُدُّ -عليهِ السلام-؛ فأمْرُ رَسولِ اللهِ عندَ هؤلاءِ القومِ فَوقَ كُلِّ خُلَّةٍ، ثم انظُر إليهم لما نزلتْ تَوبةُ اللهِ على هذا الرجلِ على كَعبٍ وأرضاهُ، تتَحرَّكُ المدينةُ وتَنتفِضُ عن بَكرةِ أبيها إلى كعبٍ فإذا الأفواهُ تَلهَجُ له بالتَّهنِئَةِ وقد كانت مُلجَمَةٌ وإذا الثُغورُ لا تَفتُرُ عن بَسَماتٍ مُضيئَةٍ صادِقةٍ وقد كانت عابِسةً، نُفوسٌ لا يُحرِّكُها؛ إلّا دينُ الله.

 

إنَّهم لم يَقِفوا عندَ امتِثالِ أمرِهِ واجتنابِ نهيِهِ بل تَابَعوا أفعالَ المصطفى ولاحَظوا تَصَرُّفاتِه بِكُلِّ دِقَّةٍ وحُبٍّ وحِرصٍ على الاقتِداءِ حتى إذا ما فَعلَ شيئاً سارعوا إلى فِعلِه مُباشرةً لأنَّهم يَعلمونَ أنَّ سُنتهُ سَفينةُ نوحٍ من ركِبَها نجا ومن تَخلَّفَ عنها هَلَك.

 

ثبت عند أحمد وأبي داود عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: "بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ؛ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ؛ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-صَلَاتَهُ، قَالَ: "مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ، قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا".

 

وعَنْ أَنَسٍ، قَالَ: "دَعَا رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجُلٌ؛ فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَجِيءَ بِمَرَقَةٍ فِيهَا دُبَّاءٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-يَأْكُلُ مِنْ ذَلِكَ الدُّبَّاءِ وَيُعْجِبُهُ"، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ جَعَلْتُ أُلْقِيهِ إِلَيْهِ وَلَا أَطْعَمُهُ، قَالَ: فَقَالَ أَنَسٌ: "فَمَا زِلْتُ بَعْدُ يُعْجِبُنِي الدُّبَّاءُ" (رواه البخاري ومسلم)، وكَذلِكَ الإيمانُ إذا خَالَطت بَشاشَتُهُ القُلوب.

 

عبادَ الله: هل اتَّقى اللهَ حقيقةً  مَن يَشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا الله ويُصبِحُ مُجتهداً في مَطعَمٍ حرامٍ ومَلبسٍ حرامٍ وغِذاءٍ حرام ؟ يُصبحُ وقد ضَربَ هذا وشتمَ هذا وأكلَ مالَ هذا وسَفَكَ دمَ هذا ووقعَ في عِرضِ ذاكَ وذا؟ هل استشعرَ رَقابةَ الله؟

مَنْ يَجلِبُ النارَ لِيُحرِقَ بيتَهُ وأهلَهُ من أغانٍ وأفلامٍ ماجِنةٍ وقِصَصٍ سافِلَةٍ؟ هل استشعرَ رقابةَ الله؟

من لَيلُهُ سَهَرٌ على ما حَرَّمَ اللهُ ويُصبِحُ مُجاهِراً بِمعصيَتِه ؟

 

إنَّ حقيقةَ التقوى؛ ألّا تَنطِقَ بكلمةٍ؛ إلّا وقَد أعدَدْتَ جَواباً بينَ يَدَيِ الله، وحقيقةُ التقوى ألّا تكونَ عَدُوَّاً لإبليسَ في العَلانِيَةِ صديقاً لَهُ في السِّرِّ، وحقيقَتُها استشعارُ قُدرَةِ اللهِ عندَ قُدرَتِكَ على ظُلمِ العبادِ.

 

وروى مسلم، عن أبي مسعودٍ -رضي الله عنه-  قال: "كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: "اعْلَمْ، أَبَا مَسْعُودٍ، لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ"؛ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: "أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ"، أَوْ "لَمَسَّتْكَ النَّارُ".

 

وثبت في المسند عن عبدالله بن أنيس قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَوْ قَالَ: الْعِبَادُ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا  قَالَ: قُلْنَا: وَمَا بُهْمًا؟ قَالَ: "لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، ثُمَّ يُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مِنْ (بُعْدٍ كَمَا يَسْمَعُهُ مِنْ)، قُرْبٍ: أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الدَّيَّانُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، أَنْ يَدْخُلَ النَّارَ، وَلَهُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَلِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَهُ حَقٌّ، حَتَّى أَقُصَّهُ مِنْهُ، حَتَّى اللَّطْمَةُ".

 

ومن حقيقةِ التقوى نُصْرَةُ المظلومين  وإنصافُهم؛ ثبتَ عندَ ابنِ ماجه عن جابرٍ  قال: "لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-مُهَاجِرَةُ الْبَحْرِ، قَالَ: "أَلَا تُحَدِّثُونِي بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ؟" َالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ، تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا؛ فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ، وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَتَكَلَّمَتِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ، بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا، قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صَدَقَتْ، صَدَقَتْ كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ؟ "ابْغُونِي الضُّعَفَاءَ؛ فَإِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ، بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ" (رواه أبوداود وأصله في البخاري).

 

أيُّها المسلمون: إنَّ من الضُعَفاءِ من لَو أقْسَمَ على اللهِ لَأَبَرَّهُ؛ فإذا اسْتَنْصَروكم فَعَلَيكُمُ النَّصر، وكم في المسلمين من ذَوي حَاجَةٍ وأصحابِ هُمومٍ وصَرعى مَظالـِمَ وفُقَراء.

 

أقولُ قَولي هذا وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم  من كُلِّ ذنبً؛ فاستغفروهُ إنَّه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبةُ الثانية:

 

الحمدُ للهِ على إحسانه، والشكرُ له على توفيقه وامتنانه، وأشهدُ أنْ لا إلَه إلّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له تعظيماً لشأنه، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه الداعي إلى رضوانه، -صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه وخِلَّانه- ومن سار على نهجه واقتفى أثرَهُ واستَنَّ بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:

 

أيها الإخوة الكرام: ومن حقيقةِ التَّقوى ألّا تَنظُرَ إلى صِغَرِ الخطيئَةِ  بَلْ تَنظُرُ إلى عِظَمِ مَنْ عَصَيْتَ؛ فكم من ذَنبٍ حَقيرٍ استَهانَ بهِ العبدُ؛ فكانَ هلاكاً لَهُ، (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) [النور: 15].

 

وثَبَتَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: "كَانَتِ الْعَرَبُ تَخْدُمُ بَعْضَهَا بَعْضًا فِي الأَسْفَارِ وَكَانَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَجُلٌ يَخْدُمُهُمَا؛ فَنَامَا فَاسْتَيْقَظَا وَلم يهيئ لَهُمَا طَعَامًا؛ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إِنَّ هَذَا لَنَئُومٌ؛ فَأَيْقَظَاهُ فَقَالا: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-فَقُلْ لَهُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يُقْرِئَانِكَ السَّلامَ وهما يَسْتَأْدِمَانِكَ؛ فَقَالَ: أقرِئْهُما للسلامِ وَأَخْبِرْهُمَا أَنَّهُمَا قَدِ ائْتَدَمَا فَفَزِعَا فَجَاءَا إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَعَثْنَا إِلَيْكَ نَسْتَأْدِمُكَ؛ فَقُلْتَ: قَدْ ائْتَدَمَا، فَبِأَيِّ شَيْءٍ ائْتَدَمْنَا ؟ قَالَ: بِلَحْمِ أَخِيكُمَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لأَرَى لَحْمَهُ بَيْنَ أَنْيَابَكُمَ قَالا: فَاسْتَغْفِرْ لَنَا، قَالَ: "هُوَ فَلْيَسْتِغْفِرْ لَكمَا"؛ فإيَّاكُم ومـُحَقِّراتِ الذُنُوبِ فإنَّهن يَجتَمِعنَ على الرَّجُلِ حتى يُهلِكْنَهُ وإنَّ لها من اللهِ طالباً".

 

إنَّ حقيقةَ التقوى: الـحَذَرُ من اسْتِحْلالِ مَحارِمِ الله؛ بالـمَكْرِ والاحْتِيالِ  فإنَّ للهِ يَوماً تَشهَدُ فيهِ الجوارحُ والأوصالُ، يوماً تَبْيَضُّ فيهِ وُجوهٌ وتَسْوَدُّ وُجوهٌ  هذهِ بعضُ حقائِقِ التقوى.

 

اللهمَّ وفِقنا لفعلِ الخيراتِ وتركِ المنكراتِ وحُبِّ المساكين.

 

اللهمَّ من كانَ منهم حياً فمتِّعْهُ بالصحةِ على طاعتِك واخْتِمْ لنا ولَه بخير ومن كان منهم مَيِّتاً فَوَسِّعْ له في قَبْرِهِ وضاعِفْ له حسناتِه وتَجاوزْ عن سيئاتِه واجمعْنا بهِ في جنَّتِك يا رَبَّ العالمين.

 

اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت إلى إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

المرفقات
تقوى-القلوب.doc
التعليقات

© 2020 جميع الحقوق محفوظة لموقع ملتقى الخطباء Smart Life